تفوق الـ 150 ألف ريال أحيانًا: “ديون” تُحاصِر الشباب.. وبعض من نتائجها “الانفصال”

ناقشت أثير في يناير 2021 حالات ديون لدى شباب عمانيين لا تتجاوز أعمارهم 35 عاما، وبعضها تجاوز أحيانا 150 ألف ريال، مع أسباب التراكم وسبل تعزيز الثقافة المالية.

تفوق الـ 150 ألف ريال أحيانًا: “ديون” تُحاصِر الشباب.. وبعض من نتائجها “الانفصال”
خلال 9 أشهر: أكثر من 31 مليون ريال دعم حكومي لقروض بنك الإسكان

أثير- فتحية الخنبشية

يقول روبرت كيوساكي مؤلف كتاب “الأب الغني.. الأب الفقير” : “الأغنياء ليسوا من يمتلكون الكثير من الأموال، لكنهم الأشخاص القادرون على إدارة مصروفاتهم وشؤونهم المالية، والاحتفاظ بهامش يمكنهم اللجوء إليه عند الحاجة”.

لا أحد يحب اللجوء للقروض والديون أو الوصول لمرحلة الإفلاس، لكن سمعنا بأن هناك شبابًا وشابات عُمانيين لا تتجاوز أعمارهم الـ 35 عاما تحاصرهم ديون تتجاوز أحيانًا الـ 150,000 ألف ريال.

رقم مُخيف يجعلك تبحث عن الأسباب التي دفعت الشباب لذلك؟ وكم نسبة العُمانيين الذين يفتقرون للثقافة المالية؟ وكيف يمكننا التعامل مع المال بذكاء؟

هذه تساؤلات بدأها المتخصص في الدراسات الاقتصادية والرئيس التنفيذي لشركة “إغناء” إسحاق الشرياني عبر حسابه بتويتر قائلا: “ماذا يحصل لشبابنا الغُر اليافع؟! من أوهمهم أن النجاح بالمظهر وليس الجوهر؟! بحكم عملي قابلت شبابا وشابات لم يبلغوا الـ 35 سنة وديون بعضهم تخطت الـ 150,000 ألف ر.ع، المريب أنها ديون بدون أصول! هؤلاء كيف سيستقرون ويكونوا أفرادًا منتجين ومبدعين، دعوة للتعقل وتعميق مفهوم الثقافة المالية”. ويقصد الشرياني بالأصول هنا أملاكًا تدر دخلًا أو يمكن تحويلها إلى نقد مثل العقارات أو المركبات أو أسهم في شركات أو أثاث منزلي ومكتبي… إلخ.

“أثير” التقت بإسحاق الشرياني لمعرفة تفاصيل هذا الموضوع، وكيف يمكن أن يتفادى الشباب شبح الديون، وعن الأسباب التي أوصلتهم لهذه المرحلة من الديون المتراكمة، حيث قال في البداية: لا يخفى على اثنين أن كثيرًا من الناس عندما يقع في مشكلة مالية وخاصة الموظفين بسبب قرار سابق مثل شراء سيارة بحكم أن راتبه ألف ريال والقسط 300 ريال، يتوهم أن المتبقي من راتبه 700 ريال هو مبلغ كافٍ لمصروفاته المتبقية، وفعلا قد يكون مبلغا يسد احتياجاته الأخرى، لكن هذه السيارة أسيرة للراتب من 5 – 10 سنوات، ويأتي مرة أخرى ويعجب بشيء آخر بقسط 100 ريال، ثم يقرر أن يدخل جمعية بقسط شهري 300 ريال لأنه يريد أن يبني منزلا، ومع هذه الخصومات المالية من هنا وهناك يجد نفسه في مأزق وورطة مالية غير طبيعية، فيلجأ للاقتراض من الأشخاص (الأصدقاء، الأهل، الزملاء) بحجة سداد الديون وبمرور الوقت يبدأ يتعب نفسيا وينطبق عليه المثل الدارج “هم بالليل ومذلة في النهار”، فيقرر دخول التجارة ظنا منه أنها ستخلصه من الديون وحاله يقول “إن الذي ترجو به دفع البلاء.. يأتيك البلاء من قبله”، والأمر من ذلك أنه لا يملك أي ثقافة تجارية أو أية فكرة في عالم التجارة فيقوم بفتح سجل تجاري الذي يمكن الحصول عليه بسهولة بدون قيود، ثم يقوم بعملية الاستدانة من الجهات التمويلية، ومع هذه التخبطات المالية المتوالية قد يصل به الحال إلى الاحتيال أو تزوير الأوراق فيكبل نفسه بالديون غير المباشرة التي تراكمت عليه بسبب الإيجارات غير المدفوعة، ويجد نفسه فشل في هذا المشروع، ومحاصرًا بديون إضافية لم تكن في الحسبان”.

