بعد توصية حقوقية بتوفيره: هل تحتاج عُمان إلى إسعاف جوي؟

يبحث التقرير حاجة عُمان إلى منظومة إسعاف جوي متكاملة، في ضوء صعوبة نقل الحالات الطارئة من المناطق البعيدة، ومتطلبات التشغيل والتكلفة واختيار الحالات.

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

بعد توصية حقوقية بتوفيره: هل تحتاج عُمان إلى إسعاف جوي؟
الإسعاف الجوي
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
تخيّل امرأة تدخل في مضاعفات خطرة أثناء الولادة في قرية بعيدة، أو مصابًا يتعرض لإصابة بالغة في منطقة جبلية أو بعيدة، ثم تخيّل أن المستشفى القادر على إنقاذ حياته موجود فعلًا، والأطباء موجودون، والتجهيزات موجودة، لكن الطريق إليه طويل، وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في غياب الرعاية الصحية، بل في الوصول إليها، وهنا تصبح الجغرافيا جزءًا من الحالة الطبية نفسها.
في سلطنة عُمان، تبدو المسألة أكثر وضوحًا بحكم طبيعة البلاد؛ جبال، وأودية، وصحاري، وجزر، وتجمعات سكانية تفصلها مسافات متفاوتة عن المستشفيات التي تقدم الرعاية التخصصية.
وقد أشار تقرير ”اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان لعام 2025“ الذي اطلعت عليه ”أثير“ إلى ”صعوبة نقل الحالات الطارئة من المناطق البعيدة بسبب غياب الإسعاف الطارئ ووعورة التضاريس“، وفي السياق ذاته، جاءت توصية اللجنة الوطنية لبحث ودراسة وفيات الأمهات بشأن ”توفير الإسعاف الجوي“، لتضع هذه الخدمة أمام نقاش يتجاوز كونها خيارًا طبيًا متقدمًا، إلى ارتباطها بحق الوصول إلى الرعاية الصحية، بصرف النظر عن مكان إقامة المريض.

عندما تصبح المسافة مسألة طبية

في الحالات الطارئة، لا يبدأ العلاج بالضرورة عند وصول المريض إلى المستشفى، فالوقت الذي يمر منذ وقوع الحالة وحتى الوصول إلى الرعاية المناسبة جزء من القصة الطبية
وتصف منظمة الصحة العالمية الرعاية الطارئة بأنها رعاية ”حساسة للوقت“، وتشمل حالات يمكن أن تتدهور سريعًا إذا تأخر التدخل، مثل الإصابات الخطيرة، والجلطات القلبية والدماغية، والإنتان، وبعض مضاعفات الحمل والولادة.
ولهذا يكثر استخدام تعبير ”الساعة الذهبية“، وإن كان المصطلح لا يعني وجود 60 دقيقة سحرية تنتهي بعدها فرص النجاة، بقدر ما يلفت إلى أهمية الوصول المبكر إلى الرعاية المناسبة.
في حالة نزيف شديد، قد تكون الدقائق مهمة، وفي إصابة دماغية بالغة قد يكون الوصول السريع إلى مركز قادر على إجراء تدخل متخصص فارقًا، وفي السكتة الدماغية، قد تكون المسألة مرتبطة أصلًا بالوصول في الوقت المناسب إلى مستشفى قادر على تقديم العلاج المناسب.
وهذا يفسر لماذا لا تقيس منظمة الصحة العالمية الوصول إلى الخدمة الصحية بالمسافة فقط، بل تستخدم أدوات مثل ”AccessMod“ لحساب زمن الوصول الجغرافي إلى المرافق الصحية، وتحديد المناطق التي يستغرق الوصول منها وقتًا أطول، ومحاكاة سيناريوهات مختلفة لتحسين توزيع الخدمات.
بمعنى آخر، يمكن أن يكون مستشفى ما قريبًا على الخريطة، لكنه بعيد فعليًا عندما تكون الطريق جبلية أو وعرة، أو عندما تكون الحالة لا تحتمل ساعات من النقل

