أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مطلع الثمانينات، كانت سلطنة عُمان تخطّ ملامح نهضتها الحديثة بخطواتٍ واثقة، وكانت الولايات العُمانية تتحول شيئًا فشيئًا إلى ورشٍ مفتوحة للعمل والبناء، يؤمن أهلها بأن الوطن لا يُشيَّد بالحجارة وحدها، بل بسواعد أبنائه وإرادتهم، وفي ولاية صور، المدينة التي اعتادت أن تصنع المجد من البحر والسفن والأسفار، شهد شهر مايو من عام 1982م تجربةً شبابية استثنائية حملت روح تلك المرحلة وطموحها.
هناك، في (العيجة) وعلى ضفاف البحر، اجتمع عشرات الشباب القادمين من مختلف مناطق السلطنة، لا ليقضوا أيامًا عابرة، بل ليشاركوا في كتابة واحدة من الصفحات المبكرة للعمل التطوعي المنظم، حملوا المعاول والإسمنت بدل الشعارات، وصنعوا من التعاون درسًا عمليًا في الانتماء والعطاء، لتتحول أيام المعسكر إلى حكاية وطنية صغيرة تختصر روح جيلٍ آمن بأن خدمة المجتمع جزءٌ من بناء الوطن.
وفي هذا التقرير، تقترب “أثير” من تفاصيل أول معسكر عمل شبابي شهدته سلطنة عُمان، والذي احتضنته ولاية صور في مايو 1982م، مستعرضةً أبرز مشروعاته، وأنشطته، وأصداءه المجتمعية والإعلامية التي ما تزال حاضرةً في الذاكرة حتى اليوم.
صور تفتتح صفحة العمل الشبابي المنظم
في مثل هذا اليوم قبل (44) عامًا، شهدت ولاية صور افتتاح أول معسكر عمل شبابي في سلطنة عُمان، وذلك في الخامس عشر من مايو 1982م، في تجربةٍ شبابية رائدة استمرت حتى السابع والعشرين من الشهر ذاته، وشكّلت إحدى البدايات المبكرة للعمل الشبابي المنظم في البلاد.
وقد أُقيم حفل الافتتاح تحت رعاية معالي يحيى بن محفوظ المنذري وزير التربية والتعليم وشؤون الشباب آنذاك، وبحضور معالي عبد العزيز الرواس وزير الإعلام وقتها، إلى جانب ولاة المنطقة، وعددٍ من المسؤولين، والشيوخ، والأعيان، وجمعٍ من أهالي الولاية.
ومثّل المعسكر محطةً مهمّة في مسيرة الاهتمام بالشباب خلال السنوات الأولى من النهضة المباركة، حيث جمع بين العمل التطوعي، وخدمة المجتمع، وتنمية روح التعاون والانتماء الوطني، في وقتٍ كانت فيه عُمان ترسّخ ملامح مؤسساتها الشبابية والتنموية الحديثة.



وكان من المقرر أن يشارك في المعسكر نحو (70) شابًا يمثلون مختلف أندية السلطنة، غير أن عدد الحاضرين الفعليين بلغ (57) مشاركًا فقط، اجتمعوا في ولاية صور لخوض تجربةٍ شبابية هدفت إلى تعزيز روح العمل الجماعي، وتنمية قيم التعاون والانتماء، وترسيخ مفهوم المشاركة في خدمة المجتمع.


