أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
أدّت المرأة العمانية منذ أقدم العصور دورًا كبيرًا في مجالات الحياة المختلفة بسلطنة عمان، وكانت شريكًا حقيقيًا للرجل في بناء حضارة هذا البلد العريق، وبرزت نماذج عديدة من النساء العمانيات في مختلف المناحي السياسية والفكرية والاجتماعية؛ وحفظ لنا التاريخ العماني أسماء العديد من هذه النماذج المضيئة، فقد عدّ الباحث سلطان بن مبارك الشيباني في كتابه المهم ( معجم النساء العمانيات) أسماء 129 شخصية نسائية برزن في مجالات متعدّدة، وكان لهنّ إسهام واضح في حياة المجتمع، ويعدّ كتاب (النمير.. روايات وحكايات) للباحث والجامع محمد بن عبد الله السيفي في أجزائه الخمسة التي تناولت تاريخ عمان من أكثر المراجع التي أوردت نماذج من سيرة المرأة العمانية في المجالات المختلفة.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من سيرة إحدى الشخصيات النسائية العمانية الفكرية التي برزت في مجال النسخ والخط، وكانت ابنة لأسرة اهتمت بتنشئة أبنائها تنشئة علمية صالحة، وأختًا لأحد أبرز نسّاخ عصره، وزوجه لشخصية سياسية وفكرية محورية خلال النصف الأول من القرن العشرين، ألا وهو الإمام نور الدين السالمي.
نسبها
إحدى الشخصيات النسائية العمانية البارزة في القرن العشرين، وهي غثنى بنت علي بن عامر بن علي الفرقانية العدوية، وبحسب رواية الباحث سلطان بن مبارك الشيباني فقد كان والدها الحاج علي الشهير بالفرقاني أحد أعيان بلاده البارزين، وهم ينتمون إلى قبيلة بني عديّ في الأصل، وإنما عرفوا بالفرقانيين لسكناهم بلدة “فرق” في نزوى فنسبوا إليها.
الولادة ومكان النشأة
أما عن تاريخ ولادتها ومكان نشأتها فلا توجد معلومة دقيقة حول ذلك، وقد أشار الشيباني في كتابه “معجم النساء العمانيات” إلى أنها ولدت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري على وجه التقريب، بينما تختلف الروايات حول مكان نشأتها، فهناك من يقول إنّ إقامتها كانت بالرستاق، بينما يذكر بعضهم أن الحروب والمحن أرغمتها هي وذويها على الهجرة إلى فرق والاستقرار بها.
نشأتها العلمية
على عادة الأسر العمانية في الاهتمام بأبنائهم وتوفير البيئة العلمية المناسبة لنشأتهم منذ الصغر، فقد اعتنى الشيخ علي بن عامر العدوي بتنشئة ابنته كما هو الحال مع إخوتها نشأة علمية صالحة، لذا فقد حرص على تعليمها وتثقيفها، فأجادت القراءة والكتابة، وحفظت شيئًا من القرآن الكريم، وأتقنت كتابة الخط العربي حتى اشتهرت ببراعتها فيه.
وقد برز في الأسرة ناسخ وخطّاط آخر، ألا وهو أخوها سيف بن علي الفرقاني الذي تمتلئ خزائن المخطوطات بالعديد من منسوخاته المختلفة، والذي بلغ من الاحتراف أن يكتب في بعض المخطوطات (طبع بالمطبعة الفرقانية) من باب روعة وجمال وإبداع خطه، ويُذكَر أن الشيخ السالمي كان يختار الفرقاني لكتابة مراسلاته ومصنفاته التي ينوي إرسالها للطباعة خارج عُمان، وكانت منسوخاته تباع بأسعار باهظة، ويقال إن أخته غثنى زوجة الشيخ نور الدين السالمي هي التي علمته فن النسخ.
وعرف الفرقاني بمهارته في الخط، وفاق أكثر أهل زمانه فيه، حتى صار يضرب به المثل في حسنه؛ فيقال: (فلان كالفرقاني في الخط)، ومن منسوخاته الجميلة التي تحتفظ بها دار المخطوطات العمانية: رسالة “اللمعة المرضيّة من أشعّة الإباضية” لنور الدين السالمي، نسخها بتاريخ 6 ذي القعدة 1324هـ الموافق 22 ديسمبر 1906م (رقم 2754)، وكتاب “إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؛ للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت1287هـ)، (رقم1309) مع مجموع قصائد وجوابات ومراسلات للمؤلف نفسه، نسخها الفرقاني في 15 رمضان 1314هـ، بخط نسخ واضح.


ويذكر الباحث محمد بن عبدالله السيفي أنه اطّلع على مسند الإمام الربيع بن حبيب مخطوطًا بمكتبة السيّد محمد بن أحمد البوسعيدي كتب عليه: سيف بن علي بن عامر الفرقاني بيده جمادى الآخر 1348هـ.

زواجها
ارتبطت الشيخة غثنى بنت علي الفرقانية العدوية بأحد أشهر شخصيات عصرها، ألا وهو العالم الكبير العلّامة والإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي صاحب الآثار العلميّة العديدة في المجالات الفكرية المختلفة، والرجل المؤثر في المجال السياسي العماني، حيث خطبها من والدها وتزوج بها.
