منها الطاعون والكوليرا: أوبئة في عُمان خلال القرنين الأخيرين

منها الطاعون والكوليرا: أوبئة في عُمان خلال القرنين الأخيرين
منها الطاعون والكوليرا: أوبئة في عُمان خلال القرنين الأخيرين

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

عرفت عمان العديد من الأمراض والأوبئة بأنواعها المختلفة والتي كانت تنتشر لأسباب مختلفة منها ما يعود إلى الوعي الصحي، والعادات الصحية التي عملت على انتشار الأمراض، وانتشار أسراب البعوض والذباب، ومنها ما يتعلق بالإمكانات الطبية المتاحة في تلك الفترات، بالإضافة إلى التواصل الحضاري عبر البحر مع بعض الدول القريبة والمحيطة والتي كانت تتبادل حركة التجارة مع السلطنة، وما تبع ذلك التواصل من انتقال لأمراض وأوبئة كانت منتشرة في تلك المناطق، وبالأخص الهند.

وقد سعى أئمة عمان وسلاطينها قدر استطاعتهم، ومن خلال الوسائل المتوافرة إلى بذل كافة الجهود التي من شأنها الحد من انتشار تلك الأمراض والأوبئة، وكان الحجر الصحي بأساليبه المختلفة أبرز تلك الجهود.

 

كما تعد عمان من أوائل دول المنطقة التي اهتمت بإنشاء مراكز صحية وبالأخص منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية حركة النشاط التبشيري في المنطقة، حيث تم افتتاح عدد من المؤسسات الصحية من بينها مستوصف ولجات التابع لمؤسسة بومباي الصحية، والمستشفى الخيري الذي افتتح عام 1910، وأسهم السلطان فيصل بن تركي في الدعوة لإنشائه، ومستشفى الإرسالية الأمريكية (السعادة) الذي افتتح عام 1913 والذي كان مخصصًا للنساء، ومستشفى الطبيب طومس، وغيرها من المراكز.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من تاريخ الأوبئة في عمان خلال المائتي سنة الأخيرة، وظهور مصطلح الحجر الصحي في الخليج، وأبرز الجهود التي بذلها السلاطين للحد من انتشار تلك الأمراض والأوبئة اعتمادًا على بعض الدراسات والتقارير التي تناولت تلك الموضوعات.

“أثير”

تاريخ الحجر الصحي في منطقة الخليج

كان للتنافس السياسي على منطقة الخليج بين الدول العظمى الأثر الكبير في تسابق تلك الدول على إيجاد مراكز للحجر الصحي تكفل للمنطقة خلوّها من الأمراض والأوبئة، وتكفل لتلك الدول موطئ قدم في هذه الدول والأقاليم.

ويرجع الفضل لكل من الحكومتين التركية والبريطانية في إيجاد نظام الحجر الصحي (الكرنتينات) على جميع السواحل في الخليج والجزيرة العربية، ولقد كانت مراكز الحجر الصحي تقوم بالكشف على السفن حال وصولها إلى الموانئ ويتم تطبيق الحجر على ركاب السفن لعدة أيام أو أكثر بحسب طبيعة الأحوال الصحية وحال ظهور مرض وبائي بين الركاب.

وبحسب الباحث خالد الجار الله فقد بدأ تطبيق الحجر الصحي بالخليج من قبل السلطات التركية في إثر انتشار الأوبئة القادمة من الهند بوساطة النقل البحري وكان ذلك في عام 1865، وكانت البصرة هي مركز الحجر الرئيس بالخليج حتى نهاية القرن التاسع عشر، كما عهدت الحكومة البريطانية وبمقتضى اتفاقية عقدتها مع بريطانيا لتقوم الأخيرة باتخاذ جميع إجراءات الحجر الصحي في موانيها، وافتتحت مراكز طبية بريطانية في بندر عباس ولنجة والمحمرة.

ويعد الدكتور بروست أول من أشار إلى ضرورة الحماية الصحية للخليج، وذلك في المؤتمر الذي انعقد في البندقية خلال سنة 1892، وبيّن خلاله خطر تسرب الموليرا عبر هذه المنطقة، وعبّر عن أمله في التوصل إلى اتفاق بين الحكومة العثمانية وكبريات دول أوروبا يتم بموجبه إقرار مراقبة للبواخر القادمة من المناطق الموبوءة، وأكّد ذلك في مؤتمر باريس سنة 1894 حيث قدّم تقريرًا تضمن برنامجًا مفصلًا تناول ضرورة إقامة رقابة جدّيّة على السواحل الخليجية، وقدّم توضيحات حول الهيئات التي يجب أن تتكفل بتطبيق الإجراءات المتخذة، وتعيين المواضع التي يجب أن تركّز فيها المراكز الصحية.

