الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب لـ “أثير”: فَصْلُ الحرْكِي الَّذِي كادَ يَصْبحَ مُجَاهِدًا

في فصل منشور عام 2022، يروي واسيني الأعرج تطويق قرية وبحث الجيش الفرنسي عن مخابئ السلاح، ثم يتأمل مصير علي لكور ووثيقة نجاته ورفض الأم الانتقام.

عن الكاتب

واسيني الأعرج
واسيني الأعرج

روائي وأكاديمي جزائري

الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب لـ “أثير”: فَصْلُ الحرْكِي الَّذِي كادَ يَصْبحَ مُجَاهِدًا
الروائي العربي د.واسيني الأعرج

أثير- الروائي العربي واسيني الأعرج

لم يكن أحد ينتظر ذلك الطوق الذي ضرب على القرية كليا منذ الصباح الباكر. القرية كلها أخذت على حين غرة. أعقب ذلك مرور المجاهدين لاستلام الأسلحة التي كانت مخبأة في المطمورة والتي كان وراءها والدي ورفيقه بوزيان وربما آخرون. كيف وصل الخبر إلى الجيش الفرنسي ليطوق القرية كلها؟ تلك الليلة بقي والدي في البيت وتهيأ للذهاب إلى “لاساس” الذين سألوا عنه كثيرا وباسمرار درءا للشكوك لأن الوالدة كلما سألوا عنه قالت بأنه يبحث عن عمل بعد أن ضاق الأمر “برحى كامي” ولم تعد توفر العمل.
كل سكان الدشرة الذين تعودوا على حركيين معروفين، من القرية أو جبالة أو السواني، ك “بابو” والحركي منصور، لاحظوا وجود شخصين آخرين الحسين وعلي. الحسين ظل صامتا، بينما علي، بسبب جبنه، كان يقود الفرنسيين إلى كل المخابئ، أو كل ما يفترض أنه كذلك. هو أيضا من قادهم نحو المطامير، هو من دفع بهم إلى استنطاق النساء، وربما اغتصاب الكثير منهن. هناك صمت مطبق حول هذه المسألة. فاقتيد الجميع نحو “الحويطة” باتجاه “جامع الفقيه”، وأذاقوهن بكل ألوان العذاب، بينما استعملت دار عمي ولد علي الملقب بالكابران، لاستنطاق الرجال بعد أن أخرجوا كل النساء والحقوهن بالحويطة. وشاية على لكور كما ينعت، جعلت القرية تعزله على جنب واعتبر منذ تلك اللحظة حركيا تجب تصفيته. كان علي يرافق الكتيبة العسكرية التي تقصدت الوالد وفصلته عن المجموعة. حتى رحى القايد، في رحبة الگازير تمت غربلتها ومنها أخذ بوزين لكحل.
في المساء نفسه من الوشاية، تخلى علي عن لباسه المدني المموه، أصبح حركيا رسميا، أي بلباس عسكري فرنسي. أخذ زوجته لأن والده زوجه في وقت مبكر، وذهب إلى المركز العسكري في السواني. هناك بقي مع زوجته، وانضم إلى قافلة الحركى الذين قاتلوا أهالي القرية. لم يعد يأتي إلى سيدي بوجنان. كان يعرف جيدا أنه لو وقع بين أي الثور سيُذبح، لهذا وجد الحماية في المركز العسكري الفرنسي مع بقية الحركى. المركز العسكري كان يوفر السكينة والأمان لهم. وفي يوم من الأيام ضبط بالجرم المشهود مع زوجة أحد الحركى. كانت جميلة لدرجة الأثارة ويقول إنه دخل صف الحركى من أجلها وليكون قريبا منها. كانت تكره زوجها الحركي أيضا، وحسسها بأنه فعل ذلك من أجلها. ضبطهما بعض السكان معا في حالة تلبس جنسي، كتفوه ونزلوا عليه بالهراوات حتى كاد يموت، ولولا تدخل كبير الحركى بابو الذي انتزعه من مخالهم وهو عار، لكان آل المرأة وسكان القرية قد قتلوه بينما مصير السيدة لا أحد يعرف عنها الشيء القليل أو الكثير، سوى أنها سافرت إلى فرنسا والتقت به هناك من جديد. الشيء الوحيد المتبقي هو كلمتها لزوجها: “الذي باع أرضه، باع معه عرضه”
بعد الاستقلال بقليل، هرب بعد أن تمكن من الحصول على وثيقة كتب فيها: إن المسمى على لكور، ترك الجيش الفرنسي والتحق بسلاحه بإحدى خلايا جيش التحرير، في منطقة القبائل. لا أحد يعرف تلك القصة. في المطار كان من المبحوث عنهم فانزلوه من الطائرة، واقتيد إلى مركز البحث وهو هناك قضوا معه ساعات طويلة في البحث، ظل مصرّا على أنه كان في جيش التحرير في إحدى الولايات، وأنه هرب بسلاحه إلى هناك. هناك روايتان تتقاسمان هذه الحادثة إذا وجدت حقيقة:
أولا يمكن أن يكون الجيش الفرنسي استعمله للقيام بمهمة الوشاية ومعرفة عدد الجنود ونظامهم العسكري وخططهم، كما كان يفعل مع الكثيرين الذين غسلهم كليا من جرائمهم.
