د.سعيد السيابي يكتب لـ” أثير”: الإحباط القاتل الصامت؛ كشفت تداعياته مسرحية (مرزوق)

يتناول المقال عرض «مرزوق» الذي قدمته جماعة المسرح بجامعة السلطان قابوس في العام الأكاديمي 2022/2023، محللًا أداءه المونودرامي وبناءه التعبيري ورسالة الدعم النفسي للشباب.

د.سعيد السيابي يكتب لـ” أثير”: الإحباط القاتل الصامت؛ كشفت تداعياته مسرحية (مرزوق)
د.سعيد السيابي يكتب لـ” أثير”: الإحباط القاتل الصامت؛ كشفت تداعياته مسرحية (مرزوق)

أثير- د. سعيد السيابي، كاتب وباحث أكاديمي في جامعة السلطان قابوس

هذه المسرحية قدمتها جماعة المسرح بجامعة السلطان قابوس في افتتاح فعالياتها وباكورة أعمالها للعام الأكاديمي 2022/2023م، وهو عرض مسرحي مونودرامي للكاتب السوري أحمد كامل شنان الذي قدم موضوعا عميقا للنقاش والتناول وأسهم في كشف الصراعات الذاتية لعوالم النفس الإنسانية خصوصا لدى فئة الشباب الطموح.
قُدِّم هذا العرض بالمدرسة التعبيرية في الإخراج، والتي باختصار تقوم على تجزئة النص المسرحي ليكون مجموعة مشاهد منفصلة، وتستخدم فيها الإضاءة غير المباشرة، والبقع اللونية المركزة والألوان الصارخة واستخدام الظلال وتأثيرها على قطع الديكور المكونة للمنظر، مع توظيف الشخصية التي خرجت من رحم المعاناة فتمتاز بالأداء والتعبير عن المشاعر الداخلية بإثارة الخوف الفجائي بموجات صراخ والرفض والتقلبات في تلوين الصوت الذي هو استذكارات للأحداث التي وقعت وستقع على بطل العمل، فينتقل الحدث بين الواقع والحلم وتتناثر الرموز في الديكورات.


وفي البناء الدرامي تستند إلى الغوص بالأعماق لتقديم الصراعات النفسية ومآلات الدخول في الإحباط الذي يمكن أن نطلق عليه القاتل الصامت إذا لم يجد المتأثر بأعراضه الدعم النفسي الاجتماعي، وقد تفوق المخرج يوسف السيابي بإمكانات قاعة المؤتمرات من محدودي تقنيات الأجهزة إلى تقديم رسالة النص وعمقه المراد أن يحمله والتنبيهات الخطيرة التي هي في أعلى درجات الخطورة خصوصا لشبابنا الباحثين عن عمل.
وأبدع الممثل حسام العزواني في تقمص أكثر من دور وحالة مزاجية ليشعر المتفرجين بأنه المحبط الأخير من الشباب وبموته ستنحل كل الأزمات في التوظيف وفي المقابل يتقمص دور الحبيب ليرسل سهام محبته وطموحه لجيل من الشباب.
” سرير مستعمل للبيع” كان إعلانا مواجها للجمهور يتوسط خشبة المسرح وكاشفا لحالة الفوضى التي يعيشها الشاب مرزوق في غرفته المستأجرة، التي كان كل ما فيها متهالكا وقديما ويمثل بقايا الأدوات المستعملة، ومع ذلك بدأ البطل مرزوق يقاوم بنشاطه الرياضي الذي افتتح به المسرحية ومفعما بمحبة الحياة رغم قسوتها كما يقول، ومبادرا لا يستسلم حتى يبيع آخر شيء ينفع أن يعرضه للبيع. “ليستمر هذا الإنسان الذي بداخلي” كما يصف نفسه، وبأنه كان صاحب طموحات كبيرة ليتحطم كل شيء أمام ضغط الإحباطات المتكررة ليصل في النهاية لشبه عاجز عن مقاومة المرض الذي ينهش صدره ولا تستطيع أدوية الربو مساعدته في الحصول على أنفاس تبقيه على قيد الحياة ليستسلم لقدره ويغادر هذه الدنيا بسلام.


انفعالات كثيرة أوصلها الأداء المقنع للممثل الذي بدأ من الإحباط إنسان مأزوم بملابس مهلهلة ونراه هنا في غرفته التي هي أقرب إلى مكب نفايات كل شيء فيها مبعثر ومتناثر ومطلوب. دمية مدير معلقة رأسا على عقب على يمين المسرح ويدور حولها ومعها حوار استثنائي وقد أوصل لنا المخرج بتنوع الحركة وتقليص حجم الإضاءة لتكون المواجهة بين المتسلط الذي يقف على السطح “الأعلى” هرم المسؤولية وبين الموظف “الشاب” الطموح الذي لا يقدر على استيعاب حجم الدخول في خلاط الإدارة الفوقية التي تسحق بمزاجيتها كل ما هو قابل على العمل المنظم والتفاني المحمود والقدرة المحدودة بإمكانات شاب حديث الطموح بالوظيفة ليجد نفسه هذا الممثل أمام جدار وهمي يصطدم به أكثر من مرة إلى أن يصل إلى الانهيار ويبدأ يسقط في عتبات الإحباط وينتقل تلقائيا من الصحة إلى المرض.

في المقابل هناك جانب روحي كان يسعى له هذا الشباب لإيجاد التوازن واستمرارية الحياة بوجود شريكة/ محبوبة ممكن أن يلقي على عاتقها الدعم النفسي والتنفيس لها، ومعها يطرح الأحلام بأن القادم سيكون أجمل، ولكن أيضا هذه المعادلة لا تنجح معه فتزيد معاناته، فمن خلال وجود شكل دمية معلقة في يسار المسرح ولا تقف إلا على خيوط معلقة في الهواء فهي أقرب للحركة والتأثير بأي تيار محبط يمنع حدوث التقارب بالزواج الحلال فهذه الشابة يحدث التحاور معها والدخول في عبارات إنسانية حالمة ومتدثرة بالحب والود والتقارب وبسبب قسوة الظروف يحدث الإحباط والانكسار ويتفرج الحبيبان بلا حول لهم ولا قوة فيركنان إلى الاستسلام والتضحية وحدوث الفراق بينهما.

الإحباط يقتل الشغف والطموح ويحتاج أن نسلح الشباب القادر على صد رياح كل أنواع الفراغ وزيادة الجرعات التحفيزية والممكنات والاستفادة والأخذ من الثقافات ما يفيدنا كما يقول غاندي “بشرط أن لا تقتلعني من جذوري”.

شارك هذا الخبر