مشروعات تنموية غيّرت ملامح العيجة
نفّذ المعسكر عددًا من المشروعات الحيوية في منطقة العيجة بولاية صور، كان أبرزها ربط الساحل بالبر عبر شقّ طريق يمتد من الرصيف البحري إلى المنطقة، بهدف تمكين الأهالي والزوار من الانتقال بسهولة سيرًا على الأقدام، بعدما كانت مياه البحر الضحلة تشكّل حاجزًا يعيق الحركة بينهم.
كما تضمّن برنامج المعسكر تنفيذ عددٍ من الأعمال الخدمية الأخرى، من بينها إقامة سور لمركز الشباب بمدينة صور، إلى جانب تسوية ملعب نادي الطليعة، في خطوة عكست اهتمام المعسكر بالجمع بين العمل التطوعي والخدمة المجتمعية ودعم الأنشطة الشبابية والرياضية في الولاية.
وقد بدأ العمل في المشروع صباح يوم 16 مايو 1982م، حيث شرع المشاركون في إقامة سورٍ على الشاطئ المؤدي إلى منطقة العيجة، إلى جانب تمهيد الطريق المؤدي إلى العبّارة التي كانت تتولى نقل الأهالي من وإلى المنطقة.
وكان من المقرر أن يبلغ طول السور نحو (40) مترًا، غير أن القائمين على المشروع ارتأوا بعد بدء التنفيذ زيادة طوله حتى وصل إلى (57) مترًا، مع تعزيز ارتفاعه وزيادة سماكته بما يضمن متانته وفائدته للسكان.
كما شملت الأعمال إدخال تحسينات على موقع نزول الأهالي إلى العبّارة، والذي كان عبارة عن منصة خشبية مربعة تطفو فوق الماء بواسطة مجموعة من البراميل. وجاءت هذه التحسينات نتيجة ما كان يسببه تغيّر مستوى المياه بين المدّ والجزر من صعوبات ومتاعب عند صعود الأهالي ونزولهم من العبّارة، الأمر الذي يعكس الطابع العملي والإنساني للمشروعات التي نفذها المعسكر خدمةً للمجتمع المحلي.

وقد أشار صالح بن مبارك العلوي مدير بلدية صور آنذاك، في حديثٍ أدلى به لجريدة “عُمان” بتاريخ 27 مايو 1982م، إلى أن المشروع الذي نفّذه شباب المعسكر يُعدّ من أهم المشروعات التي تخدم المواطنين، لما وفّره عليهم من وقتٍ وجهد في تنقلاتهم اليومية ونقل احتياجاتهم.
وأوضح العلوي أن الأهالي كانوا قبل إقامة السد وردم الطريق يواجهون معاناة كبيرة في نقل أغراضهم، نظرًا لوجود مسافة طويلة نسبيًا يصعب اجتيازها، خصوصًا بواسطة السيارات. غير أن أعمال الردم وإنشاء الحاجز أو السد غيّرت واقع الحركة في المنطقة، إذ أصبح بإمكان السيارات الوصول إلى أقرب نقطة من العبّارة، الأمر الذي أسهم في الاستغناء عن القوارب الصغيرة التي كانت تُستخدم سابقًا لنقل البضائع والأمتعة، في صورة تعكس الأثر المباشر للمشروع على حياة الأهالي اليومية.


بين العمل والترفيه.. ليالٍ شبابية نابضة في معسكر صور
استضاف القسم الداخلي بمدرسة أحمد بن ماجد بولاية صور الشباب المشاركين في معسكر العمل الأول، حيث جرى تقسيمهم إلى أربع أسر حملت أسماء شخصيات تاريخية بارزة، وهي: أسرة أحمد بن سعيد، وأسرة أبو عبيدة، وأسرة سعيد بن سلطان، وأسرة جابر بن زيد، في خطوة هدفت إلى تعزيز روح المنافسة والتعاون بين المشاركين.
ولم تقتصر فعاليات المعسكر على الأعمال التطوعية والخدمية فحسب، بل شملت كذلك برنامجًا حافلًا بالأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، ففي الساعة الرابعة والنصف من مساء كل يوم كانت تنطلق المنافسات الرياضية في عددٍ من الألعاب، من بينها كرة القدم، وكرة اليد، والكرة الطائرة، وشد الحبل، وتنس الطاولة، وسط أجواء من الحماس والتفاعل بين الأسر المشاركة.
أما الفترات الليلية، فقد كانت تشهد إقامة حفلات السمر التي تتناوب الأسر على تنظيمها، متضمّنةً فقرات فنية وأدبية متنوعة، عكست مواهب الشباب وروح الألفة التي سادت المعسكر، وجعلت منه تجربةً متكاملة جمعت بين العمل والترفيه، وبين خدمة المجتمع وصقل مهارات المشاركين.



