أثير- د. محمد بن حمد العريمي
شهدت مدينة مطرح منذ مطلع القرن العشرين دخول عدد من مظاهر التحديث المرتبطة بالخدمات الصحية، وكان من أبرزها إنشاء مستشفى الإرسالية الأمريكية على يد الطبيب شارون توماس عام 1909م، والذي عُرف لاحقًا باسم مستشفى طوماس ثم مستشفى الرحمة، وقد مثّل هذا المستشفى نقلة نوعية في تقديم الخدمات العلاجية لسكان مسقط ومطرح والمناطق المجاورة آنذاك.


وفي ظل شح الموارد وضعف البنية الأساسية في تلك الفترة، ظهرت الحاجة إلى حلول مبتكرة لتوفير المياه، فكانت الطاحونة الهوائية من أبرز هذه الحلول التقنية المرتبطة بالمستشفى.
وفي ذاكرة جيل السبعينيات وما قبلها من أهالي مطرح وزوّارها، تقف تلك الطاحونة الهوائية شامخةً فوق مستشفى طوماس (الرحمة)، كأنها ذراعٌ تدور في الفضاء لتسقي الحياة في مدينةٍ كانت تقتصد في مواردها وتستعين بما تجود به الطبيعة.
لم تكن مجرد آلةٍ ميكانيكية تعلو المبنى، بل كانت علامةً بصريةً راسخة في الأفق، يلحظها القادم من البحر، ويتأملها المارّ في طرقات مطرح القديمة، ويقرنها بحكايات المرضى والشفاء، وبصوت الريح حين تعانق شفراتها فتدور، حاملةً الماء من عمق الأرض إلى سطح الحياة، ومع مرور الزمن، بقيت الطاحونة في الذاكرة أكثر مما بقيت في المكان، تستعاد كصورةٍ حميمة من زمنٍ بسيط، كانت فيه الأشياء تُدار بقوة الطبيعة، وتُحفظ في وجدان الناس بقوة الأثر.
تاريخ الإنشاء
لا تُسعفنا الوثائق المتاحة بتاريخٍ محدد لإنشاء الطاحونة الهوائية التي كانت تعتلي مستشفى طوماس (الرحمة) في مطرح، غير أن الذاكرة الشعبية، بما تختزنه من روايات متوارثة، تُرجّح أن ظهورها يعود إلى عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، ويبدو هذا التأريخ منسجمًا مع طبيعة المرحلة التي شهدت محاولات مبكرة لإدخال بعض الوسائل التقنية البسيطة لتأمين الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها المياه، في ظل محدودية الموارد واعتماد المؤسسات الخدمية على حلول مبتكرة تجمع بين الإمكانات المحلية والتقنيات الوافدة.
وتذكر الباحثة أمل بنت سيف الخنصورية أنه من أبرز المشاكل التي واجهت مستشفى مطرح، هي كيفية توفير المياه، ذلك أن أغلب المياه في المستشفى كان يتم الحصول عليها من خلال ضخ المياه بواسطة طاحونة هوائية إلى الخزانات، حيث تنقل بعد ذلك إلى المستشفى وقصر السلطان.
وقد قام الأخصائي في الطواحين الهوائية المستر هارفي ستال Harvy Stal بتوظيف خبرته في إنشاء اثنين من الطواحين الهوائية في مطرح، وعلى الرغم من أن تلك المياه كانت مالحة، فإنها كانت توفر احتياجات السكان من المياه غير الصالحة للشرب.
وتذكر المصادر الشفهية أن المنطقة كانت قبل إنشاء المستشفى، منطقة زراعية في الأساس، وقد اشترتها بعثة الإرسالية الأمريكية لتحويلها إلى مستشفى، وبما أن قيام المستشفى وحاجته للمياه فإن إدارته قامت بحفر بئرين وتركيب المراوح لاستخراج المياه وتزويده بها.

