د. رجب بن علي العويسي
تحتفل شرطة عمان السلطانية ممثلة في الإدارة العامة للمرور بيوم السلامة المرورية الذي يصادف الثامن عشر من أكتوبر، وقد تحققت العديد من الإنجازات الكمية والنوعية التي شهدها قطاع المرور بالسلطنة ومؤشرات السلامة على الطريق والحوادث المرورية والانخفاض المستمر في أعداد الوفيات والاصابات الناتجة عنها، بالإضافة إلى انخفاض في معدل المخالفات والسلوكيات المرورية على الطريق، ونظرا لما يشهده هذا العام من سيطرة جائحة كورونا على المشهد العالمي والوطني على حد سواء، ورغم الصعوبات التي واجهتها في تحقيق أهداف السلامة المرورية في ظل ارتباط عملها بجهات أخرى والناتجة عن تعليق العمل وإغلاق بعض الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة، إلا أنها مارست دورها بكفاءة عالية جنبا إلى جنب مع تشكيلات شرطة عمان السلطانية، في متابعة تنفيذ قرارات اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن فيروس كورونا (كوفيد 19) فيما يتعلق بمنع حركة التنقل بين المحافظات، وتفعيل نقاط السيطرة والتحكم بين المحافظات، أو منع الحركة الداخلية في الفترة المسائية، أو في مراقبة السلوك العام على الطريق، والعمل على ضبط الحركة المروية وحسن توجيهها للحد من مسببات الحوادث او مبررات الازدحام، بشكل يوازي جهودها في اتخاذ التدابير الوقائية والاحترازية اللازمة في تحقيق التباعد الاجتماعي ومنع التجمعات العائلية والمجتمعية وتوجيه كوادها وامكانياتها في تحقيق التزام يفخر به الجميع ويسهم في الوقاية من فيروس كورونا.

لقد شكّلت جهود شرطة عمان السلطانية في تعزيز المواطنة المرورية مدخلا إستراتيجيا في قراءة الوضع المروري بالسلطنة، وإعادة إنتاجه في ظل هذه الجائحة بطريقة أكثر ارتباطا بالمسؤولية الذاتية والمجتمعية في تحقيق متطلبات السلامة المرورية والحد من مخاطرها الاقتصادية والبشرية والاجتماعية والإنسانية والصحية، لتصنع من الدعوة الأبوية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- في الحد من الحوادث المرورية منطلقا وطنيا لتكاتف الجهود نحو الحد من الحوادث المرورية، للقناعة بأن المحافظة على المورد البشري والكفاءة العمانية واجب وطني ومسؤولية شخصية تتحقق بتبني الأساليب ووضع القوانين والاشتراطات الداعمة لهذا النهج، وما تشكله الحوادث المرورية من مقلقات للرأسمال الاجتماعي البشري ومهددات للأمن الاجتماعي، واستنزاف خطر لاقتصاديات وموارد الدولة البشرية والمادية والمالية، وفي الوقت نفسه تبني سياسات وطنية أكثر نضجا في التعاطي مع منظومة السلامة المرورية بمفاهيمها ومفرداتها ومستجداتها عامة والحوادث بشكل خاص، وقد تحقق في هذا المجال العديد من الإنجازات المشهودة والنواتج الملموسة على الأرض حتى أصبحت شاهدة على كفاءة المنجز وإخلاص الجهود نحو ترسيخ الوعي المروري.
