“إيش تقدر تجرّب” في العيد: كيف نجعل “حارتنا العُمانية” تُهدي الزائر تجربة لا ينساها؟

“إيش تقدر تجرّب” في العيد: كيف نجعل “حارتنا العُمانية” تُهدي الزائر تجربة لا ينساها؟
العيد
خاص-أثير
في سلطنة عُمان للعيد رائحة لا تشبه غيرها؛ فهي مزيج من اللبان والبزار العماني وصوت الرزحة الذي يتردد صداه بين جدران القلاع والحارات القديمة. هذا التوقيت من العام يمنحنا فرصة لا تعوض لنقدم للعالم أجمل ما نملك، وهو الإنسان العُماني بتفاصيل حياته اليومية، وكرمه العفوي، وتقاليده التي بقيت حية تقاوم الحداثة الصامتة.
وتكمن القيمة المضافة التي تمنحها عُمان لزائرها في الأعياد في تلك “الحالة الشعورية” التي تفرضها الهوية العمانية بتفاصيلها الحية؛ بدءًا من صخب الهبطات التي تعد بورصة شعبية مفتوحة، وصولًا إلى طقوس الشواء التي تحوّل القرى إلى خلايا نحل اجتماعية. هذا التمسك بالموروث هو العلامة التجارية الأقوى التي تمتلكها السلطنة، وهو المحرك الأساسي لما يُعرف بـ سياحة التجارب التي يلهث خلفها العالم اليوم.
تزامن الفرح مع “إيش تقدر تجرب”
تزامنًا مع هذا الثراء الثقافي، تأتي حملة وزارة التراث والسياحة “إيش تقدر تجرب” لعام 2026م لتكون بمثابة دعوة مفتوحة لاستكشاف التنوع المذهل في ولاياتنا خلال إجازة عيد الفطر؛ إذ تتجاوز هذه الحملة حدود الترويج التقليدي لتقدم خارطة طريق حسية تقودنا إلى قلب الفعاليات، ففي توقيت ساحر، يتناغم العيد في الجبل الأخضر مع ذروة موسم ربيع الورد، ليعيش الزائر تجربة استثنائية في قلب المزارع وبين معامل تقطير ماء الورد التقليدية، وسط أجواء باردة تمنح العيد نكهة ربيعية منفردة.
ويمتد هذا الزخم ليعانق حصون جنوب الباطنة، حيث تمثل العزوة السنوية في ساحات قلاع الرستاق ونخل وجهة مثالية لمن يبحث عن عمق الموروث؛ فتمتزج أهازيج الرزحة ببرودة العيون المائية في الثوارة والكسفة، صانعةً يومًا سياحيًا يجمع بين عبق التاريخ ومتعة الاستجمام، وفي قلب محافظة الداخلية، يستمر الحراك التراثي في أروقة قلعة بهلاء الشامخة، بالتوازي مع ما يقدمه متحف “عُمان عبر الزمان” في ولاية منح من تجربة معرفية حديثة تربط الماضي بالمستقبل؛ ما يجعله مقصدًا عائلياً بامتياز. أما في الشرقية، فيمتزج صخب العيد بهدوء الرمال في وهيبة أو بنسيم البحر على شواطئ صور، حيث تفتح الحملة آفاقًا واسعة لمحبي التخييم والأنشطة البحرية، لتكتمل بذلك لوحة التنوع العماني التي ترسمها الولايات في أبهى حللها.
المعنى الإنساني، العيد كـ “ذاكرة مشتركة”
ما يجعل التجربة العُمانية منفردة عالميًا هو أنها تجربة حقيقية وأصيلة؛ فالسائح لا يبحث عن نسخة مكررة من المدن الحديثة، بل يبحث عن “الإنسان العماني” وعاداته التي لم تغيرها الحداثة، وفي العيد، يجد الزائر نفسه في قلب الحارة؛ يرى كيف يجتمع الجيران لتجهيز التنور، ويشاهد الصغار وهم يتسابقون في الهبطات بملابسهم التقليدية الزاهية. هذا التواصل الإنساني المباشر، وفتح البيوت والمجالس (السبلات) للغرباء والزوار، هو ما يصنع “الفارق العُماني”؛ فنحن لا نبيع للسائح تذكرة عرض، بل نمنحه مقعدًا وسط عائلتنا الكبيرة.
وهذا التلاحم الاجتماعي هو المنتج السياحي الأغلى؛ إذ يمنح الزائر شعورًا بالانتماء، ويسمح له بعيش تفاصيل إنسانية عميقة، مثل تعلم أسرار تتبيل اللحم أو الجلوس في السبلة لتبادل التهاني، وهي لحظات تصنع ذاكرة لا تُنسى، وتجعل من سلطنة عُمان وجهة عالمية لمن يبحث عن المعنى والارتباط بالبشر والجذور.
رؤية لتطوير سياحة الأعياد، من الزحام إلى النمو المستدام
ومع ذلك، فإن هذا التدفق السياحي الكثيف خلال أيام العيد يضعنا أمام استحقاق وطني ملحّ يتماشى مع رؤية عُمان 2040، وهو: كيف نحول موسمية الزحام إلى ديمومة النمو؟
وتكمن الإجابة في استثمار هذا الشغف السياحي عبر مسارات تطويرية مدروسة:
  • باقات “اليوم العُماني الكامل” في نزل الضيافة: تفعيل نزل الضيافة في القرى القديمة لتقدم تجربة العيش مع الأهالي؛ بحيث يقضي السائح يومه مشاركًا في طقوس الذبح، والطبخ، وزيارة المجالس العامة.
  • تأهيل الساحات والميادين: تطوير المواقع التي تقام فيها الهبطات وفنون الركضة وتزويدها ببنية أساسية ذكية تحترم الطبيعة الفطرية والاجتماعية للمكان، وتسهل حركة الزوار والسياح.
  • الرقمنة بلمسة تراثية: تطوير منصة تفاعلية تتبع حملة “إيش تقدر تجرب”، توضح بدقة أماكن إقامة الفنون الشعبية (كالرزحة والعازي) ومواعيد فتح التنور في مختلف الولايات، ليكون الزائر جزءًا من الحدث في وقته الحقيقي.
  • ورش “صناعة العيد”: تشجيع الأسر المنتجة على تقديم ورش تعليمية (مثل صناعة السعفيات أو تحضير القهوة العمانية)؛ ما يعطي السائح فرصة للارتباط بالهوية المحلية بصورة أعمق.
وتُعد حماية أصالة العيد من الذوبان في قالب السياحة التجارية الجوفاء الضمانة الوحيدة لنمو هذا القطاع؛ لذا، فإن الاستثمار في البنية الأساسية الذكية والمحافظة على البيئة الفطرية والاجتماعية هو الرهان الرابح لجعل سياحة الأعياد رافدًا اقتصاديًا لا ينضب، ومحركًا للتنمية الشاملة في جميع المحافظات.

شارك هذا الخبر