عُمان: شبكة صحية واسعة ومسافات لا تختفي

لا تعني هذه الصورة أن الرعاية الصحية في سلطنة عُمان غائبة عن المناطق البعيدة، بل العكس، فالحكومة ممثلة في وزارة الصحة تدير شبكة واسعة من المؤسسات الصحية، وتظهر بياناتها أن الخدمات موزعة على المحافظات والولايات، مع مستشفيات إحالة ومؤسسات صحية متعددة المستويات.
لكن وجود مركز صحي في منطقة ما لا يعني بالضرورة أنه قادر على تقديم كل ما تحتاجه الحالة، فقد يصل المريض إلى مركز صحي قريب، ويجري تثبيت حالته، ثم يتبين أنه يحتاج إلى تدخل أو تخصص غير متوفر هناك، وهنا تبدأ رحلة أخرى، من المركز إلى المستشفى، أو من مركز إلى مستشفى مرجعي.
وفي بعض مناطق سلطنة عُمان، قد تكون هذه الرحلة طويلة بما يكفي لتصبح وسيلة النقل نفسها جزءًا من القرار الطبي، ويظهر ذلك بوضوح في مسندم، ومصيرة، والمناطق الجبلية، بل وحتى في أجزاء من الوسطى، حيث شهدت السنوات الأخيرة عمليات نقل جوي لحالات احتاجت إلى الوصول إلى منشآت صحية أخرى.

وفيات الأمهات

في ملف وفيات الأمهات، بلغ المعدل في سلطنة عُمان 15.8 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في عام 2024، مقابل 19.9 في 2023 و17.1 في 2022، وفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
لكن هذا الرقم، على أهميته، لا يجيب عن سؤال الجغرافيا، فهو لا يخبرنا مثلًا كم حالة وقعت في مناطق بعيدة، وكم استغرقت عملية النقل، ولا ما إذا كان تأخر الوصول إلى الرعاية المتخصصة عاملًا في أي منها.
لذلك لا يمكن القول إن الجغرافيا تفسر وفيات الأمهات في سلطنة عُمان، لكن وجود توصية رسمية بتوفير الإسعاف الجوي، إلى جانب الإشارة إلى صعوبة نقل الحالات الطارئة من المناطق البعيدة، يجعل السؤال مفتوحًا: هل توجد حالات يكون فيها زمن الوصول عاملًا يمكن التدخل فيه وتقليله؟

عُمان لا تبدأ من الصفر

الأهم أن عُمان لا تبدأ من نقطة الصفر إذا أرادت تطوير منظومة إسعاف جوي، فالإخلاء الطبي الجوي موجود بالفعل، ويتكرر في البيانات الرسمية لوزارة الدفاع وشرطة عُمان السلطانية.
وعند متابعة منشورات التوجيه المعنوي وشرطة عُمان السلطانية، نجد حالات عديدة للإخلاء الطبي من قِبل سلاح الجو السلطاني العُماني وطيران الشرطة، سواء لمواطنين أو مقيمين.
ولا يعني ذلك أن تحل المنظومة محل الجهود العسكرية والأمنية القائمة، بل أن تعمل معها ضمن منظومة أكثر تكاملًا، تحدد فيها الأدوار ومسارات الإحالة والتنسيق، بما يضمن الوصول إلى المريض في أسرع وقت ممكن.
ولعل البيانات الرسمية التي تعلن بين حين وآخر عن عمليات الإنقاذ والإخلاء الجوي تؤكد أن عُمان تمتلك جزءًا مهمًا من هذه القدرة بالفعل؛ طائرات ومروحيات، وفرق قادرة على الوصول إلى أماكن يصعب بلوغها برًا، وخبرة تراكمت عبر سنوات من التعامل مع الحالات الطارئة.
لكن منظومة الإسعاف الجوي تختلف، فهي تحتاج إلى طاقم طبي مدرب على التعامل مع الحالات الحرجة أثناء الطيران، ومركز عمليات يعمل على مدار الساعة، ومعايير واضحة لتحديد الحالات التي تستحق الإخلاء الجوي، وقواعد أو نقاط تمركز، ومواقع هبوط، وربط مباشر مع المستشفيات التي ستستقبل الحالات.
وهذه ليست مسألة نظرية؛ فقد أظهرت دراسة حديثة حول نقل مرضى السكتة الدماغية أن ميزة السرعة الجوية يمكن أن تتراجع عندما يتأخر إرسال المروحية، بينما يصبح الإرسال المتزامن أكثر فائدة في الحالات البعيدة.

