فهد الوضاحي- مدير مكتب رئيس جامعة السلطان قابوس، متخصص في إدارة العمليات وتنفيذ الخطط الاستراتيجية
هذه المقالة هي سلسلة من ثلاثة أجزاء صيْغت أفكارها لتحقيق أقصى استفادة معرفية، ووضع دليل استرشادي لمساعدة رؤساء مكاتب المسؤولين الحكوميين؛ ورؤساء الشركات الكبرى. تُقدِّم المقالة معلومات تاريخية حول تطور هذه الوظيفة، والأحداث التي تدور خلف الكواليس، وأنواع رؤساء المكاتب. كما ستطرح المقالة تساؤلين: الأول: ما أهمية تعيين رئيس مكتب، وهل تتواءم هذه الوظيفة وروح العصر؟
الثاني: هل هذه الوظيفة تُعدّ سلاحًا ذا حدين؟
1- مقدمة:
يُمثِّل رؤساء المكاتب أو المساعدون التنفيذيون مرتكزًا أساسًا في معظم المؤسسات الحكومية والتجارية الكبرى، يتم اختيارهم وتعيينهم من قبل رئيس المؤسسة بشكل مباشر. ويُفترض أن يكونوا أشخاصًا مؤثرين لهم شبكة اتصالات، ماهرين في ترجمة الأفكار إلى أفعال، منفذين لأهداف رئيسهم، وقادرين على التعامل بسلاسة مع: الأولويات، العمليات، وإدارة الأفراد والمجموعات. وقد يختلف مسمى المساعد التنفيذي لرئيس المؤسسة وفق مستوى السلطة وطبيعتها، ونفوذ الرئيس؛ إذ يُعيِّن رئيس الدولة مساعدًا تنفيذيًا له بدرجة وزير لشؤون الرئاسة، ثم يُعيِّن الوزير رئيسَ مكتبٍ يعادل درجة مدير عام، أمَّا مسمى مدير مكتب فيعادل درجة مدير دائرة لمسؤول حكومي. ويختلف الأمر بالنسبة للجهات العسكرية، إذ إن هناك مُسميات مثل: المرافق العسكري، ورئيس أركان (Chief of Staff). واندرج هذا المسمى والنموذج العسكري في عالم الإدارة والأعمال، وأصبح أكثر شيوعا. وهنا بعض المسميات المُتعارف عليها باللغة الإنجليزية:
Key word: Chief of Staff /Office Manager /Chief Operation Executive/ Chief Executive Officer /Executive Assistant/Personal Executive Assistant/Aid-de-Camp
إنَّ النظرة التاريخية تُشير إلى أن مُسمَّى المساعد التنفيذي في عهد الإسلام الأول كان الكاتب، ثم تطور لاحقًا إلى صاحب ديوان الرسائل، أمَّا في أيام الفتوحات فسمي وزير تنفيذ، وفي أيام الخلافة سُمي بمعاون تنفيذ؛ ليقوم بإدارة شؤون الخليفة، ويكون معاونًا له في: التنفيذ، المتابعة، والأداء؛ ووسيطًا بين الحاكم وأجهزة الدولة والرعايا والشؤون الخارجية، إذ تتمثل مهامه من الأعمال التنفيذية في تنفيذ ما يصدر عن الخليفة للجهات الداخلية، والخارجية، ولرفع ما يَرِد إليه من هذه الجهات. يمكنكم قراءة المزيد عن وزراء التنفيذ هنا
أمَّا في أنظمة الحكم والأنظمة العسكرية؛ تُستخدم مسميات أخرى مثل: رئيس مكتب القائد الأعلى، ومسمى المرافق العسكري، ورئيس أركان، إذ استخدم الحاكم العسكري نابليون في القرن التاسع عشر مرافقين عسكريين؛ لمساعدته في تحليل الأوضاع العسكرية، وتشكيل قنوات تواصل للقواعد العسكرية؛ لتنفيذ تعليمات القائد بالسرعة الفائقة، وكان يُطلق عليهم “التلسكوب الموجه” أو “السلاح السري”. يمكنكم قراءة المزيد المرافق العسكري هنا.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية؛ اُستحدث منصب رئيس الأركان، أو كبير موظفي البيت الأبيض؛ لوظيفة المنسق الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره الشخص الذي يشرف على تفاصيل الأعمال بالبيت الأبيض، ويُدير جدول الرئيس، ويُنسق جميع اتصالاته، واجتماعاته، وتصريحاته الرسمية، وخطاباته للكونجرس والعالم، ونظرًا لصلاحياته شبه المطلقة؛ يُطلق عليه “حارس البوابة”؛ لأنه يُبعد مَنْ يصرفون انتباه الرئيس عن مسؤوليته وأدواره.
