د.رجب العويسي يكتب: التعليم وإدارة المواهب

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: التعليم وإدارة المواهب
د.رجب العويسي يكتب: التعليم وإدارة المواهب

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

بادئ ذي بدء يجب أن نعترف بأن مشكلتنا مع الموهبة فكرية مفاهيمية من الدرجة الأولى، وما يحصل من نفوق في مسار صناعة المواهب وإنتاج الموهوبين؛ إنما هو نتاج لهذه التراكمات الفكرية والممارسات غير المسؤولة، والصورة الذهنية السلبية التي أصّلها التعليم في حول الطلبة الموهوبين وموقعهم في الممارسة التعليمية، بالإضافة إلى السلوك المجتمعي والمؤسسي وآلياته في التعاطي مع المواهب، بما انعكس على واقع الموهبة، والمساحة الضيقة الخجولة –إن وجدت- في بناء المواهب وانتاجها وإعادة حضورها في ميدان المنافسة والبحث والابتكار والانتاجية.

 

د.رجب العويسي يكتب: التعليم وإدارة المواهب
د.رجب العويسي يكتب: التعليم وإدارة المواهب

على أن الحقيقة التي يجب أن يدركها التعليم والممارسين التعليميين وغيرهم من القائمين على المنظومة التعليمية، أن انتاج المواهب لا يرتبط بمستوى نجاح المتعلم في المدرسة، أو حصوله على تحصيل دراسي عال ومعدل تراكمي مرتفع، بل تعبر عن رصيد استثنائي يمتلكه عينة من الطلبة بفعل عوامل طبيعية فطرية أو مكتسبة قد لا تتوفر لدى غيرهم ، وهو الأمر الذي نعتقد بأن التعليم لم يوفق في معالجته وضبط مساره في ظل حالة الخلط الحاصلة لدى الممارسين التعليمين وغيرهم في التعامل مع الطالب المجيد، ومعايير التقييم، ونظم تقويم الطلبة والأنشطة التعليمية، والتي بات يقرأ الممارس التعليمي خلالها الموهبة على أنها مرتبطة بنجاح الطالب ومشاركته في الموقف التعليمي أو حضوره في بيئة الصف الدراسي وحصوله على معدلات تراكمية مرتفعة، الأمر الذي أفقد نهضة المواهب في مؤسساتنا التعليم، وأضاع الأرصدة الوطنية الكبيرة من المواهب والقدرات لسنوات طويلة عبر تحجيمها في منظومة متكررة غير عادلة في عمليات التقويم والمتابعة والدرجات، فاتجهت الممارسة التعليمية إلى إغلاق ملف المواهب، وعززت في اكثر أحوالها التقليدية والروتين والاهتمام بالشكليات الذي قد لا يتناغم مع مسار الموهبة، لذلك ظلت المواهب في حالة من الركود القسري لها، عندما لم يجد صاحب الموهبة من يتبنى موهبته، ويقف على الفرص الاستثنائية التي يمتلكها، بحجة عدم قدرته على تحقيق معدل تراكمي عالي في المواد الدراسية؛ في حين أنه يمتلك من القدرات الاستثنائية ما يفوق غيره وينافس أقرانه ويصنع الفارق في أدائه.