ماذا عن التكلفة؟

المسألة لا تتعلق بالطائرة وحدها، وإنما بتكاليف الطواقم، والصيانة، والتجهيزات الطبية، والقواعد، والجاهزية على مدار الساعة، ولدراسات الدولية تعطي فكرة عن حجم الكلفة.
دراسة فنلندية حول تكاليف نظام الإسعاف الجوي خلصت إلى أن 93% من تكاليفه كانت تكاليف ثابتة مرتبطة بالتشغيل على مدار الساعة، ما يعني أن حجم الاستخدام وعدد الرحلات عاملان مهمان في جدوى أي منظومة.
وفي دراسة أخرى عن نموذج تشغيل في المجر، قُدرت تكلفة التشغيل بنحو 2,488 يورو للساعة الواحدة، أي ما يعادل نحو 1,089 ريالًا عُمانيًا، وفق سعر صرف مرجعي لليورو في يوليو 2026، كما قُدرت التكلفة بنحو 41.5 يورو للدقيقة، أي نحو 18.2 ريالًا عُمانيًا للدقيقة.
وهذه الأرقام ليست تكلفة تشغيل متوقعة في عُمان، وإنما مثال من نظام آخر، إذ تختلف الكلفة باختلاف الأجور، ونوع الطائرة، والصيانة، ونموذج الملكية، وطريقة احتساب المصروفات
لكنها توضح شيئًا مهمًا: كل دقيقة طيران لها كلفة، ولذلك فإن إنشاء منظومة إسعاف جوي يحتاج إلى تحديد الحالات التي تستحق هذه الكلفة، وليس مجرد زيادة عدد الرحلات

الطائرة ليست دائمًا أفضل من الإسعاف البري

مراجعة منهجية ودراسة جمعت وحللت نتائج 77 دراسة سابقة، ونُشرت في 2025 وشملت أكثر من 2.6 مليون مريض، لم تجدا تحسنًا واضحًا في البقاء على قيد الحياة عند مقارنة الإسعاف الجوي بالنقل البري بصورة عامة، مع الإشارة إلى انخفاض جودة الأدلة ووجود اختلافات كبيرة بين الدراسات.
لكن الصورة تختلف في بعض الحالات، ففي دراسة جمعت نتائج أبحاث تناولت إصابات الرأس الشديدة، ارتبط النقل الجوي بتحسن فرص النجاة، وقدر الباحثون أن استخدامه قد ينقذ حياة إضافية واحدة تقريبًا لكل 19 عملية نقل ضمن الفئة التي شملتها الدراسة.

