عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”

عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”

أثير- مكتب أثير في تونس
حاورها : محمد الهادي الجزيري


الحياة غريبة ومتسعة ..في كلّ يوم تعطيك درسا في التنوّع ونافذة للاختلاف ..، ولأوّل مرّة يقودني هوسي بمحاورة ضيوف سلطنة عُمان ..إلى اكتشاف امرأة مهتمّة بعلم المواد والتصنيع.. ، أصلها من قرطاج المجيدة وعروقها ضربت عميقا في أديم صلالة ..وهواها لأكثر من غاية ..فهي أديبة تحاول كتابة عن الإنسان هذا الغريب الجميل ..هذا الداني والعالي في الوقت نفسه ..، حقيقة إنّه حوار مكشوف وعفويّ ..باحت فيه المهندسة مي عيّاشي بطموحاتها وحنينها إلى عُمان ..فهي مدينة لها بالكثير ….
ــ أنهيت دراستك الجامعية بجامعة السلطان قابوس سنة 2019 وتخصّصت في الهندسة الميكانيكية فأيّ ريح قادتك إلى هنا ؟


لنقل رياح القدر ورياح القلب أيضا ، فمهما حلّقتُ بعيدا عن هذه الأرض إلّا أنّني أحملها بين أضلعي أينما رحلتُ ، والعودة هي حلمي وقدري ، مثل الطّائر أنا ، مثل الطّائر الذي يهاجر ويقطع المسافات ولكن يعود لعشّه ليخلد للسّكينة ويحطّ رحاله ليستلذّ بتلك الرّاحة التي لا يقدّرها إلّا من شرب من كأس الغربة ، مذ أنهيت دراستي الجامعيّة حلّقت في سماء الطّموح ، وكانت أحلامي لا سقف لها ، وضعتُ الخطّة والخطّة البديلة ، ومن بين الخطط التي وضعتها الرّجوع إلى الأيك فهو المستقرّ والسّكينة ، وكنت أنوي إنهاء رسالة الدكتوراه وفي الوقت نفسه البحث عن عمل في مجال تخصصي لأنّ الهندسة هي المنطق ورياضة العقل

عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”
عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”

ــ بعد ما يزيد عن 8 سنوات أقمت فيها بصلالة ..عدت إلى الوطن ..، نودّ أن تحدّثنا عن دراستك في عمان ..كيف كانت في مشرق الشمس ..؟

تجربة الدراسة في عمان كانت فرصة رائعة و لو يرجع بي الزّمن لن أطلب أن يغيّر ذلك القدر الجميل ، بل سأختاره مرة أخرى..، المرحلة الثّانويّة كانت رائعة ، فتّحت فيها عيني على العالم من خلال صداقات ستبقى محفورة في الذّاكرة .. لأنّ جذورها امتدّت في القلب ونمت وأزهرت وأثمرت أفضل ما يمكن أن يشعر به إنسان: الصّداقة الحقيقيّة التي نفتقر إليها في هذا الزّمن.، صداقاتي كانت متنوّعة من حيث الأصل فغنمت من خفّة روح مصر وعراقة العراق وجمال الأردن وطيبة السّودان ورقّة المغرب وحفاوة عمان ، فكنت أنعم بشذى تلك الباقة المختلفة ألوانها، كانت الألوان متعدّدة ولكن العبق كان يغذّي روحي بسعادة لا محدودة. لازلت أذكر آلاء العراق وميرا الأردن ويسرى المغرب وريّان السّودان وإشرقت ومي أرض الكنانة وروعة عمان. ولا يزال الودّ قائم ولا تزال الأشواق متّقدة فإلى الآن نحن على تواصل ونتحادث لنسقي تلك المشاعر ونغذّيها حتّى لا تعرف الفناء…
نعم أنا مشتاقة لقد فرّقتنا الأيّام ولكن الحب يجمعنا..، أساتذتي أيضا في المرحلة الثّانويّة تركوا بصمتهم فيّ لا يمكن أيضا أن أنسى فضلهم عليّ ومثلما نعمت بالتّنوّع في الأصدقاء نعمت أيضا بالتّنوّع في الأساتذة ، أمّا الرحلة الجامعيّة فكان لها مذاق مختلف أيضا ليس بسبب النظام الأكاديمي والتّكوين التّقني العالي الجودة والأساتذة المتميّزين الذين جادوا علينا بعلمهم فنهلنا من بحر معارفهم فكوّنونا التّكوين الصّحيح ومنّوا علينا بجهدهم ،أقف لهم وقفة إجلال وإكبار على عطائهم الغير محدود. ..
أنا مدينة لعمان لأنّني ترعرعت فيها ودرست فيها وعشت فيها طفولتي وجزء من شبابي ، بلد يطيب فيه العيش فعلا. العامل الثّاني المهم هو أنّ جامعة السّلطان قابوس “طيّب اللّه ثراه” كانت من أرقى الجامعات من حيث القيم العلميّة ومن حيث الإمكانيّات اللّوجستيّة فهي توفّر كلّ سبل الرّاحة وهي مدينة جامعيّة بأتمّ معنى الكلمة ، هذه الظّروف الملائمة للدّراسة ترفع مستوى الإنتاجيّة ، وتخوّل للطّالب أن يستفيد من التّجربة الجامعيةّ لأقصى الحدود. والعامل الثّالث المهم وهو الأقوى هو أنّ الجامعة تمهّد الطّريق فعليّا أمام الطّلبة لتهيئتهم لسوق العمل وذلك بتوفير مناخ علائقي مناسب لربط علاقات قويّة مع الجهات التي تربط الطّالب ببيئة العمل مستقبلا…


