الملفاتفيلم “القناص الأمريكي” رسالة لتعزيز التطرُّف؟ أم محاربته؟
حلل المقال افتتاح الفيلم وصياغة بطله وتمثيل سكان المدينة، وربطها برسالة رآها معادية للإسلام ومبررة للحرب، مع مناقشة أثر الترشيحات والإقبال الأمريكي.
محمّد جبّار
بعد أن أثار جدلاً بين مجموعة من المهتمين بشأن أخلاقيات الحرب ودور القناصة في الحروب في أمريكا ، هل سيثير فيلم “القناص الأمريكي” الجدل في الأوساط العربية؟ أعتقد أن ماطرحه يستحق الكثير من الجدل ،وحتى الإستهجان بعد أن نقرأ الفيلم قرآءة دقيقة .
البداية ، هل هي بريئة؟
بدلاً من أن يبدأ الفيلم البداية المتعارف عليها “لقطة تأسيسة ” أو حتى لقطة من أي نوع آخر ، إختار المخرج المخضرم”كلنت استيوود 85 عاماً ” فيلمه بصوت فقط بينما تكون الصورة لشعارات الشركات المنتجة للفيلم ، وكان هذا الصوت لتكبيرات أذان ليمتزج معها بعد ذلك صوت لحركة مدرعة أمريكية “وهنا سَحَبَ الصوت كل الإهتمام ” ، وضاعف هذا من الترقب للصورة التي كانت للقطة قريبة جداً لتلك المدرعة بحيث تملأ كلّ الشاشة لتتقدم نحوها بشكل عمودي “وكأنها تتقدم نحو المُشاهد” ثم بعد لقطات معدودة لجنود يدخلون مدينة مُدمرة تظهر لقطة لمدرعة تسحق كتلة كونكريتية لتحيلها الى تراب “مع إستمرار صوت الأذان ” ،ولتملأ بعد ذلك سبطانة بندقية القناص الشاشة ليظهر “كريس كايل ” برادلي كوبر في لقطة قريبة ليرصد بعد ذلك طفل وسيدة يحاولان مهاجمة الجنود الأمريكان بقنبلة يدوية ليقتلهما فيما بعد بلا تردد ، هذه التركيبة ، وهذه البداية ليست عفوية بالتأكيد ، فالمخرج هنا حدد العدو ، وكيفية القضاء عليه في تلك اللقطات كائناً من يكون ، ومع إستخدام الأذان “كرمز إسلامي” تكون الرسالة خطيرة فالثلاثي “طفل وإمرأة وقبلهما الإسلام” تكون تحت سطوة فوهة سبطانة القناص ، والخطورة الأكثر تكمن في إستخدام الأذان وهو الرمز الإسلامي المباشر “فلم يستخدم رجل دين مثلاً أو مسجد تم مهاجمة الجنود بعد الإحتماء فيه ” وهذه بالإمكان تأوليها على أنها إستغلال الدين كغطاء للأعمال المسلحة من قبل المتطرفين بل أعطت تلك اللقطة فكرة واضحة عن العدو الحقيقي لأمريكا ، اليست فكرة خطيرة ؟ ، ودخول الفيلم الى حلبة الأوسكار لهذا العام قصة اُخرى فقد تم “حشرُهُ ” في الترشيحات بعرضه في 25/12/2014 ليدخل دائرة التنافس حسب لوائح الأكاديمية التي تنصّ على أن يكون الفيلم قد تم عرض في 2014 ، ليحصل على 6 ترشيحات هي أفضل فيلم ،ممثل ،سيناريو ،مونتاج ، صوت ، ومكساج ، وظهور فيلم في مثل هذا التوقيت بالذات يجلب الريبة فما فعله داعش من أفعال مشينة ، وجرائم بإسم الدين ، وما حصل في باريس والإساءة الى نبي الرحمة (ص) وغيرها من أحداث تصب كلها في بوتقة واحدة ، وهي تشويه صورة الإسلام الناصعة ، ليأتي هذا الفيلم ليكمل مسلسل التشويه فرسالته كما هو واضح “أن الإسلام هو عدو أمريكا الأول ” الغريب أن الفيلم حقق 30 مليون دولار في أول يوم من عرضه ، وهو رقم قياسي لم يحققه فيلماً قبله في التأريخ ، ويبرز مدى قناعة المُشاهد الأمريكي بهذا الأمر .