وحول الفئة الأكثر مديونية بين الذكور والإناث أوضح الشرياني: بديهيًا في الظاهر هم الذكور، لكن من يعاني أكثر؟ معاناة الأنثى المديونة ليست كمعاناة الذكر المديون، وإن كان عدد الإناث (المديونات) أقل؛ فالرجل يستطيع أن يتناسى ويشرّق ويغرّب وينشغل بأشياء كثيرة، أما المرأة فمهما كانت عصامية ومتمكنة ومثقفة فقد تتعرض لإحراجات كثيرة ومحاولات استغلال عديدة من أجل سداد هذه الديون.

وأوضح الشرياني بأن معظم ديون الشباب تكون لأشياء وهمية ومؤقتة مثل: شراء سيارة فخمة وآخر موديل، شراء هاتف آخر موديل، عمل عرس أسطوري وخيالي يتحدث عنه الناس لسنوات، شهر عسل بقروض تتجاوز الـ 7000 ريال، تقليد لحياة البحبوحة التي يعيشها الآخرون، سفرة عائلية (أب وأم وطفل وطفلة) لرحلة بحرية لمدة 10 أيام بقرض وقدره 10 آلاف ريال، شراء أو بناء قصر بحجة أنه بيت المستقبل بطريقة مبالغ فيها ويفوق قدرة الراتب الشهري. مضيفًا “كلها من باب أنا أملك ما لا تملكون، ونسي البعض أن المال مثل الكهرباء إن لم تحسن التصرف معه صعقك وقد لا يمنحك فرصة أن تحيا بعد هذه الصاعقة. وللأسف أصبحت المحاكاة والمراباة هي من تسيطر علينا”.
حديث إسحاق يجعلنا نستشهد بــــ “روبرت تشالديني” وحديثه عن نظرية الدليل الاجتماعي، حيث يقول:” إننا نميل إلى تقليد الآخرين لكي نحصل على الاعتراف. التطلع إلى ذات مستوى نفقات الأصدقاء والجيران لم يساعد أحدا على الثراء”.


التجربة خير برهان كما يقال، وفي بعض التجارب ألف عبرة ودرس، وعن بعضها قال الشرياني: أذكر شخصًا فكر أن يخوض تجربة عالم التجارة مع زوجته، وكان بينهما وفاق وتفاهم عاليان، لكن نوائب الزمان قد تحول أقرب المقربين إلى وحش وأشرس خلق الله، فقام باقتراض 10 آلاف ريال، وللأسف انتهى به الحال في السجن بسبب الديون وانتهت حياته الزوجية بالانفصال. وفي قصة أخرى كانت إحدى الفتيات الموظفات قد حاصرت نفسها بديون كثيرة، وبمجرد أن تزوجت سيطرت الديون على تفكيرها، وأثّرت سلبا على حياتها الزوجية، ولم يكن بمقدور الزوج مساعدتها في سداد ديون هو غير مسؤول عنها، وفي أقل من سنة تم الانفصال بينهما.

القرض سنة الله في أرضه وما أحوج الناس إليه، لكن للقرض عواقب وخيمة ناتجة بسبب الجهل بأحكام القروض، وسوء النية في الاقتراض والإقراض، وحول نوع القروض التي فعلا تستحق الاستدانة من أجلها ذكر الشرياني: القرض من أجل المسكن هو من أساسيات الحياة وصمام الأمان لحياة الناس، لكن باعتدال، والقرض أيضا لدواعي العلاج من الأمراض، فرأس مال الإنسان صحته فيهون المال لأجل الصحة، والاستدانة أيضا من أجل إكمال التعليم فهو استثمار طويل المدى، والاستقراض من أجل فتح مشروع بشرط ألا تكون الاستدانة بنسبة 100%، فمثلا إذا كان قيمة المشروع 10 آلاف ريال، اقترض ما قيمته 3 آلاف، والباقي يكون من عندك”.

ونصح إسحاق الشرياني بأهمية التسلح بالثقافة المالية، وشدد على ضرورة أن نفهم ونتعلم كيف نكسب المال وكيف ننفقه وكيف نوفره، وكيفية اتخاذ قرارات مالية صحيحة تساعد على سداد الديون وتوفر المال وذلك باللجوء إلى أصحاب الاختصاص والتجارب واستشارتهم. إلى جانب التثقيف المالي عن طريق قراءة الكتب والاستعانة بالإنترنت، فهناك الآلاف من الدروس المجانية للتعامل مع المال بذكاء.

وفي ختام حديثه لـ “أثير” أكد الشرياني أنه يتمنى وجود مقرر أو مادة دراسية للثقافة المالية معتمدة كمنهج تعليمي في المراحل الدراسية سواء في المراحل المدرسية أو الجامعية، حيث ستصنع بلا شك جيلا واعيًا ماليا، ويقبل على الحياة وظروفها المادية بطريقة ذكية.

شارك هذا الخبر