ويختلف الأمر في عالم المال والأعمال؛ إذ حَتَّم تسارع التطور التكنولوجي أن يكون منصب المساعد التنفيذي لرئيس الشركة أكثر فنيًا من كونه إداريًا، لأنه يتطلب مزيجًا من المهارات؛ والقدرة على معالجة المشكلات المعقدة، وإدارة العمليات والمخاطر اليومية. وعليه؛ فإن السمات الشخصية؛ وشبكة الاتصالات؛ تُعد من المهارات الرئيسة والديناميكية المهمة جدًا؛ وقد تفُوْق المؤهل والتخصص، إذ أصبح مسؤولو الدعم بمكاتب القيادات العليا يتمتعون بالخبرة في: التحليلات، التخطيط، وإدارة المخاطر. ويُعدّ بعض الرؤساء التنفيذيين مساعديهم “كالمستشارين”، إذ يطلبون آراءهم بشكل دائم، حتى فيما يتعلق بأمور الترقيات؛ أو توظيف القيادات التنفيذية العليا. ونظرًا لدوره المحوري؛ فإن الرئيس التنفيذي يمتلك معلومات أكثر من أيِّ شخص آخر في المؤسسة؛ والتي غالبا ما تكون معظمها (سرية) لقضايا العمل، والسياسة الداخلية، والسلوكيات الشخصية للأفراد داخل المؤسسة. لذا؛ فإن كفاءة المساعد التنفيذي شاسعة، وتتراوح بين أن يكون سياسيًا، وقادرًا على تبسيط القضايا المعقدة وحلها بطريقة إبداعية.
ونضرب مثالًا هنا بشركة أمازون؛ إذ أدرك الرئيس التنفيذي للشركة (جيف بيزوس) استطاعته في استنساخ طريقة تفكيره وفلسفته في القيادة؛ وإدارة الأعمال من خلال المساعدين التنفيذيين؛ فالمساعد يرافق الملياردير في جميع سفراته واجتماعاته، ويحضر ويستمع لجميع القرارات المهمة؛ إذ يُنظر له بمثابة المستشار، وله الحق في الوصول إلى الكثير من المعلومات، والاطلاع على أهم الأحداث والتطورات؛ لقُربه من الرئيس، لذلك يُلقَّب بــ “الظل”.. يمكنكم قراءة المزيد عن أمازون هنا.
الخلاصة: يُمثِّل المساعد التنفيذي، أو المساعد الفني، أو مدير العمليات، أو رئيس مكتب، أو أيِّ تسمية تُطلق عليه؛ الشخص الأول في تلقي التعليمات من الرئيس، والشخص الثاني في تحمل مسؤولية العمليات اليومية للأعمال بعد الرئيس. وهي أعمال تتم خلف الكواليس؛ لذلك يصعب على الأشخاص خارج الدائرة الضيقة في الرئاسة التنفيذية للمؤسسة؛ إدراك دوره الحقيقي غير المرئي، إذ إنه بمثابة الشخص المؤتمن، والمتحدث، والمؤرخ، والمصور والمحرر. كما أن المساعد التنفيذي هو الشخص الوحيد في المؤسسة الذي سوف يدير مرحلة التغيير في الرئاسة التنفيذية بعد مغادرة رئيس وتعيين رئيس جديد؛ والشخص الوحيد الذي يحمل مفاتيح الرئيس التنفيذي، والملفات السرية، وجميع التفاصيل التي تدور خلف الكواليس. إنها بالفعل وظيفة مثيرة للجدل؛ لأنها “صعبة في أحسن الأحوال، وشبه مستحيلة في أسوأ الأحوال”.
(التفاصيل في المقال القادم)