وأسهمت منظومة التقييم والتصحيح التي اتجهت إليها شرطة عمان السلطانية في تقييم الوضع المروري وفق الحالة العمانية وخصوصيتها والاتجاهات العالمية، إلى تبني العديد من السياسات والمبادرات الوطنية في الشأن المروري، والتي انعكست على انخفاض حوادث السير، وأعطت مؤشرات الحالة المرورية مستويات تميز مهمة، أثبتت كفاءة التوجه ورصانة الأداء وابتكارية الأدوات وتأصيل فقه المواطنة المرورية بشكل يفوق سطحية التفكير، ويؤسس في العمق إنسانية المرور، كونه استشعار مجتمعي مسؤول على مستوى الأسرة ومؤسسات المجتمع المدني في توجيه الشباب وضبط ممارساتهم المتعلقة باستخدام الطريق، حيث تجلى ذلك في بنية الخطاب المروري الذي اقترب من الشباب وتفاعل مع طبيعة الشعور لديهم، وأسهم في تربية حس المسؤولية بمفهوم المرور وأخلاقيات الطريق وأدوات التخاطب التي تستشعر فيهم حس الإرادة نحو تغيير العادات المرورية مع الإبقاء على خيوط التأثير وجسور التواصل حاضرة بين شرطة المرور والمجتمع باعتباره الطريق الآمن لبناء منصات الحوار، وتحقيق تناغم في الرؤى والممارسات في نهج أثمر الكثير من مؤشرات التحول في سلوك المجتمع المروري في مواجهة حالة التهور والاندفاع والغضب وعدم الرضا التي تصدر من سائق المركبة ومستخدم الطريق في أثناء إيقافه من دوريات المرور، يؤكد ذلك ما ترصده منصات التواصل الاجتماعي من ذوق التعامل ونهج اللطافة التي يجدها البعض في تعامل رجل الشرطة، بما انعكس على تقديره لهذه الجهود، وهو أمر سعت شرطة عمان السلطانية على تأكيده في سلوك منتسبي الإدارة العامة للمرور أو أقسام المرور في مراكز الشرطة التابعة للقيادات الجغرافية بالمحافظات وعبر البرامج التدريبية والتثقيفية والإثرائية التي يقدمها معهد السلامة المرورية في مجالات الحوار والتواصل والتعامل مع ردود الأفعال وبشاشة الوجه وانتزاع هاجس القلق والخوف والانفعال من السائق، وتوفير مساحة الأمان النفسية له في تقبله للتعليمات والتزامه بها حفاظا على الأرواح والممتلكات.

ولمّا كانت كفاءة السلوك المروري ترتبط بمستوى الاستقرار النفسي والفكري لدى السائق أو مستخدم الطريق، فقد أدرك الخطاب المروري ما يعنيه ذلك من أهمية الاستباقية في قراءة الحدس وتعميق روح الإنسانية في صناعة التغيير المروري الملتصق بجدار الوعي واستنطاق القيم والأخلاقيات والمشاعر والتفكير لديه كونها خيوط مؤثرة في قواعد السلوك المروري، لذلك اتجه الخطاب نحو استثارة الدافع وترسيخ الثقة ونقل الشعور المروري من حالة الأنانية والفردية إلى استشعار مسؤوليته الاجتماعية في استخدام الطريق والالتزام بقواعد السير وأنظمته، لتجسد المواطنة المرورية هذه المعايير والاستحقاقات في جملة المبادئ والأخلاقيات والقيم والموجهات والأطر المرورية التي يتميز فيها وينافس في التزامه بها، لتظهر على شخصيته في هدوئه والتزامه وحبه للنظام وتعاطيه الواعي مع التعليمات والتوجيهات، واتزانه الفكري والانفعالي والعاطفي وحس المسؤولية والذوق الذي يطبعه على ممارساته المرورية؛ لذلك جاءت الشعارات التي أطلقتها شرطة عمان السلطانية مثل: التزامكم نجاح، وكلنا شرطة وشكرا على تقيدكم بالسرعة، ولا تتصل حتى تصل، متناغمة مع هدف المواطنة المرورية، باعثة للأمل، راسمة لروح التجديد، معبرة عن ما يحمله سائق المركبة من إلهام وقيم ومبادئ وأخلاقيات وفرص عليه أن يستثمرها ويوجهها لتحقيق سعادته وسعادة الآخرين.
ويبقى الاحتفال بيوم السلامة المرورية تعبيرا صادقا عن هاجس الحوادث المرورية، وصناعة البدائل لاحتوائها والوقاية منها، وإعادة انتاج مفهوم المواطنة المرورية وتأصيل فقهها في ثقافة طلبة المدارس والجامعات وترسيخها في سلوك مختلف فئات المجتمع، وتأصيل لإنسانية هذا الوطن وحرص قيادته الحكيمة على تحقيق معايير الأمن والسلامة والسلام لمواطنيه وشبابه، ومدخل تجسده مؤسسات التعليم والتدريب والإعلام وغيرها في رسم استحقاقات الجهود الوطنية لمعالجة تحديات الواقع المروري والتي رغم انخفاضها ما زالت تشكل رقما صعبا وهاجسا مقلقا، ليأتي الدور القادم من الفرد نفسه سائق المركبة ومستخدم الطريق في استشعار هذه الجهود والاعتراف بها وإدراك حجم ما تحمله من فرص لمستقبل الإنسان وكرامته باعتباره الرهان الأكبر والحلقة الأقوى في المعادلة المرورية، وما كلفته الدولة من أعباء مالية وبشرية في سبيل الوصول إلى مجتمع آمن بلا حوادث.