تلاحم مجتمعي.. حين تحوّل المعسكر إلى مشروعٍ لأهالي صور جميعًا
حظي المعسكر باهتمام ودعم الأهالي والمسؤولين في الولاية، فيذكر الأستاذ صالح بن عوض مدير المعسكر، في حوارٍ أجرته معه جريدة “عُمان” ونُشر يوم الخميس 27 مايو 1982م، أن العمل كاد أن يتوقف في أحد الأيام بعد نفاد كمية الإسمنت المخصصة لإنجاز جزءٍ من الرصيف. غير أن المفاجأة كانت في صباح اليوم التالي، حين وجد أعضاء المعسكر كمياتٍ من الإسمنت قد أحضرها بعض أهالي الولاية إلى موقع العمل دعمًا للمشروع ومساندةً للشباب المشاركين.
وبفضل هذه المبادرة المجتمعية استمر العمل دون أي تأخير عن البرنامج المقرر، في موقفٍ عكس بوضوح مدى إيمان الأهالي والمسؤولين في ولاية صور بأهمية المعسكر وأهدافه، ودوره التنموي والاجتماعي في خدمة الولاية وتعزيز ثقافة العمل التطوعي بين الشباب.
ختامٌ يليق بجهود الشباب
في يوم الخميس السابع والعشرين من مايو 1982م، احتضن مسرح مدرسة أحمد بن ماجد بولاية صور حفل ختام فعاليات معسكر العمل الأول للشباب، وذلك تحت رعاية والي صور آنذاك الشيخ سعيد بن عبدالله المعمري، وبحضور عددٍ من المسؤولين والأهالي.
وجاء هذا الاحتفال تتويجًا لجهود (57) شابًا قدموا من مختلف مناطق السلطنة، بعدما تمكنوا من إنجاز مشروع رصيف العيجة الذي أسهم في تسهيل حركة الأهالي ونقل أمتعتهم واحتياجاتهم اليومية بكل يسر، في مشروعٍ حمل أبعادًا تنموية واجتماعية واضحة.
وشهد الحفل توزيع الجوائز وشهادات المشاركة على الشباب المشاركين، إلى جانب تكريم الجهات الداعمة والمساهمة في إنجاز المشروع، في لفتةٍ جسّدت روح التقدير للعمل التطوعي والشراكة المجتمعية التي صاحبت المعسكر منذ انطلاقه وحتى ختامه.


حضور إعلامي وثّق التجربة
حظي معسكر العمل الشبابي الأول بولاية صور باهتمامٍ إعلامي لافت، عكس أهمية التجربة بوصفها واحدة من البدايات المبكرة للعمل الشبابي المنظم في سلطنة عُمان خلال سنوات النهضة الأولى. وقد تولّت جريدة “عُمان” متابعة فعاليات المعسكر بصورة مستمرة، من خلال نشر الأخبار والتقارير والحوارات الصحفية التي وثّقت مراحل العمل المختلفة، وأبرزت جهود الشباب المشاركين، إلى جانب نقل آراء المسؤولين والأهالي حول الأثر التنموي للمشروعات المنفذة.





كما أفرد عددٌ من المجلات المحلية في تلك الفترة، مثل مجلة " الأضواء“، و“الأسرة“، و“الغدير“، و“النهضة“، مساحات للحديث عن المعسكر، متناولةً أهدافه الاجتماعية والوطنية، والدور الذي أدّاه في ترسيخ ثقافة العمل التطوعي وتعزيز روح التعاون بين الشباب، وأسهمت هذه التغطيات في إبراز صورة مشرقة عن الحراك الشبابي العُماني آنذاك، كما شكّلت اليوم مادةً توثيقية مهمّة تستحضر جانبًا من ملامح البدايات الأولى للعمل الشبابي والتنمية المجتمعية في البلاد.


وهكذا لم يكن معسكر العمل الشبابي الأول بولاية صور مجرد فعاليةٍ عابرة انتهت بانتهاء أيامها القليلة، بل كان صفحةً مضيئة من صفحات البدايات التي آمنت بأن الشباب هم طاقة الوطن وروحه المتجددة. ففي العيجة، وعلى ضفاف البحر، امتزج عرق الشباب بحجارة الطريق، وتحولت المعاول والأيدي المتعاونة إلى رسالةٍ وطنية تقول إن البناء الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان بأن خدمة مجتمعه شرفٌ ومسؤولية.
وبعد أكثر من أربعة عقود، ما تزال تلك التجربة حيّةً في ذاكرة صور وأهلها؛ شاهدةً على زمنٍ كان فيه العمل التطوعي فعلًا صادقًا، وكانت فيه المبادرات الصغيرة قادرة على صناعة أثرٍ كبير، ليبقى معسكر صور الأول علامةً فارقة في تاريخ العمل الشبابي العُماني، وبذرةً مبكرة أثمرت لاحقًا مسيرةً طويلة من العطاء والتنمية والمشاركة المجتمعية.