البطل الأمريكي طبعة 2014
يقدم المخرج “كلنت ستيوود” صاحب من أجل حفنة من الدولارات ، والعديد من أفلام رعاة البقر هذه المرة بطلاً أمريكياً جديداً “يتناسب مع المرحلة” فلم يعُد بطلاً مثل رامبو بأعماله الخارقة يُقنع الجمهور فهم يريدون بطلاً واقعياً يستمد حقيقته من وجوده بينهم ليدس الأفكار التي يريد أن يوصلها من خلال ذلك البطل ، ويبدو أنه نجح في ذلك بعد الإقبال الكبير على الفيلم ليتصدر قائمة العشر أفلام الأكثر إقبالاً ،وربما سيحقق أرباحاً كبيرة فيما بعد ، فيبدو أن الإتجاه العام في أمريكا هذه الأيام مع الحرب كما يذهب الجمهوريين بالضد من الديمقراطيين “وهو مؤشر جديد للحزب الحاكم المستقبلي لأمريكا ” فالفيلم لم يناقش مسألة الدخول في الحرب من عدمها أو سلبيات دخولها بل تناول الحرب كأمر واقع لابد من خوض غمارها “دفاعاً عن النفس” فلم يلمح الفيلم ولو تلميحاً بأنهم إحتلال بل سلَّم أنه يقاتل القاعدة “التي هاجمته” في مكان خارج بلاده ، كتب سيناريو الفيلم “جاسون هيل” معتمداً على مذكرات كتبها “كريس كايل ” في كتاب صدر بنفس عنوان الفيلم ، و يتحدث في البداية عن دوافعه للتطوع في صفوف الجيش الأمريكي ، فبعد أن تتابعت الأخبار عن تفجيرات للسفارات الأمريكية في بعض البلدان يقتنع بأنه يجب أن يقاتل “أعداء بلاده” ، ويزداد هذا الإصرار بعد أحداث 11/ايلول ليقاتل في العراق ، وفي الفلوجة تحديداً ليقتل 160 شخصاً “حسب سجلات البنتاغون بينما يدعي هو في مذكراته بأنه قتل 255 شخصاً” قبل أن يُقتل في ضروف غامضة بعد عودته من العراق في تكساس عام 2013 ، ويسرد “كريس” في مذكراته تفاصيل المعارك التي خاضها و”الأهداف” التي إصطادها ، وقصص تلك الأهداف ، ورغم قناعته التامة في المشاركة بتلك الحرب ، وعدم تردده بقتل أي شخص ، وتأكيده على أنه ليس نادماً على قتله لهذا العدد الكبير فهو “يحمي رفاقه من المهاجمين” كما أنه “يقتل لكي يعود الى الوطن “كما يقول في حواره مع زوجته إلا أن الفيلم يسلط الضوء على إنفعالاته الداخلية بعد كل عملية قنص يقوم بها رغم أنه “في الفيلم” لايطلق النار إلا بعد أن يتأكد أن الهدف مسلح ،وعلى وشك الهجوم على رفاقه لكن يبقى لإزهاق الأرواح وقعها رغم ذلك ، فهذه الذكريات لاتفارقه ، وتلاحظ زوجته أن حالته النفسية تسوء فردود أفعاله تتحول الى العدوانية في تصرفاته في البيت ، وهذا يدعوها الى الإلحاح عليه ليدخل دورة إعادة تأهيل .
الأعداء في كل مكان
لم يخفي الفيلم حقداً دفيناً على كل سكان المدينة من خلال شخصيات ظهرت في مجريات الأحداث ، فالجميع يثير الريبة ، وكل فئآت المجتمع أظهرت العداء لهم ، ففي البداية تظهر سيدة مع فتى صغير لتسلمه قنبلة ،ولتأخذها من يده بعد أن يقتله كريس لتحاول رميها هي ليرديها هي الأخرى ، ثم بإتصال عدد من الأهالي منهم فتاة ،وفتى في مقتبل العمر بالجزار الذي يُكرس الفيلم الكثير من الوقت للقتال معه ، فيُعبِّر عنه الرجل الوحيد المتعاون معهم بأنه صديق الزرقاوي ، وبأنهم سيصطادونه في حال قتلوا ذلك الجزار ،وحتى هذا “المتعاون” يشترط عليهم تسليمه مئة الف دولار ثمناً لتعاونه معهم ليقتله المسلحون فيما بعد تعذيب طفله الصغير بالمثقاب الكهربائي بسبب ذلك ، وحتى الرجل الذي دعاهم لوجبة عشاء بمناسبة عيد الأضحى ظهر فيما بعد أنه متعاون مع القاعدة ويخبئ الكثير من الأسلحة في بيته ، فالأعداء في كل مكان ، لذلك فإن قتلهم مباح في كل الظروف .
فاز كلنت استيوود بأربع جوائز أوسكار هي أفضل فيلم وأفضل مخرج عن فيلم “غير المسامح 1993 ” ومثلمها عن فيلم “فتاة المليون دولار 2005” وأخرج 37 فيلماً فيما مثَّل في 67 فيلماً ، وأعتقد أنه سيحصل هذه المرة على جائزة أفضل فيلم عن “القناص الأمريكي” لكي يحضى بكل الإهتمام الذي تريده الإرادات المتنفذة في أمريكا ،وإن حصل هذا فهو دليل قاطع على أن تلك الجائزة تحضى بها الأفلام لأسباب سياسية وليست فنية أبداً .