ــ الحنين إلى الأوطان يسري في الدماء ..ولكن تركت مكانك شاغرا وهل ثمة أشياء وأماكن وأناس تشتاقين إليهم بعد المدة الطويلة التي عشت فيها بين العمانيين ؟

أنا في حالة اشتياق دائم لأحبّتي أين ما أكون بحكم تنقّلي المستمر وعلاقاتي المتشعّبة وصداقاتي المتينة.. وأذكر ذات مرّة أنّني قلت لصديق عزيز أنّه أين ما أكون دائما يوجد جزء مني مفقود.. فردّ علي بحكمة هذا نصّها “لن تحصل أبدا على شئ كامل… ستحصل على أشياء ناقصة ، تكتمل برضاك ” راقتني هذه الحكمة ويسّرت علي أمورا كثيرة فاعتمدتها أسلوب حياة.. أحنّ لعطف أبي وحنو أمّي ، وحبّ أخي الذين تركتهم هناك في أقاصي الأرض وجئت لأمدّ عروقي في أرضي

ــ علمنا أنّك عاشقة للأدب ..فحدثينا عن تجربتك الوحيدة ..، عن قصة تبحثين فيها عن وطن؟

قصة ” بلا جذور ” قصّة غريبة مغتربة ضائعة ، ” منبتّة بلا روابط مع عالمها تتحسّس السّجاد المصنوع من وبر النّوق الذي افترشته لعلّها تداعب ذاكرتها فتعود أو تهتدي إلى شيء مألوف “، هي قصّة الغريب الذي يتجزّأ فلا هو هنا ولا هو هناك ، هي قصّة النّصفين الذين يبحثان عن بعضهما حتّى يكتملان ويتكاملان ويكوّنا كلّا متناسقا متناغما متصالحا ، هي قصّة بحث عن الأنا الضّائعة بين موقعين مختلفين..

عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”
عاشت بها أكثر من 8 سنوات: حوار مع مهندسة حنينها لسلطنة عمان “لا حد له”

ـ لأوّل مرة أحاور امرأة مهتمّة بعلم المواد والتصنيع..، فهل وجدت صعوبة في هذا الاختصاص ..وهل ثمّة من ساندك حتّى يحظى مرادك بالقبول ..، وأنت اليوم ما شاء الله رائدة في مجال تصنيع الخشب الشفاف ..؟