ماذا يمكن أن تستفيد عُمان من سويسرا؟

في سويسرا، لم تُبنَ منظومة الإنقاذ الجوي حول فكرة أن الطائرة أسرع من السيارة فقط، بل حول واقع جغرافي يجعل الوصول إلى بعض المناطق صعبًا
وتقدم مؤسسة Rega مثالًا واضحًا على ذلك، إذ نفذت خلال عام 2025 20,463 مهمة، وقدمت المساعدة الطبية جوًا إلى 13,168 شخصًا، ونفذت المروحيات 15,265 مهمة، بينها 9,127 مهمة أولية إلى مواقع الحوادث، وتعمل من خلال 14 قاعدة في أنحاء سويسرا.
وهذه ليست مجرد طائرات متاحة عند الحاجة، بل شبكة متكاملة من القواعد والفرق ومركز العمليات وآليات تحديد الحالات، وصُممت هذه المنظومة وفق الجغرافيا، وهذا بالضبط ما يمكن أن يكون مهمًا لعُمان: ليس استنساخ التجربة السويسرية، وإنما التعامل مع الطيران باعتباره أداة لسد فجوات جغرافية محددة
وإذا كانت الجبال أحد أسباب استخدام الطيران في سويسرا، فإن المسافة هي المشكلة الكبرى في أستراليا، فالحكومة الأسترالية تشير إلى أن نحو 7 ملايين شخص، أي قرابة ربع السكان، يعيشون في مناطق ريفية ونائية، وتقدم Royal Flying Doctor Service خدماتها لأكثر من 300 ألف شخص سنويًا في هذه المناطق.
واللافت أن الخدمة لا تقوم على نقل المرضى فقط، بل تشمل الرعاية الصحية الأولية والخدمات المتنقلة والإخلاء الطبي، أي أن الطائرة جزء من شبكة رعاية كاملة صُممت أساسًا للتعامل مع مشكلة المسافة.
وهنا يمكن أن تكون المقارنة مع عُمان أكثر فائدة، فالمشكلة ليست أن عُمان تملك مسافات أستراليا، ولا أن طبيعتها تشبه سويسرا، وإنما أن بعض مناطقها تواجه المشكلة نفسها على نطاق أصغر: المريض موجود، والطبيب موجود، لكن الخدمة التخصصية التي يحتاجها قد لا تكون قريبة بما يكفي.

ماذا عن هيئة الدفاع المدني والإسعاف؟

في فبراير 2026 صدر المرسوم السلطاني رقم 31/2026 بشأن هيئة الدفاع المدني والإسعاف، وأعاد تنظيم الهيئة ومنحها الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مع تكليف رئيس الهيئة بإصدار اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ النظام الجديد خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من نفاذ المرسوم.
وهذا التطور يضع ملف الإسعاف والطوارئ في مرحلة مؤسسية جديدة، ويجعل الحديث عن تطوير خدمات الوصول إلى الحالات البعيدة جزءًا من نقاش أوسع حول منظومة الطوارئ نفسها.
والهيئة توسع خدماتها أصلًا إلى المناطق البعيدة والحدودية؛ -فعلى سبيل المثال لا الحصر-، دشنت في مايو 2025 خدمة الإسعاف في مركز الدفاع المدني والإسعاف بمنفذ الربع الخالي، ضمن خطة لتوسيع نطاق الخدمات في المناطق الحيوية والحدودية.
وفي مواسم الخريف في محافظة ظفار، تعزز الهيئة مراكزها القائمة وتنشئ نقاط استجابة إضافية على الطرق المؤدية إلى ظفار عبر الداخلية والظاهرة والوسطى، بهدف تسريع الاستجابة للبلاغات.
وهذا يعني أن السؤال عن الإسعاف الجوي يمكن أن يُطرح ضمن منظومة قائمة أصلًا على توسيع نطاق الاستجابة، وليس باعتباره مشروعًا منفصلًا عن واقع الإسعاف في سلطنة عُمان.

ماذا نحتاج قبل اتخاذ القرار؟

يمكن اختبار نموذج محدود في المناطق التي تكشف البيانات أنها تعاني أكبر فجوة زمنية، ومسندم، مثلًا، تقدم حالة تستحق الدراسة، فعمليات الإخلاء منها إلى صحار أو مسقط تتكرر في البيانات الرسمية، وكذلك الحال في بعض الجزر والمناطق النائية.
وقد تبدأ الفكرة بتحديد المناطق التي يستغرق نقل الحالات الحرجة منها برًا وقتًا طويلًا، ثم معرفة عدد الحالات سنويًا التي تحتاج بالفعل إلى نقل تخصصي، ثم مقارنة الزمن البري بالزمن الجوي، وبعد ذلك فقط يمكن تحديد عدد الطائرات ونقاط التمركز اللازمة.
فهل سنرى منظومة إسعاف جوي متكاملة في سلطنة عُمان خلال السنوات المقبلة؟

المصادر:

  • اللجنة العمانية لحقوق الإنسان
  • المركز الوطني للإحصاء والمعلومات
  • وزارة الصحة
  • منظمة الصحة العالمية
  • دراسات أكاديمية
  • مؤسسة Rega الفرنسية و Royal Flying Doctor Service السويسرية

شارك هذا الخبر