رصد-أثير
رغم التطورات الجيوسياسيّة الإقليميّة التي تشهدها المنطقة نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية المضادة، إلا أن المؤشرات تبقي توقعاتها إيجابية للاقتصاد العُماني نظرًا للموقع الجغرافي لسلطنة عمان، وتأثير سياستها الخارجية ودبلوماسيتها الرامية إلى إحلال السلم والأمن والرخاء لشعوب المنطقة والعالم.
واليوم أكدت وكالة “ستاندرد آند بورز” على أن التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان هو عند مستوى الدرجة الاستثمارية “-BBB” مع الإبقاء على نظرة مُستقبلية مُستقرة للاقتصاد العُماني نظرًا لمتانة المركزين المالي والخارجي لسلطنة عُمان، واستمرار توافر احتياطات وقائية داعمة للجدارة الائتمانية في مواجهة التطورات الجيوسياسيّة الإقليميّة.
وكانت سلطنة عمان قد استعادت تصنيف الدرجة الاستثمارية “-BBB” في عام 2024م بعد 7 سنوات من تخفيضه وتحديدًا في عام 2017م إثر انهيار أسعار النفط حينها، ووضحت وكالة “ستاندرد آند بورز” في تقريرها الصادر اليوم بأن النظرة المُستقبلية المُستقرة تستند إلى امتلاك سلطنة عُمان أصولًا حكومية سائلة تتجاوز 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب احتياطات إجمالية من النقد الأجنبي تقارب 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعزز قدرة سلطنة عُمان على امتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار في المالية العامة والمركز الخارجي، مشيرة إلى أن الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان مكّنها من مواصلة تصدير النفط والغاز دون انقطاع رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وبيّنت الوكالة في تقريرها أن التداعيات الممتدة من التطورات الإقليميّة أسهمت في تحقيق تحسّن ملحوظ في مؤشرات التبادل التجاري لسلطنة عُمان، الأمر الذي يدعم أداء المالية العامة والمركز الخارجي، إذ تتوقع الوكالة أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 1.4 بالمائة في عام 2026م، ثم ينتعش مجددًا ليصل متوسطه قرابة 2.3 بالمائة خلال الفترة (2027-2029م).
ويعزى ذلك إلى توقّعات استمرار النشاط في القطاعات غير النفطية، وارتفاع أسعار النفط، وزيادة الإنتاج النفطي على المدى المتوسط، متوقعةً أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 80 دولارًا أمريكيًّا للبرميل في عام 2026م، على أن ينخفض متوسّطه إلى نحو 65 دولارًا أمريكيًّا للبرميل خلال الفترة (2027-2029م).
ووضحت الوكالة أنه من المتوقع أن تحقّق الحكومة توازنًا ماليًّا في الميزانيّة العامّة للدّولة لعام 2026م، بعد مراجعة تقديراتها السابقة (تقرير الوكالة الصادر في سبتمبر ٢٠٢٥م) التي كانت تشير إلى عجز طفيف، كما توقّعت تسجيل فوائض مالية نسبيًّا بمتوسط 0.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة (2027-2029م). مدفوعًا باستمرار ضبط الإنفاق العام، إلى جانب نموّ في الإيرادات غير النفطية، وارتفاع معتدل في إنتاج النفط والغاز.
من جانب آخر، توقعت الوكالة انخفاض الدَّين العام الحكومي ليصل إلى 31 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2029م، مقارنة بنحو 35 بالمائة في عام 2025م. كما توقعت أن تظل الأصول السائلة عند مستويات قوية عند متوسط 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، مع بقاء الاحتياطات الأجنبية في حدود 19 إلى 21 مليار دولار أمريكي حتى عام 2029م.
كما توقعت الوكالة أن يستمر الحساب الجاري في تحقيق فوائض، ليسجل نحو 2.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026م، وبمتوسط 2 بالمائة خلال الفترة (2027-2029م)، مستفيدًا من تدفقات الصادرات وتحسن مؤشرات التبادل التجاري.
وأشارت كذلك إلى أن معدلات التضخم ستظل معتدلة بمتوسط يبلغ نحو 1.5 بالمائة سنويًّا خلال الفترة (2025-2028م).ووضحت الوكالة أن جهود سلطنة عُمان في إدارة المالية العامة، بما في ذلك ضبط المصروفات الجارية والرأسمالية، وترشيد الدعم، واستمرار إجراءات تحسين كفاءة الإنفاق العام، إضافةً إلى تعزيز الإيرادات غير نفطية قد أسهمت في تقليل التأثير للأوضاع الحالية.
وفي الجانب الاقتصادي، تتوقع الوكالة باستمرار سلطنة عُمان في تنويع الاقتصاد، لاسيما في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا منخفضة الكربون، في ظل مُستهدفات سلطنة عُمان للوصول إلى الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050م، بما يعزز مكانتها كمركز إقليمي واعد في قطاع الطاقة النظيفة، ويدعم النمو المستدام على المدى المتوسط والطويل.
وأكدت الوكالة على أن التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان قد يشهد تحسنًا خلال العامين المقبلين في حال تراجع التوترات الجيوسياسية، واستمرار تنفيذ الإجراءات الرامية إلى تعزيز المؤسسات، ودعم التنويع الاقتصادي، وزيادة الإيرادات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق العام، مع تحسّن إضافي في الهوامش الوقائية في المالية العامة والمركز الخارجي.
وفي ديسمبر 2025م رفعت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني تصنيف سلطنة عمان من BB+ إلى مستوى الجدارة الاستثمارية BBB- مع نظرة مستقبلية مستقرة، وقال الدكتور خالد بن سعيد العامري رئيس مجلس إدارة الجمعية لـ “أثير” بأن القرار يعكس نجاح السياسات المالية الحصيفة والإدارة الرشيدة للدين العام، ويعد شهادة على الالتزام باستقرار المالية العامة وتحقيق أهداف رؤية “عمان 2040”.
وأوضح العامري أن رفع التصنيف يعكس ثقة المجتمع الدولي في قدرة السلطنة على التعامل مع تقلبات أسعار النفط، وتحسن المؤشرات الهيكلية للمالية العامة، بما في ذلك خفض الدين العام المتوقع إلى 36% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025م مقارنة بـ68% في 2020، وتحقيق تحول نوعي في المركز المالي الخارجي ليصبح صافي دائن بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.
وأشار إلى أن التصنيف الجديد يعزز جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر، ويخفض تكلفة الاقتراض، ويدعم مسيرة التنمية المستدامة وتنفيذ مشاريع رؤية “عُمان 2040”، مؤكدًا ضرورة مواصلة الالتزام بخطط الإصلاح المالي وتنويع الإيرادات غير النفطية وزيادة قوة الاحتياطيات الخارجية.
يُذكر أن مؤشر التصنيف “BBB-” لدى وكالة ستاندرد آند بورز يُعدّ أولى درجات مؤشر الجدارة الاستثمارية عند تقييم التصنيف الائتماني ويمثل بيئة استثمارية آمنة وهي خطوة تعكس التحسن الملحوظ في أداء الاقتصاد الوطني وإصلاح السياسات المالية، ويفتح التصنيف الجديد الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويشجع القطاع الخاص المحلي على التوسع؛ ما يسهم في إيجاد فرص عمل جديدة وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مستدامة.