ولمّا كانت الموهبة حالة استثنائية تتأثر بواقع العمل نحوها، والمسار الذي يتخذه المجتمع بشأنها، فتنمو وتتطور وتنضج في الموهوب بقدر ما تمنح له من اهتمام ورعاية ومتابعة وما يرافقها من استشعار لقيمتها في بناء إنسان قادر على صناعة الفارق، فهي بذلك ليست حالة وقتية مرتبطة بفترة دون أخرى، ولا ينبغي قراءتها في ظل ممارسة تعليمية تتجه للطلبة ذوي التحصيل الدراسي العالي أو الحاصلين على معدل تراكمي مرتفع، بما يعنيه ذلك من مسؤوليات يجب أن يلتزم بها التعليم في ذاته، ويقرها مجتمع التعليم في ممارساته، فمن جهة تتشكل الموهبة مع الفرد في فترات مبكرة في حياته بما يعني أهمية امتلاك التعليم لأدوات اكتشاف المواهب واحتوائها وتوفير مسار تعليمي يستجيب لاحتياجاتها ويقوي من أرصدة نجاحها ويوفر مساحات الأمان النفسي والفكري لانطلاقتها الجادة، بما يؤكد على ضرورة الاهتمام بها في بيئة المدرسة والجامعة ومنحها فرص أكبر من المرونة والأصالة في مجتمع الطلبة، والتوسع في البرامج والفرص التنافسية لها في بيئة التعليم أو عبر المشاركات والمسابقات الوطنية والإقليمية والعالمية، وذلك من خلال تبني برامج لإدارة الموهبة وصناعة حضورها وتمكينها من الانطلاقة المستمرة خارج بيئة التعليم أو الموقف التعليمي، وتوظيف العمليات الإدارية المختلفة في صناعة المواهب وإنتاج الموهوبين وصقل خبراتهم وتجديد التزامهم بهذا المسار، وتقوية روح الدافع لديهم في مواصلة هذا المشوار، إنها بحاجة إلى بيئات تتبني المواهب، وتحتضن الموهبة، وتحفظ حضورها وتسمو بقدراتها وتصقل مهارات المواهب الطلابية بالبرامج والتجارب والمواقف والخبرات بالشكل الذي يتيح استحضارها في واقع العمل اليومي، واستدعائها من الذاكرة الذاتية للطالب إلى الذاكرة المؤسسية والمجتمعية.

هذا الأمر يؤكد الحاجة اليوم إلى توفير التشريعات والقوانين التي تحمي الموهبة وتحفظ حقوقها، وتوجه مسارها وتتيح لصاحب الموهبة مساحة أوسع للتفكير بأمان خارج الصندوق، بمعنى أن ما يتاح للمواهب الطلابية عبر هذه التشريعات والقوانين من تنوع في المسارات، وتنويع في الخيارات، واثراء ودعم مادي ومعنوي للمواهب، وإعادة هيكلتها في واقع الممارسة التعليمية، وتعزيز حضورها في العقل الاستراتيجي الوطني ، سوف يصنع من هذه التشريعات مساحة قوة في دعم الموهبة والحفاظ عليها وتوفير الممكنات الداعمة لها، ورفع مستوى الحافز لدى الطلبة الموهوبين، بما يضمن الوصول بها إلى الاحترافية والعالمية، ونقل هذه الموهبة من كونها سلوك ذاتي وممارسة شخصية إلى أن تصبح ذات بعد اجتماعي، تصنع الالهام وتؤسس لنهضة التفكير الجمعي، وتعمل على تزويد المجتمع بمخرجات منتجة تعتمد على نفسها، وتمتلك إدارة مشروعها الاقتصادي، وتحمل من المهارات والقدرات والاستعدادات والخبرات وشغف الابتكار ما يضع الكفاءة الوطنية في الواجهة .

أخيرا تبقى الإشارة إلى أن إدارة الموهبة في مؤسساتنا التعليمية بحاجة إلى جهد وطني مسؤول، وشراكة حقيقية صادقة بين قطاعات الدولة المختلفة، تحترم الموهبة وتحتوي المواهب، وتسوّق لها، وتصنع لحضورها القوة في المنظومة الإنتاجية بالجهاز الإداري للدولة، وأن تتجه آليات العمل القادمة إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة وعقدة المصطلحات التي باتت تربط الطالب بتوقعات أخرى كمية تتجه نحو المعدل التراكمي والمشاركة الصفية وحضوره في قاموس المعلم اليومي، فإن الوصول بالمواهب إلى مرحلة القوة وإعادة انتاجها في بيئة التعلم، وتمكينها في أجندة التعليم وفلسفة العمل بالمدارس والجامعات بحاجة إلى تغيير هذه النظرة الضيقة ومحوها من الذاكرة التعليمية، وخلق نماذج وموجهات أخرى تصنع من الموهبة نهضة للتعليم ومسارا يوجه قدراته، ويضبط موارده، ويعزز مكانته، ويحقق له حضوره في عالم العمل والاقتصاد والمنافسة والإنتاجية والكفاءة والخبرة والالتزام .

شارك هذا الخبر