محمد النهاري يكتب: لماذا نحن مصابون بالعهد السعيد؟

محمد النهاري يكتب: لماذا نحن مصابون بالعهد السعيد؟
محمد النهاري يكتب: لماذا نحن مصابون بالعهد السعيد؟

محمد أحمد النهاري اليافعي

أكتب مقالي هذا الذي يحمل وجهةَ نظرٍ شخصيةٍ مبنيةٍ على التلمُّس لواقع الأعمال عامة والأدبية والفنية والإعلامية بالسلطنة على وجه الخصوص، فقد يوفقني الله إلى الصواب ، وقد أخطئُ التقدير.

أخذتُ العملَ الوطنيَّ “العهد السعيد” مثالا لرأيٍ دفنته في جوفي أعواما عديدة أملا بشيءٍ يخرجه من أجداثه، وبالإشارة إلى التحفة الفنية التي كتبها الشاعر يوسف الكمالي آخذ بجرزه ينحت على جلمود مشاعرنا المكمودة حرفا حرفا فأصبح كل هاتفٍ وتلفازٍ ومذياعٍ يلهج بحماسةِ تلك الكلمات وعمقها المعنوي وملامستها النفسية .

وتلك الأحاسيس المترنِّمة من السيد خالد بن حمد البوسعيدي الذي أضاف إلى عقد أعماله الذهبية عملا لا يُنسى ، حاولت قراءة النص مرارا وتكرارا كي أُنصفَ هذا الإبداع ولم أر أجمل وأفضل من الحرية التي خاضها بعيدا عن المحاذير الوهمية التي لا يمكن لعملٍ كهذا أن يصل بها إلى مشاعرنا ويلامسها دون تلك الفسحة الرحبة والمسؤولية التي حملها الشاعر على عاتقه والدعم الذي تلقاه من القائمين على العمل رغم ملاحظاتهم المحمودة، أقول لأن طبيعة الأعمال لا تكتملُ ولا تكونُ راسخةً إلا بتكاملِ الآراءَ وبزوغِ الحُجةِ الأنفعِ بعيدا عن الغلو الذي حرمنا من الإبداع المحسوب والمتفرد كثيرا ما قام به الكمالي من تجسيد شخصية المغفور له بإذن الله تعالى مولانا جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظّم طيب الله ثراه وهو يعتب شعبه الوفي، بأنه مازال حيا وأنه ليس نشيدا أو خطابا أو شيئا رمزيا بل هو عمق ٌغائرٌ وتراثٌ باقٍ لتلك المسؤولية التي أخذها الشاعر.

كان ما يحتاج إليه ذلك المحبّ البسيط للراحل العظيم فذلك العتب المحب إلى حبيبه وذلك التذكير بالمقام ينتاب على أثره ذلك الحس بقرب من فُقِدُ وبخلود مآثره ومناقبه و زهاء مسيرته فتطمئن الأنفس وتَسعد وتهم إلى ذلك النص تارةً بعد تارةٍ لأنها تجد ضالتها وغايتها و ما تسعى إليه نفوسهم من مواساة.

روعة هذا العمل تكمن في جرأة النص وبُعد المحاذير و القيود وانعتاق الإبداع مع كلِّ شطرٍ وكلِّ عزفٍ في العمل، تتملكك تلك المخيلة المتسيّدة والمتجلية ، لعلها تبشيرٌ بعصر الأعمال غير المقيدة والمشرّطة و المملوءة حذفا وإملاءً والتي تكون فيها الغلبة لمن يقدم العمل وإن كان من غير أهله، فكم هي الأعمال التي تشعرك بالتكلف والتقليدية و الرتابة الطاغية وغياب الإبداع، وأرى من مسبباتها الرئيسية بحث العامل عن من يحتويه ولو كان ذلك على حساب فكرته و إبداعه و تصوره فيقبل الإملاء والحذف والتعديل ويتماشى مع القائمين عليه طمعًا في الإنجاز مهما كان تأثيره لضعف حيلته.

أورد الكمالي موقفا مع السيد خالد قائلا إنَّ السيد ناقشه حول الشطر الأول الذي تلبس فيه الشاعر شخصية السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- فلم يُسلم أمره لذلك الرأي الذي له مسبباته بل استبسل بالدفاع عن نصه وفكرته وانتصر لإبداعه بحجته، وما كان من السيد خالد منهل الرقي إلا أن يتقبَّل الحجة ويدعمها فلم يُصَّر ولم تأخذه العزة بالإثم بل أخضع رأيه للإبداع وانتصر له فكان هذا العمل الرائع نصرا للإبداع.

فكم نحتاج إلى أمثاله ممن يختلف ويبدي رأيه ويستمع ويناقش ويجادل ثم يقتنع أو يُقنِع وينتصر للغاية.

لا تقيِّدوا المبدعين بالمحاذير بل ابحثوا عنهم، ثقوا بهم، شدوا من أزرهم، أعينوهم ولا تعينوا على إبداعهم ، انظروا إلى هذا العمل فكم هم المخضرمون من سبقوا يوسف بالتجربة والخبرة، لكن الثقة والبحث عن تفرد وتجدد صنعا الفرق.

لماذا أعمالنا مصابة بداء التقليدية ؟ لماذا لا نرى ولادة إبداعية كل تسعة أشهر ؟ لماذا نحن مصابون بالركود الإبداعي؟ لماذا لا نزال نرى أعمالا برتابة عقودٍ غابرةٍ ؟ لماذا نحن مصابون بأرق التحديث ؟ لماذا لا نجيد احتواء المبدع؟

ختامًا ليس هناك أجمل من أن تكون سببًا فيما يحب الله، وهو الإتقان والإعانة على ما يصبو إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم ” إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عمل أحدُكُم عملا أنْ يتقنَهُ” .

شارك هذا الخبر