مقتطفات من تاريخ الأوبئة في عمان

عرفت عمان عبر تاريخها العديد من الحالات التي انتشرت فيها الأوبئة القاتلة، ومن يتتبع كتب التاريخ العماني، أو الكتب والمراسلات الفقهية يجد إشارات عديدة لانتشار تلك الأوبئة، ومن بينها هذه القصة التي تعود إلى القرن الثالث الهجري حيث يورد الباحث محمد بن عبد الله السيفي في الجزء الرابع من كتاب (النمير) نقلًا عن مخطوط شفاء القلوب للعبري رواية للعلّامة أبو سفيان محبوب بن الرحيل: رأى رجلًا في منامه في أيام الطاعون الجارف أنه يخرج من داره اثنا عشر ميتًا وهو وعياله اثنا عشر، فمات من عياله أحد عشر، وبقي وحده فخرج وقال: فيّ هو ثاني عشر، فلما كان من الغد دخل الدار فإذا بلص قد دخل ليسرق فأصابه الطاعون فمات، فكان هو ثاني عشر وبقي هو.

واذا تتبعنا تاريخ انتشار الأوبئة في عمان خلال القرنين الأخيرين وما قبلهما بقليل  فإن أبرز الإشارات تشير إلى وفاة السيد حمد بن سعيد بن أحمد بالجدري سنة 1792، كما توفي السيد سالم بن سلطان بن أحمد بداء الفالج سنة 1821، وفي نفس ذلك العام انتشرت الكوليرا في عمان عن طريق السفن التجارية وبحارتها القادمين من الهند التي أصيبت بالكوليرا في عام 1817م، وقد وصف الدكتور روز بنرجر في كتابه (حكايات لرحلة حول العالم خلال الأعوام 1835 – 1836 – 1837 م ) ما حدث بقوله:”في يونيو / حزيران 1821م عندما قتلت الكوليرا 10 آلاف شخص من رعايا سلطان عمان كانت الحرارة وقيظ الصيف شيئا لا يطاق وبدا لو أن الريح ترسل شواظا من له، حتى أنه في منتصف الليل كانت قراءة الترمومتر 104 درجات مئوية”.

كما اجتاحت الكوليرا مسقط وبقية عمان مجددا عام 1865 وكان مصدره سفن تجارية قادمة من زنجبار يحمل بعض ركابها المرض الذي انتقل إلى المدينة من الهند، وكان المركب يحمل 85 مسافرًا وصل إلى مسقط منهم 35 مسافرًا فقط، وانتشر الوباء في مسقط ومنها إلى بقية المدن بسرعة كبيرة، ، وكان ضحاياه بنفس السرعة، فبحلول يوم 20 يونيو1865 كان عدد الوفيات وصل إلى 600 شخص في مسقط وحدها، بينما تجاوزت الأعداد 1700 شخص في صور على الساحل، بعدها بدأ المرض في الامتداد إلى جهة الشمال والغرب، وإن كان واضحا أنه لم يختف من مسقط حتى يوم 27 سبتمبر من العام نفسه .

عهد السلطان فيصل بن تركي

يشير الدكتور علي البسّام في كتابه (الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط ) إلى أن نشاط الملاحة البخارية الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وإن كان له أثر إيجابي على نقل التجارة والأفراد والبريد، من السلطنة إلى موانئ الخليج والهند، إلا أنه كان له بعض الآثار السلبية أثّرت في الحالة الصحية للمجتمع في السلطنة، وبدا ذلك واضحًا في نقل عدوى الأمراض الوبائية المختلفة مثل: الطاعون، والكوليرا، والجدري إلى أراضي السلطنة، حيث انتشر في عام 1325هـ \ 1897م مرض الطاعون في الهند، مما استدعى السلطان فيصل أن يتخذ إجراءات وقائية لمقاومة وصول المرض إلى السلطنة وذلك بمساعدة من القنصلية البريطانية في مسقط.