موقع الطاحونة ووظيفتها
كانت الطاحونتان الهوائيتان قائمتين على مرتفع أعلى مبنى المستشفى أو في محيطه العلوي، بحيث تستفيد من حركة الرياح البحرية القادمة من ساحل مطرح، وقد صُممتا لتؤديا وظيفة أساسية هي ضخ المياه من الآبار أو الخزانات الأرضية، توفير مصدر مستمر للمياه للمستشفى ومرافقه، ودعم الاستخدامات اليومية مثل الشرب والتنظيف والتعقيم.
وتُعد هاتان الطاحونتان جزءًا من منظومة تشغيل المستشفى، خصوصا مع إدخال الكهرباء لاحقًا لتشغيل مضخات المياه، حيث يشير التاريخ إلى أن المستشفى زُوّد بمولد كهربائي استُخدم أيضًا لتشغيل مضخة المياه.
وبالنسبة لطبيعة عمل المروحتين، فقد كانت المروحة الكبيرة مخصصة لتزويد المستشفى بالمياه، أما الصغرى فكانت مهمتها تزويد سكن الأطباء والعاملين بالمستشفى وسقي بعض المزروعات الخاصة بحرم المستشفى.

وتكتسب الطواحين الهوائية أهمية إضافية من خلال الشهادات الشفوية التي وثّقت طريقة عملها، ومن أبرزها ما أورده درويش الخصيبي، أحد سكان المنطقة المجاورة، في لقاء نشرته جريدة “عُمان” بتاريخ 18 فبراير 1989م.
يصف الخصيبي هاتين الطاحونتين بأنهما تشبهان في فكرتهما عمل “الزاجرة”، وهي وسيلة تقليدية لرفع المياه من الآبار، مما يربط بين التقنية الحديثة نسبيًا آنذاك وبين الموروث المحلي في إدارة الموارد المائية.

ويفصّل آلية عملهما على النحو الآتي: وجود بئر أسفل الطاحونة يتصل به نظام السحب، ووجود خزان أرضي (حوض) بجوار البئر لتجميع المياه المستخرجة، وتثبيت مراوح هوائية أعلى برج من الأعمدة الحديدية، وعند هبوب الرياح، تبدأ المراوح بالدوران، وتنتقل هذه الحركة إلى عجلة ميكانيكية في أسفل البئر تشبه في حركتها عجلة الدراجة الهوائية، ثم تتحول الحركة الدورانية إلى طاقة سحب تعمل على رفع المياه من البئر إلى الخزان.
الشكل الهندسي والتقني للطواحين
اتخذت الطاحونة شكلًا تقليديًا معروفًا في أنظمة ضخ المياه: برج معدني أو خشبي مرتفع، ومروحة متعددة الشفرات تدور بفعل الرياح، ونظام ميكانيكي يحوّل الحركة الدورانية إلى حركة ضخ، ومضخة متصلة ببئر أو خزان سفلي.
وقد كانت هذه التقنية شائعة في البيئات الجافة، حيث توفّر مصدرًا مستدامًا للطاقة دون الحاجة إلى وقود.

