أثير-مكتب أثير في تونس
إعداد : محمد الهادي الجزيري
لنا في صفحات تاريخنا الحديث دررٌ لا أقول أنّها منسية ولكنها متروكة ..، فمن هذه الجواهر أهمّ شاعر وثائر ويعدّ من أشهر شعراء العربية في القرن الفارط..، بدأ حياته بالثورة على الاحتلال البريطاني وكرّس عمره للشعر والقوافي ..، اليوم نحتفل بعبد الله البردوني شاعر اليمن والأمة العربية..، ونضيء بعض المناطق المعتّمة من مسيرته الحافلة بالمواقف الشجاعة ..والمحفوفة بالآلام والأشجان والانتصارات والتتويجات والتكريمات ..

أوّل شيء عرفه البردوني في حياته ..هو المرض ..فقد داهمه الجدري وأدّى إلى حرمانه لبصره وهو في الخامسة من عمره ..، وكان لهذا تأثيرا بالغا عليه ..، علما أنّه من مواليد 1929 في قرية البردون في اليمن الشقيق وعاش في كنف أسرة فلاحية بسيطة لا علاقة لها بالعلم والمعرفة ..، ولكن وعيه المبّكر بما يحصل حوله وبحالة الناس والمجتمع آنذاك جرّه إلى العلم والمعرفة لينتصر للإنسان اليمني وللعالم من الجهل والفقر والأمية ..فنبغ في مسيرته ليثبت أنّ العمى يطال البصر ولا يقدر على البصيرة ..وقد أصدرت الأمم المتحدة سنة 1982 عملة فضية عليها صورته ..على أنّه معاق تجاوز العجز وتفوّق عليه…

أوّل استراحة شعرية اخترتها “من قصيدة غريبان وكانا هما البلد ” يبكي خلالها بلاده :
فوج يموت وننساه بأربعة فلم يعد أحد يبكي على أحد
وفوق ذلك ألقى ألف مرتزق في اليوم يسألني ما لون معتقدي
بلا اعتقاد وهم مثلي بلا هدف يا عمّ ما أرخص الإنسان في بلدي

تميز الشاعر الراحل عبدالله البردوني بتنوّع إصداراته بين الشعر والنقد وقدم إلى المكتبة الثقافية العديد من الإصدارات ومن دواوينه الكثيرة : “من أرض بلقيس” (القاهرة، 1961م)، “في طريق الفجر” (بيروت، 1967م)، “مدينة الغد” (بيروت، 1970م)، “جواب العصور” (دمشق، 1991م)، “رجعة الحكيم ابن زايد” (بيروت، 1994م) ، ومن أعماله النقدية : “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه” (1972)، “قضايا يمنية” (1977)، “فنون الأدب الشعبي في اليمن” (1982)
ككلّ مبدع يستحقّ التكريم والتحفيز ..كان لعبد الله البردوني مواعيد مع التتويج والنجاح الباهر..، وتمكّن من التألق على الساحة الشعرية العربية ، وأحرز جوائز مهمة في مشواره رغم وجود شعراء كبار في عهده ، ومنهم نزار قباني ومظفر النواب ومحمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وغيرهم ، وخلال أشهر المهرجانات الشعرية في السبعينيات في مدينة الموصل بالعراق استطاع البردوني بشعره الأجعد وآثار مرض الجدري التي تكسو وجهه أن يحصد النجاح من كل أطرافه ، لاسيما حينما قرأ قصيدة «أبو تمام وعروبة اليوم» ، التي يعارض بها قصيدة الشاعر العباسي أبا تمام ، فكان هذا النص بداية شهرته عربياً ، وأدهش الجمهور بحضوره الآسر..
ونسرد على سبيل الذكر لا الحصر عدداً من الجوائز العربية والدولية ، ففي عام 1981م ، نال البردوني جائزة “شوقي” بالعاصمة المصرية القاهرة… ونال في العام التالي جائزة الأمم المتحدة “يونسكو” ، وحصد جائزة مهرجان “جرش” الرابع بالأردن عام 1984م ، ثم جائزة “سلطان العويس” بالإمارات العربية المتحدة عام 1993م…

وعلى ذكر قصيدة ” أبو تمام وعروبة اليوم ” التي صال وجال بها في مدينة الموصل، نقتطف مقطعا منها :
ماذا جرى يا أبا تمام ؟ تسألني!
عفواً سأروي ولا تسأل وما السببُ ؟
يدمي السؤالُ حياءً حين نسأله:
كيف احتفت بالعِدا (حيفا) أو(النقبُ)
ماذا فعلنا ؟ غضبنا كالرجال ولم
نصدق وقد صدق التنجيم والكتبُ



ترادف الشاعر الراحل بالشعر الثوري العنيد والصريح ، فلم يكن يلجأ إلى المهادنة والنفاق السياسي بل كان في كلّ حرف يكتبه يجابه سلطات القمع والظلم ، وكان شعره ناقداً وبشدة لكل الظواهر التي لا تروق له ، فصاحب هذه الصفات لابد أن يصطدم بالسلطة فزجّ بالسجن في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي…وعن ليالي السجن كتب :
نزلتْ ليالي السجنِ بين جوانحي
فحملت صدري للهمومِ ضريحا
وجثتْ على قلبي كأنّي صخرة
لا تفهمُ التنويهَ والتلميحا
فدفنتُ في خفقِ الجراحِ تألّمي
حيّا وألحدتُ الأنينَ صحيحا
وحملتُ دائي في دمي وكأنّني
في كلّ جارحةٍ حملتُ جريحا
ما أجمل هذا الشعر وأصفاه ..، هذا دليل واضح أن لا شيء أقوى من الموهبة وأعتى من الصدق وأخلص من الشاعر لإنسانية الإنسان ..
من الطرائف المذكورة لعبد الله البردوني ونزار قباني.. :
وتتلخص الحكاية في أنه بعد انتهاء قراءة الشاعر البردوني قصيدة “أبوتمام وعروبة اليوم” ، ونالت استحسان الحضور ، حرص الشاعر نزار قباني إلى الذهاب إلى حيث كان البردوني يجلس وقال له : نعتذر يا أستاذ عبد الله لأننا قرأنا قصائدنا وأنت بحضرتك!
فرد البردُّوني : ولماذا تعتذر ؟!
فأجاب نزار : لأنك قلتَ كل ما نريد أن نقوله ولم نقدر.
فسألهُ البردُّوني : من أنت؟
قال : أنا نَزار.
فقال له البردُّوني : قل نِزار لا نَزار ، لأن النَّزر هو الشيء القليل.
ضحك نزار ثم قال : اليوم عرفت اسمي.

رحم الله شاعرا بصيرا رغم عتمته ..وكان قبل أن تأتي السيول في ذكرى رحيله الحادية والعشرين على بيته ،…قد قال عن بلاده ..كأنّه يعيش بيننا حالة الضيق والغربة والتهميش :
” ماذا ؟
أيدري إخوتي وأبي أني يمانيٌ بلا يمنِ ؟
هل لي هنا أو ها هنا وطنٌ ؟
لا ، لا : جراحي وحدها وطني “





