

كتبه/ د إسماعيل بن صالح الأغبري
صيانة الحقوق، وحفظ الأموال، ورعاية مصالح الدولة، ومنع التغول والتربح عن طريق استغلال الكرسي والمنصب، ونصب ميزان العدالة، وشمول المساءلة والمحاسبة ثم المحاكمة ثم إذاعة أخبار ذلك على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة يحقق طرفا كبيرا من العدالة المنشودة.
يبدو أن قطار المحاسبة وضبط المال العام من إساءة استغلاله بواسطة الوظيفة أو النفوذ والجاه بات منطلقا في عمان، وواضح أن المحاكمات تتخذ وبالتدريج منحى تصاعديا أي أن هذه المحاسبات والمحاكمات لا تقتصر على صغار الموظفين، بل تشمل الكبار أيضا.
إن هذه المحاكمات والتي بات يعلن عن أحكامها ونوع القضايا التي يُحاكم فيها المتهمون صارت تلقى شعبية واسعة، وقبولا لدى الشريحة الكبرى من المواطنين، لأنه أولا مطلب وطني، يصب في مصلحة الدولة بأسرها الشعب والأرض والحكومة، وهو يرسخ دولة النظام والقانون، ويعمق من مبدأ الشفافية، ويغرس المساواة في الثواب والعقاب بين كافة شرائح المواطنين مهما تفاوت منازلهم الوظيفية، كما يعمق المبدأ الأساس لدوام الملك، واستقرار المجتمع ألا وهو العدل، فالعدل أساس الملك.
أما ثانيا فإن المساءلة والمحاسبة مطلب شعبي، يتجلى حاليا في هذه المحاكمات، والتي يتم الإعلان عنها في نشرة أخبار العاشرة مساء، وتكاد تكون أسبوعية، وهذا في حقيقة الأمر يدحض مقولة إنه ليس هناك من خطوات إصلاحية، بل الواقع يشهد بوجود هذه الخطوات الإيجابية.
المساءلة تحقق للدولة ثقة الشعب بأجهزتها، كما أنها تعزز من نظام أو جهاز الرقابة الإدارية والمالية، وتمنع تغول المستغلين لوظائفهم في انتهاكات حرمات الأموال العامة، وأكل أموال الدولة بغير حق.
المساءلة والمحاسبة تدفع المواطن إلى مزيد من الثقة في الإدعاء العام خاصة إذا ما قام الإدعاء تلقائيا برفع الدعوى، فهو ممثل الأمة والرقيب على سير الأمور في وجهتها الصحيحة، والحافظ لما يتعلق بالأخلاقيات والقيم المادية والمعنوية معا.
يبدو أيضا أن جهاز الرقابة الإدارية والمالية لم يعد مجرد شكل أو هيكل عظمي، قائم في الشكل، ليس له وجود في الواقع، بل صار هذا الجهاز يفتتح له مكاتب دائمة في مؤسسات الدولة، وكأنه بات يحصي الأنفاس، ويسأل عن الجليل من المعاملات الإدارية والمالية وعن دقيقها.
إن ذلك يعكس إرادة فعلية لدى صانع القرار بضرورة بدء مرحلة جديدة وجدية في مسألة المساءلة والمحاكمة.
المواطن مدعو أيضا إلى مباركة خطوات الدولة، وقد يتجلى ذلك في أمور منها عدم سعي المواطن إلى التشفع للمذنب أو محاولة التوسط له بالضغط على بعض أجهزة الدولة من أجل تخفيف حكم أو العفو عن المحكوم عليه.
إن قيام عدد من الناس بذلك يناقض ما كان يدعو إليه من شعار ضرورة الإصلاح، ويهدم ما يردده من الدعوة إلى المحاسبة، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، بل ما يقوم به هو عين الفساد، فكيف جهل ذلك أو تجاهل؟
البعض يتذمر من تلك الأحكام تحت دعوى أنها خفيفة، لا ترقى ولا تتناسب مع الجرم المرتكب من انتهاك حرمة المال العام أو ما تولد من أضرار اجتماعية وصحية وأخلاقية واقتصادية بسبب تلاعبه بالأسعار أو تصنيعه الممنوع، أو ارتكابه ما ينافي القيم والأخلاق أو دعمه لأجنبي للقيام بأعمال غير أخلاقية أو تستره على عمالة غير مصرح لها كأن يكون تصريح وجوده داخل البلاد منتهيا أو ساهم في التستر على عمالة متسللة
إن ذلك مما ينبغي أن يُساءل عليه الفاعل كما يُساءل على التحايل على المال العام.