ويوضح البسام تلك الإجراءات التي تمثلت في منع نزول الأشخاص والأدوات، غير البريد، من السفن التي تحمل مصابين بالطاعون أو حتى مشتبهًا بهم، كما اشترط على ركّاب السفن السليمة بأن يُحتجزوا تحت المراقبة في منطقة تبعد ميلًا ونصف الميل عن مسقط (ولعله يقصد قرية حرامل) لمدة تسعة أيام، وأما بالنسبة لسفن الشحن فإن مسؤولية تفريغها وإنزال شحنتها كانت تقع على بحارة السفن أنفسهم، كما أنه لم يُسمح لعمال الميناء بالصعود إلى السفن القادمة من الهند، واتُخِذت هذه الإجراءات في معظم الموانئ المهمة في السلطنة.

ويذكر الباحث فهد بن محمود الرحبي في كتابه (عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي) أن المكان الذي تم اتخاذه لعزل المرضى كان ساحلا منعزلا في قرية (حرامل) كونها قرية صغيرة على شاطئ البحر تحيط بها الجبال من جميع الجهات عدا جهة البحر وفي فترة الدراسة لا يقطنها سوى عدد قليل جدًا من الصيادين، ولا يتم الوصول إليها سوى عن طريق البحر، وكان يتم عزل المرضى داخل مبنى طيني يطلق عليه الأهالي اسم “كرنتينه” وتعني الحجر الصحي.

 

وبالرغم من تلك الإجراءات والاحتياطات التي اتخذتها السلطنة لمواجهة الأمراض الوبائية وقتها، إلا أن مرض الكوليرا تسلل إلى السلطنة في عام 1317 هـ \ 1899 م، بواسطة ركّاب وفدوا من الهند عن طريق سفن الخط الملاحي البخاري الخاص بنقل البريد والمسافرين، وقد أكّد ذلك الدكتور أ.س جياكار طبيب القنصلية البريطانية في مسقط، وذلك في تقريره الطبّي الذي تحدث فيه عن بداية انتشار وباء الكوليرا في السلطنة، ومن أين انتقلت العدوى إليها والحالات المرضية التي تمت معالجتها، والطرق الكفيلة لمكافحة انتشار المرض في السلطنة، كما تحدث أيضًا عن طبيعة المرض وسبل علاجه وملاحظات صحية عامة.

ويشير الرحبي إلى رسالة أوتافي القنصل الفرنسي في مسقط والمؤرخة في 18 نوفمبر 1899 والتي يذكر فيها أن الكوليرا قضت على أكثر من 150 شخصًا في مسقط ومطرح بين 29 أكتوبر و3 نوفمبر، ثم انخفاض العدد إلى 45 بين 4 و10 نوفمبر، وانخفاضه بعد ذلك إلى ثمانِ وفيات في الفترة ما بين 11 – 18 نوفمبر بينما كان الوباء يفتك بحياة الناس في مدنٍ أخرى، ففي طيوي مثلًا تشير التقارير إلى وفاة 300 مريض، بينما لم تتأثر مدينة صور والسيب كثيرًا بالوباء عكس وادي المعاول وسمد والرستاق ونخل ووادي بني رواحة وسمائل وبدبد، ونزح كثير من سكان المناطق الداخلية من قراهم لتفشي المرض إلى مسقط، كما أن الكوليرا في ظفار انتشرت على طول سواحل حضرموت باتجاه عدن، وتخطى الوباء إلى صحار وصولًا إلى أبو ظبي وبقية البلدان على ساحل عمان برًا وبحرًا.

ويضيف الرحبي أن السلطان فيصل حاول التقليل من انتشار الوباء في عمان بإقامة المحجر الصحي على القوافل القادمة من داخلية عمان باتجاه مسقط، كما تم زيادة فترة الحجر في قرية حرامل لمدة عشرة أيام تبدأ من تاريخ الوصول إلى مسقط،.

كما أشار الرحبي إلى أن وباء الكوليرا قد انتهى في عمان عام 1900، إلا أنه تبعه بعدها ببضعة سنوات انتشار مرض الطاعون الذي كان بداية انتشاره عن طريق وصول عدد من التجار القادمين من كراتشي وجوادر إلى ميناءي مسقط ومطرح ثم انتشر عن طريق القوافل التجارية إلى مناطق أخرى في عمان، ووافق السلطان فيصل على إدخال عملية التلقيح ضد المرض، كما أصدر في عام 1903 مرسومًا ألزم فيه الرعايا البريطانيين المقيمين في أراضي السلطنة باتباع القواعد الصحية.