وبحسب ما ذكره الباحث سلطان الشيباني فلا يُعرف بالتحديد التاريخ الذي تم فيه الزواج، وهل كان أثناء استقرار السالمي لفترة من الزمن في نزوى؟ أم أثناء إقامته في الرستاق عندما كان ملازمًا لشيخه راشد بن سيف اللمكي؟
ويشير الشيباني إلى أن الشيخة غثنى قد انتقلت مع الإمام السالمي إلى الشرقية لما استوطن القابل بأمرٍ من شيخه المحتسب صالح بن علي الحارثي، ومكثت في عصمته قرابة عشر سنوات، حيث طلّقها الإمام السالمي بعدها وفارقها، وعادت إلى بيت أبيها في فرق.
وخلال فترة زواج الشيخة غثنى من الإمام السالمي وإقامتها معه، قامت بأدوار علمية مهمة في مساندته وتوفير البيئة المناسبة لإخراج إنتاجه العلميّ المتنوّع، فكانت تقرأ له فنون العلم المختلفة، وتنسخ له الكتب، وتدوّن ما يملى عليها من أجوبته ومؤلفاته، وكانت هي تقتنص تلك الفرصة لتنهل من معينه ما يفيض به عليها، وتسعى إلى اقتفاء أثره والتأسّي به في شؤون دينها ودنياها، حتى ضُرِبَ بها المثل بعد ذلك في العلم والفضل وحسن العشرة.
وخلال فترة زواجها من الإمام السالمي، لم تنجب الشيخة غثنى سوى بنت واحدة هي أكبر أولاده، وتدعى زَيَانة، تزوجها الإمام سالم بن راشد الخروصي وأنجب منها ابنه عبد الله بن سالم الخروصي الذي توفيت عنه بعد شهرين من ولادته وكان ذلك في عام 1332هـ، وتروى عنها وعن زوجها الإمام مواقف عديدة في الزهد وخشية الله.
وبعد طلاقها من الإمام نور الدين، اقترنت غثنى الفرقانية برجلٍ من بني عديّ من الجبل الأخضر، وأنجبت منه ولدًا ثم طلّقها.
آثارها
بحسب الروايات التي رجع إليها الباحث سلطان بن مبارك الشيباني، يَذكر الشيخُ سليمان بن مُحمَّد ابن نور الدين السالمي أنه اطّلع على نسخةٍ من “مَشَارق الأنوار” كَتَبَتْها الشيخة غَثْـنَى بِخَطّها، وكانت موجودةً بِمَكتبة السَّالِمِي في بَدِيَّة لكنّها فُقِدَتْ، كمـا يَذكر الشيخُ سالِم بن حَمَد الحارثي أنه رُبّما اطلع على نسخةٍ من أحدِ أجزاءِ “منهج الطالبين” بِخَطِّها، وهو الْجُزءُ المتعلّق بالديون وأحكامها، ويَظُنّ أنه الحادي عشر أو الثانِي عشر من المنهج.
وتَذكر ابنـةُ أخوها الشيخ سيف بن علي – بحسب رواية الشيباني - أنّ عَمَّتَها غثنى كانت تُعلِّم النساءَ أمورَ دينهن وتَنْقل لَهُنَّ ما تستفـيده من زوجها الإمام نور الدين، كما يَذكر غيرُها أنَّها كانت بَعْدَ طلاقِها مِنَ الإمامِ تَبْعَثُ أبياتًا شعريّةً لِبِنْتِها زيانة تَحْمِلُ معانِيَ الشَّوق والْحَنين.
ويشير الباحث محمد بن عبدالله السيفي إلى أنه كان للشيخ غثنى جهود في تدريس القرآن الكريم والفقه في محلّة فرق، إذ تستقبل الإناث في أي سن، بينما الذكور إلى سن العاشرة والحادية عشرة من أعمارهم.
وفاتها
يذكر الباحث الدكتور ناصر بن علي الندابي، وهي الرواية ذاتها التي أشار إليها الباحث سلطان الشيباني، أن السيدة العالمة غثنى بنت علي الفرقانية العدوية وقفت في مصلاها تتضرّع إلى ربها فخرّت ساجدة لمولاها حتى استبطأ أهلها قيامها من السجود فنادوها فلم تجب فلما رفعوا رأسها وجدوها قد فارقت الحياة وقد ارتسمت على محيّاها بسمة صادقة.
المراجع
- الراشدي، سعيد بن مسلم. دور المرأة العمانية في خدمة التراث. دراسة منشورة في مجلة الثقافية، العدد السابع والعشرون، مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، أغسطس 2017، ص 10-11
- السيفي، محمد بن عبدالله. نساء نزوانيات، ط1، مكتبة الأنفال، مسقط، 2004
- الشيباني، سلطان بن مبارك. معجم النساء العمانيات، القسم الأول، ط1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 2004.
- الفضيلي، سيف بن سالم. نسّاخ عمانيون: يُضرب به المثل في حسنه - سيف الفرقاني.. عُرف بمهارته في الخط وفاق أكثر أهل زمانه فيه، مقال منشور في ملحق “روضة الصائم، جريدة عمان، 29 مايو 2019.
- حساب الدكتور ناصر بن علي الندابي في صفحة (X) @AlnadabiDr، 20 يناير 2020.