قد نتفق أن الأحكام الصادرة لا تنسجم ولا تتناسب مع حجم الجرم أو الجناية أو الجنحة أو الخطأ الفاحش ولكن علينا أن ندرك أن ذلك لا يعيب القضاء، فالقضاء يحكم حسب المواد التي تنص على العقوبة، وإنما إذا أردنا التشديد في العقوبة ينبغي إعادة النظر في تلك القوانين والمواد الصادرة منذ عقود من الزمن، وقد صيغت في أزمنة تتناسب لتلك الفترة الزمنية.
ومما يبهج النفس أن هذه الأحكام مستمرة، مما يعني حرص الجميع في السنوات القادمة على عدم التعرض للأموال العامة أو المحاباة في رسو الصفقات على فلان أو شركة من الشركات دون غيرها إن لم تكن الشروط والمواصفات تنطبق عليها، وهذا بفضل الردع والزجر الذي أخذ يتحقق من المساءلة والمحاكمة.
عدد من الأحكام نصت على مصادرة قدر من الملايين أو الأموال لصالح الخزينة العامة، وهذا إجراء مشروع في الشريعة الإسلامية الغراء وفي نصوص القوانين، فهي أموال مأخوذة من خزينة الدولة أو الشعب بطريق غير مشروع، وقرر القضاء إعادتها إلى أصلها.
إن مصادرة الأموال المأخوذة بغير حق وجعلها في خزينة الدولة إن جُهل أربابها منهج معروف في عهود أئمة عمان وسلاطينهم، فقد وقع ذلك في عهد أول إمام بعمان عام 132هـ وهو الإمام الجلندى بن مسعود، كما أن ذلك تكرر في عهد الإمام عمر بن الخطاب الخروصي ثم الإمام محمد بن إسماعيل القضاعي عندما حكم أهل الحل والعقد بمصادرة أملاك أقوام من عمان سلبوا تلك الأموال، وأساءوا استغلال المنصب.
لقد تخوف بعض من الناس من عواقب زيادة الرواتب على خزينة الدولة إلا أن هذه المحاكمات وما يسفر عنها من إعادة جزء من الأموال إلى خزينة الدولة يضمن أن لا عجز، فهي أموال مأخوذة منها وإليها قد عادت.
مسألة لا بد من الإشارة والتنبيه إليها وهي أن كثيرا من الناس أي من الشعب من يطالب بمقاومة الفساد وشن حرب ضروس عليه ونصب موازيين المساءلة والمحاكمة، ويصر الكثير على ضرورة الاستمرار في تلك المحاكمات بدعوى محاربة الفساد الإداري والمالي ومحاكمة المفسدين، وهذا أمر لا غبار عليه، حفظا لأموال الأمة لكن من العجائب أن عددا ممن يطالب الحكومة بمساءلة المتلاعبين هو عينه يمارس الفساد؟ فالمواطن الذي يتستر على العمالة الوافدة يمارس الفساد، والمواطن الذي يؤوي مطلوبا وفارا من العدالة هو مفسد، والمواطن الذي يعين وافدا متسللا هو مفسد، والمواطن الذي يؤجر بيته في الحارات القديمة لعمالة وافدة هاربة مقابل عشرين ريالا هو يمارس عين الفساد، فكيف صار فساد المواطن مشروعا وفساد المسؤؤول حراما؟
إن عددا من الناس يطالبون بمحاكمة المتنفذين بحجة حصر الفساد الإداري والمالي في أجهزة الدولة إلا أنهم يمارسون عين الفساد عندما يقوم البعض بالاستيلاء على أموال جاره بالتحايل أو أثناء غيابه فكيف يدعو إلى محاربة الفساد وهو يرتكب عين الفساد؟ وعدد من الناس يبتهج بمحاسبة المسؤولين بحجة أن ذلك فيه قضاء على الفساد وردع عنه بينما نرى عين هذا الشخص يزحف ببنائه على أموال المساجد والموقوفات وبيت المال فيزعم أنها من حقوقه فكيف يدعو إلى محاربة المفسدين وهو من أسس الفساد ذاته؟