ويشير الرحبي كذلك إلى ظهور وباء الكوليرا مرةً أخرى في المناطق الداخلية مما تسبب في نزوح عدد كبير من الأهالي باتجاه مسقط، وقد كان السلطان صارمًا في تطبيق الحجر الصحي للقادمين من الداخل، مما أسهم بشكلٍ كبير في الحد من انتشار المرض في مسقط.

ويذكر البسّام والرحبي أن التقرير الإداري البريطاني لعام 1324 هـ \ 1906 أشارإلى خلو السلطنة من الأمراض الوبائية عدا انتشار مرض الملاريا، ويبدو أن مراكز الحجر الصحي المتعددة في موانئ السلطنة قد أدّت دورها في الحد من انتشار الأمراض الوبائية إلى جانب حملات التطعيم بين سكّان السلطنة.

كما أشار البسّام والرحبي كذلك إلى أن تأسيس المستشفى الخيري في مسقط (تم الحديث عنه في تقرير سابق لـ “أثير” والذي افتتح في عام 1328 هـ \ 1910 كان له دور إيجابي في التطعيم ضد الأمراض الوبائية بأنواعها، وزيادة الوعي الصحي في المجتمع المحيط به من خلال حملات التوعية التي كان يقوم بها أعضاؤه، وقد بلغ عدد من تلقوا العلاج فيه خلال الفترة من 1910 حتى 1914 حوالي 25 ألف مراجِع.

ويشير الدكتور صالح البلوشي في كتابه (صفحات من حياة السلطان تيمور بن فيصل) إلى أن عام 1911 يعد عامًا مميزًا من حيث عدد مرّات تفشّي الأمراض وأنواعها، وقد تحدثت وثائق الأرشيف البريطاني عن تفشي أمراض عدّة في أوقات وأماكن مختلفة، من بينها تفشّي وباء الكوليرا خمس مرات في ذلك العام، وكان أشدّها ما انتشر في شرق عمان في نهاية شهر يناير، وتسبب في وفاة 250 فردًا من جعلان بني بوحسن، و150 فردًا آخر من جعلان بني بو علي، لينتشر بعدها في مناطق أخرى في الشرقية، إضافة لمناطق بعيدة عنها مثل الرستاق.

وبتاريخ الرابع من مارس عام 1911 ظهرت أعراض مرضيّة على بعض الحجّاج العائدين من الحج خلال فترة وجودهم في الحجر الصحي بمسقط، كما ظهرت بتاريخ 15 مارس من العام نفسه أعراض مرضية على أحد البحّارة الهنود أثناء خدمته في البحر، وعندما أدخل إلى المحجر الصحّي تبيّن إصابته بالطاعون، لكنه توفي في اليوم ذاته، أما في 30 مارس فقد اكتشفت حالات قليلة بين أهالي قرية سداب القريبة من مسقط مصابة بالطاعون، وعلى الفور تم عزل القرية ومنع التواصل معها ومع سكّانها، وفي الوقت ذاته برزت ظاهرة وفيات الفئران في أحياء وحواري مسقط.

 

وفي السادس من أبريل من ذات العام فقد ظهرت بعض أعراض الطاعون على بعض الأهالي، ثم تلتها أعراض أخرى على غيرهم في 11 أبريل، كما سقط مرضى من مطرح نتيجة هذا المرض، واستمر الوضع على ذات المنوال حتى 20 مايو. وبشكل عام أصيب بالطاعون في مسقط في ذلك العام 76 شخصًا توفي منهم 67، وإن كانت أعداد المتوفين أكثر من ذلك نتيجة لعدم إبلاغ بعض الأهالي عن حالات الوفيات التي تحدث لديهم.

وقد وجّهت الحكومة النصائح والإرشادات للأهالي لاتخاذ الاحتياطات الضرورية كافة لتجنب الإصابة، كما قامت بكتابة الإرشادات والقوانين وترجمتها للغات المحلية، كما تم تطعيم الأهالي ضد بعض الأمراض.

عهد السلطان تيمور بن فيصل

يذكر الدكتور صالح البلوشي أن عمان ورغم عدم انضمامها إلى اتفاقية الصحة العالمية لعام 1926، إلا أن حكومة مسقط وعمان، وفي محاولةٍ منها للحفاظ على صحة مواطنيها والوافدين إليها وزائريها، حرصت على التواصل مع الهيئات الصحية الخارجية، وخاصةً مع خدمات الحجر الصحي في الخليج، حتى تتلقى بين الفينة والأخرى ملاحظات وتوجيهات ومشورات في كيفية التعامل مع الأوضاع الصحية ثم تنفيذها.