ثانيا: أن يكون قد تحصل على الورقة من أي شخص يعرفه ليتمكن من التسلل إلى فرنسا دون إلقاء القبض عليه ومحاكمته. كان ثعلبا، ولم يكن شخصا سهلا. وبسبب تلك الوثيقة التي لا أحد إلى اليوم يعرف من أين تحصل عليها، استطاع أن يمر ويفر إلى فرنسا.
هناك ابن عمي محمد، أخو ابن عمي البشير الذي عاد من الجبل، الذي لا أتذكر وأنا طفل إلا حذاءه الخشن الذي بقي في فناء البيت طويلا، الذي تزوج لاحقا بابنة عمه، أختي زهور. أخبر أخوه محمد الذي كان ينشط في الحركة الوطنية في الغربة فألقي في الحبس حتى استقلت البلاد. فأخرج من الحبس وفقا لاتفاقيات إيفيان. طلب من أمي أن تأذن له بتصفيته في فرنسا ورميه في نهر السين كأية جيفة. لكن أمي رفضت. سمعتها تقول وأنا طفل صغير: تصفيته لن تعيد أحمد لأبنائه. لا أتحمل روحا على رقبتي. ولا تيتيم أبنائه. لا. وظل الكثير من أفراد العائلة ينتظرون موافقة أمي وأصبحت المسالة انتقامية. في القرية كان سيقتل لو بقي، لكنه هرب. لكن أمي ظلت صامدة في موقفها على الرغم من تعاسة الوضع.
وبقي حيا حتى اليوم. بي رغبة أن أجري معه حوارا يقول لي فقط: لماذا فعل ذلك كله في أبناء قريته؟ لم أجرب لكن بحديثي مع بعض أصدقاء قالوا بأنه لا يثق حتى في نفسه. عمره اليوم أكثر من ثمانين سنة. يعيش في فرنسا.
تنتابني الرغبة للجلوس معه واساله فقط لما فعل ذلك؟ عرفت وجهه وأنا صغير لكني لا أتذكر أي ملمح من ملامحه العابرة بمخي. بماذا يشعر حركي (خائن ومتعاون مع الجيش الفرنسي ضد الثوار) أعرف أنه عُذِّب هو وصغير تعذيبا شنيعا انتهى به إلى قول ما كان يعرفه عن الوالد، وما سمعه، وربما أيضا ما اختلقه.
صدفة الموت شاءت أن الوالد ليلتها نام في البيت؟ كيف فعل ذلك؟ لماذا؟ مع أنه كان دائما حذرا؟
ما يزال عليّ لكور حيا. ما نزال أحياء. أتمنى أن أسمع يوما ما يقوله إذا كانت لديه الشجاعة لقول أو إخراج ما يحمله في داخله لسنوات من ندم. لا أعتقد أن هذا النوع من البشر يحمل ندما في داخله. كل هذا دخل فيما يسمى بالنكران Le déni
بقي في فرنسا بعد الاستقلال زمنا طويلا. ثم عاد وفتح مقهى. كلما مرت أمي من هناك التفتت صوب الجبل وقرأت شيئا من آيات الكرسي التي تعرفها، وواصلت طريقها ” لشملك الرحمة يا أحمد أينما كنت”
المضحك في الحكاية أيضا أنه، بعد الاستقلال، استعمل تلك الورقة التي أنقذته من موت محتوم، ليرتقي إلى صفوف جيش التحرير وكأنه خالد بن الوليد، من صف الكفار إلى صف المسلمين. راح يركض وراء وثيقة المناضل إبان الثورة التحريرية مستعملا وساطات كثيرة ولكنها، فيما يبدو، باءت بالفشل لأنه الكثير من الناس الذي طلب وساطتهم مبرزا تلك الوثيقة الغريبة لهروبه من الجيش الفرنسي نحو المجاهدين، كانوا يعرفون جيدا ماضيه. فوق هذا كان أذاه كبير أيضا من الناحية الأخلاقية. يوم نزلوا عليه ضربا بالهراوات، بابو هو من أنقذه. كان غارقا في دمع ولم يتوقفوا إلا عندما هددهم بسلاحه الأوتوماتيكي “مات “49 الذي كان يحمله. أخرجوه شبه عار ووضعوه في كارو “العجرودي اليزناسيني” وابعدوه عن المكان. ونفذ من قتلة مؤكدة. وتم إخفاؤه إلى أن التحق رسميا بالجيش الفرنسي وتم توجيهه إلى منطقة القبائل كما يقر هو بذلك. وبعدها غاب نهائيا عن الحركة. وعمل كل ما في وسعه. الذين عرفوه يقولون كل الحكاية من خلقه، فقد تم تهريبه نحو مناطق بعيدة لا يعرفه فيها أحد وظل حركيا، يمارس نفس جرائمه حتى الاستقلال وتحصل على وثيقة النضال المزورة، ربما هي التي أنقذته في مطار وهران من الموت. تقول الوثيقة: “يشهد الرائد (…) أن عليّ هرب من كتيبته الملاحقات الفرنسية، والتحق بجيش التحرير واضحا سلاحه تحت تصرف القيادة. ليال قليلة قبل توقيف الحرب النهائي”
رما كانت الحقيقة في مكان آخر، لكن ما رويته هنا، في هذا الفصل الخاص، جزء من تلك الحقيقة الغائبة.








شارك هذا الخبر