ـ الشغف يتغلب على الصّعوبات ، وسبب دخولي وتمسكي بهذا المجال كانت جملة قالها لي بروفيسور “تسنيم” وهو من الباكستان ، كلماته لا أزال أسمعها بنفس الوضوح وبنفس الصّفاء الذي سمعتها أوّل مرّة ، جملة قليلة الكلمات وفيرة المعاني : “أليست من المفارقات الغريبة أنّ المادّة الأوّليّة مصدرها بلدان عربيّة وإسلاميّة ، وأنّ العقول التي تدير عجلة التّصنيع والمهندسين القادة في العالم أغلبهم عرب ومسلمون ، ولكن ذات هذا المجتمع ظلّ مستهلكا ولا ينتج أبدا؟!”…

وأوّل ما سنحت لي الفرصة أن أطبّق ما تعلّمته وأضع بصمتي في المجتمع ولو بشيء بسيط جدا لم أتراجع، بل وثبت على هذه الفرصة وبحمد الله كنت عند حسن الظّن.. بمعيّة مجموعة من الطّلبة شكّلنا فريقا وصنّعنا الخشب الشّفاف نلنا جائزة أفضل منتج مبتكر في كوريا عام 2018 وصنعنا أول prototype من منتجنا بالإضافة إلى تحضير ملف لتسجيل المنتج كبراءة اختراع… الجامعة احتضنت المشروع ووجدنا دعما ماديّا كبيرا جدّا ووقع تأطيرنا ، احتضننا فريق من “إنجاز عمان” وأقام ورشا تدريبية والتقينا بمشاركين سابقين ورواد أعمال نذكر منهم: “علي البحري” صاحب شركة “مندوب” والذي كان مشاركا سابقا في إنجاز عمان ونشاط شركته في مجال اللوجستيات وهي لا تزال قائمة الذّات إلى يومنا هذا.. كان الفاضل علي البحري يتابعنا بصورة مستمرّة ويقيم دورات لتكويننا ، ومدّنا بنصائح قيّمة على امتداد أيّام الدّورة التّكوينيّة. وبعد فترة انظمّ إلينا الأستاذ يعقوب الحارثي وكان خير سند للشركة في خطواتها الأولى. ولم يتوقّف الدّعم لشركتنا حتى بعد بنائها وانتهاء المسابقة إذ لقينا دعما من الحاضنات لمدّة سنتين إلى أن انطلقت الشّركة واتّضحت أمورها الإداريّة والماليّة.

ـ لو نعود بك إلى أصدقائك ..ولقاءاتك معهم ..من ستعانقين من أساتذة وطلبة وأهل طيبين ..كانوا لك خير سند وكلف ؟
هل ودّعت صلالة ؟ ..ماذا لوتودّعينها مرة أخرى ..ترى ماذا ستقولين ؟


رحلت عنك يا صلالة دون وداع ، لم أعطيك يا صلالة الوداع الذي تستحقين ، فأنت جزء من القلب ولا أزال أشمّ رائحة الأحقاف وعيناي ترحلان إليك في كلّ حين لألثم جبينك الأخضر يا صلالة ، وأضمّك ضمّة الابن لصدر يحنّ إليه ، حنيني إليك يا عمان لا حدّ له فأنت منشئي وشبابي فيّ جزء منك وفيك جزء منّي ، لو جرّني إليك القدر يا صلالة سأضمّك ضمّة حتّى ترتوي روحي من بهائك ، ضمّة أطفئ بها لهيب شوقي إليك ، شوقي إلى كلّ ما فيك… أيا بلدا سقاني عشقا وملأني حبّا… أمّا عنكم أحبابي في صلالة فكلّ منكم له مكان خاص في سويداء القلب ، أعيش معكم وبكم على الرّغم من البعد الجغرافي ، أنتم برفقتي دوما في ذكرياتي وفي تأمّلاتي ، نعم بي حنين للقاءاتنا ومزاحنا وحماقاتنا وجدّنا وهزلنا، نعم بي شوق لأعانقكم وأشمّ ريحكم، أصدقاء كلّهم صفاء. أساتذتي أيضا مدينة لهم بالمحبّة والتقدير والعرفان بالجميل. أقول لكم جميعا أحبّكم.

شارك هذا الخبر