ويضيف البلوشي: ” ولمواجهة أي وباء أو حالة طبية طارئة فقد فرضت رسمًا ماليًا قدره خمس روبيات على كل شخص يصل إلى ميناء مسقط على متن البواخر الانجليزية، إن استلزمت حالته إبقاءه في الحجرالصحي، كذلك أنشأت محجرًا صحيًا في قرية (قنتب) الواقعة جنوب مسقط، وتكفلت بدفع راتب شهري قدره 150 روبية هندية إلى ضابط الحجر الصحي فيه”.

كما يشير كلٌ من الدكتور صالح البلوشي في كتاب آخر له بعنوان (مسقط في الأربعينيات من القرن العشرين)، والباحث الدكتور سليم الهنائي في دراسته حول ( ولاية مسقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية)  إلى انتشار وباء الجدري في مسقط في عشرينيات القرن العشرين مما تسبب في وفاة الكثير من الناس وإصابة عدد منهم بالعمى، فقامت الحكومة بعزل المصابين في قرية قنتب كونها معزولة جغرافيًا ولا يمكن الوصول لها إلا عن طريق البحر مع توفير سبل المعيشة لهم من ماء ومواد تموينية وغيرها، وكانت أوامر الحكومة صارمة بعدم اختلاط المصابين بأيّ فرد من أفراد المجتمع وذلك خشية انتقال العدوى للأصحّاء، وفي ذات الوقت كانت ترسل لهم وبصفة مستمرة طبيب وبصحبته طاقم طبّي لعلاجهم.

ويذكر الهنائي أن المصابين بالجذام في مسقط كان يتم عزلهم في قرية (حرامل) في مكان خاص يسمى “كرنتينة”، كما يتم عزلهم في مكان آخر عند ساحل البستان، ويمنع مخالطتهم، ويتم إرسال الطعام لهم بين الفينة والأخرى، كما كان مستشفى السعادة في الخمسينات يقوم بالتطعيم ضد الجدري، حيث كانت هناك حملات تطعيمية لطلبة المدرسة السعيدية في مسقط، وكان التطعيم يتم عن طريق تدوير حلقة في يد الشخص وتدار حتى تقطع كل الأجزاء، وما زالت آثارها في أيدي البعض حتى اليوم، كما أن البعض يصاب بحمى وإعياء بعد عملية التطعيم.

جهود السلطان برغش بن سعيد

منها الطاعون والكوليرا: أوبئة في عُمان خلال القرنين الأخيرين
منها الطاعون والكوليرا: أوبئة في عُمان خلال القرنين الأخيرين

أشارت الباحثة ليلى اللمكية في دراستها حول التاريخ السياسي والحضاري لزنجبار في عهد السلطان برغش بن سعيد إلى أن الكوليرا التي أصابت زنجبار ما بين (1858 – 1869) قد أودت بحياة سدس سكان مدينة زنجبار، وأكثر من خمسة وثلاثين ألفًا من سكّان الجزيرة بأكملها، وكان من ضمن أسباب انتشار هذا المرض وغيره من الأمراض مثل البلهارسيا، والملاريا، والجدري الذي ظهر في زنجبار عام 1858 هو استخدام المياه الملوثة، وعدم توافر الشروط الصحية للمياه التي كان يعتمد عليها سكان زنجبار لغرض الشرب، واعتمادهم على آبار ملوثة، وعيون كانت تحتوي على مياه الصرف المخصصة لأكوام الروث والمقابر.

وعندما تولى السلطان برغش بن سعيد مقاليد الحكم كان من بين إنجازاته مد أنابيب مياه تربط عين ” تشم تشم” المائية شمال زنجبار بالمدينة نفسها، لتوصيل مياه صحية نقية إلى السكان مستخدمًا نظام الفلج كتصميم عماني الأصل، وكان لهذا العمل أثر كبير في الحد من انتشار بعض الأوبئة التي كانت تنتشر بسبب المياه الملوثة.

” بيوت ميدّر”

ويقصد بها بلهجة أهل صور والمناطق القريبة منها البيوت التي أنشئت لإسكان المصابين بداء الجدري، حيث انتشر مرض الجدري في مدينة صور في الخمسينات من القرن العشرين بسبب الحجاج القادمين إلى صور من بلاد الهند وما حولها للانتقال بواسطة السفن بعد ذلك إلى اليمن والذين كانوا يعرفون باسم ” الدراويش “.

وأنشئت هذه البيوت بمبادرة من الشيخ عبد الله بن علي بن ربيع المخيني فوق جبل صور بعيدًا عن المناطق السكنية، وخصص لها من يقوم بالإشراف عليها من حيث توفير التغذية والعناية بالمرضى، وساعد ذلك على الحدّ من انتشار المرض ومحاصرته في عدد قليل من السكّان.

كما أن الموتى من جرّاء هذا المرض أنشئت لهم مقبرة خاصة قريبة من موقع حجرهم، وكان يقوم بغسلهم ودفنهم مجموعة خاصة من الرجال زودت بأساليب وقاية من الإصابة بالعدوى.

وقد عرفت العديد من مدن وقرى السلطنة بيوتًا مشابهة كان يتم فيها عزل المصابين بأمراض مختلفة كالكوليرا، والجدري، والجذام، وغيرها، وذلك حرصًا من أهالي تلك المناطق على صحة بقية السكّان، وضمانًا لعدم انتشار المرض إلى الآخرين، وكان يتم توفير المتطلبات الضرورية لأولئك المحتجزين حتى يتم شفائهم، أو دفنهم في مقابر قريبة من أماكن الحجر في حالة وفاتهم.

 

 المراجع

 
المراجع
  • البسام، علي بن حسين. الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط وأثرها على الملاحة والتجارة في عهد السلطان تركي بن سعيد وابنه فيصل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2009.
  • البلوشي، صالح. صفحات من حياة السلطان تيمور بن فيصل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،2018.
  • البلوشي، صالح. مسقط في الأربعينيات من القرن العشرين، روز ورد بوكس، نيو دلهي، 2013.
  • الجار الله، خالد فهد.تاريخ الخدمات الصحية في الكويت، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، 1996
  • الرحبي، فهد بن محمود. عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي، دار الانتشار العربي، بيروت، 2018.
  • سعيد، محمد المرزوقي. الوضع الصحي والسياسة الوقائية في منطقة الخليج في نهاية القرن التاسع عشر، ط1، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، 2016.
  • السيفي، محمد بن عبد الله. النمير حكايات وروايات، الجزء الرابع، مكتبة الأنفال.
  • الغيلاني، حمود بن حمد. ولاية صور، 2009.
  • الفارس، محمد فارس.الكوليرا تجتاح بعض مناطق الخليج عامي 1821 و1865م، صحيفة دار الخليج، الأربعاء 5 يوليو 2017م.
  • اللمكية، ليلى بنت سعيد. التاريخ السياسي والحضاري لزنجبار في عهد السلطان برغش بن سعيد، بيت الغشام للنشر والترجمة، مسقط، 2015.
  • الهنائي، سليّم بن محمد. ولاية مسقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2016.
  • البسام، علي بن حسين. الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط وأثرها على الملاحة والتجارة في عهد السلطان تركي بن سعيد وابنه فيصل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2009.
  • البلوشي، صالح. صفحات من حياة السلطان تيمور بن فيصل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،2018.
  • البلوشي، صالح. مسقط في الأربعينيات من القرن العشرين، روز ورد بوكس، نيو دلهي، 2013.
  • الجار الله، خالد فهد.تاريخ الخدمات الصحية في الكويت، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، 1996
  • الرحبي، فهد بن محمود. عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي، دار الانتشار العربي، بيروت، 2018.
  • سعيد، محمد المرزوقي. الوضع الصحي والسياسة الوقائية في منطقة الخليج في نهاية القرن التاسع عشر، ط1، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، 2016.
  • السيفي، محمد بن عبد الله. النمير حكايات وروايات، الجزء الرابع، مكتبة الأنفال.
  • الغيلاني، حمود بن حمد. ولاية صور، 2009.
  • الفارس، محمد فارس.الكوليرا تجتاح بعض مناطق الخليج عامي 1821 و1865م، صحيفة دار الخليج، الأربعاء 5 يوليو 2017م.
  • اللمكية، ليلى بنت سعيد. التاريخ السياسي والحضاري لزنجبار في عهد السلطان برغش بن سعيد، بيت الغشام للنشر والترجمة، مسقط، 2015.
  • الهنائي، سليّم بن محمد. ولاية مسقط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2016.
  •  

    • الصور والوثائق من مراجع التقرير وشبكة المعلومات العالمية.
    الصور والوثائق من مراجع التقرير وشبكة المعلومات العالمية.

    شارك هذا الخبر