ويمكن القول إن الطاحونتين الهوائيتين اللتان كانتا قائمتين أعلى مستشفى طوماس في مطرح كانتا تمثلان شاهدًا على مرحلة مبكرة من التكيّف التقني في البيئة العمانية، حيث اجتمعت الحاجة مع الابتكار لتوفير مورد أساسي هو الماء، ولم تكن مجرد آلة ميكانيكية، بل كانت جزءًا من منظومة إنسانية هدفت إلى حفظ الحياة وتحسين الصحة في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة.
وإذا كان المستشفى قد اندثر في أواخر القرن العشرين، فإن ذكرى هاتين الطاحونتين تبقى حاضرة بوصفها رمزًا من رموز التحول المبكر نحو الحداثة في سلطنة عُمان.
ولعلنا نختم هذا التقرير ببضع سطورٍ مما كتبه الصحفي والأديب الشيخ حمود بن سالم السيابي من مقالٍ طويل له بعنوان " ليلة سقوط مروحة مستشفى طومس .. مطرح تبحث عن أطول النخلات“، المنشور في مجلة التكوين في عدد نوفمبر عام ٢٠١٧م:
" في كل مرة أدخل دكانه يستقبلني بدلة قهوته المشعشعة برحيق الأيام الخوالي، ووجه بشوش يتوضأ من رطوبة جو مطرح، وكانت سير آبائنا دوما عطر الحكايات.
وفي إحدى الإطلالات للدكان والفناجين وجمر الحكايات أشعل التاجر حمد الرحبي حكاية سقوط مروحة مستشفى طومس التي لونت الأفق المطرحي لأكثر من قرن وأيقظ ارتطامها المفاجئ بالأرض البلدة النائمة بفعل الدوي الهائل الذي أحدثته، وكأن زلزالا ضرب مطرحا أو “جلمود صخر حطه السيل من علٍ “، أو أن باب المثعاب قد انثلم سوره فتداعى.
لم تعرف مطرح ما حل بها في هجعة تلك الليلة من مطلع الألفية الثالثة إلا مع خيوط الصباح الأولى حين عبر المتوضئون الدرب باتجاه مسجد الشجيعية لتصدمهم حقيقة سقوط المروحة الهوائية الشامخة.
كان صديقي حمد الرحبي يسترسل إلا أنني لم أدعه يكمل فقد كنت أسابقه في الأفق بحثا عن السارية المطرحية الغائبة، وعن أطول النخلات في المكان.
لقد أنهت صمودا دام لمائة عام فانحنت أخيرا أمام طغيان رطوبة الجو وملح البحر وصدأ السنين.
وشعرتْ المروحةُ أن استمرارها في الدوران لم يعد له معنى في غياب المستشفى وطومس وبعد أن فقدت منذ سنوات خلت توأمها، وأن استمرار مكابدة رفع الماء من رحم الأرض عبثي بعد أن وصل الماء لكل بيت مطرحي بما فيها الأكناف القصية لمطرح، فحق لها بعد كل هذا العمر أن تموت، وأن يكتب الدوي الجنائزي الهائل شهادة وفاتها، ولتكن آخر ضربات مشرط طومس ومنشاره أن يحز رقبة المروحة الهوائية كتوقيع أخير على شهادة الوفاة.
لقد عاشت هذه المروحة سنوات أطول من المستشفى، فقد مات المستشفى نفسه قبلها وجاء اليوم الذي تلحقه، وكانت معمرة قياسا بكل المراوح والطواحين الهوائية من فئتها في سماوات العواصم والمدن والتي اختفت منذ سنين.
ولم تعد مثيلات هذه المروحة الأمريكية القادمة عبر البحر من الأقاصي البعيدة تدور في الأفق الأمريكي إلا في أفلام الكاوبوي أو وثائقيات البحث عن النفط والذهب.
إلا أن شموخها لأكثر من قرن جعلها من ثوابت المشهد المطرحي الذي عِشْتهُ وكبرتُ به ومعه، وكان مؤلما لي أن أراها تموت هكذا.
لقد كانت طويلة جدا فتآكلت بعض أجزائها فتم التخلص منها لتستمر وإن تقاصر هيكلها الفارع. وشكلت مع توأمها المروحة الأخرى ثنائيا رائعا في زرقة الأفق بتكاملهما مع قلعة مطرح ودروازتها وجبالها ونخيلها شخصية البلدة وهويتها.
وكان لا بد لرحيلها المفاجئ من أن يترك بعض الندوب الموجعة في القلب."


المراجع
- الخنصوري، أمل بنت سيف. الأوضاع الصحية في عمان الساحل 1888 – 1975، دار الرافدين، العراق، 2023.
- السيابي، حمود بن سالم. ليلة سقوط مروحة مستشفى طومس .. مطرح تبحث عن أطول النخلات، مجلة التكوين، العدد 25، نوفمبر 2017.
- العريمي، محمد بن حمد. عندما كان المرض يتجوّل في مسقط ومطرح: قصص وأحداث عاشها سكان المدينتين بحثًا عن الصحة، تقرير منشور في منصة أثير ، 28 فبراير 2025.
- المعمري، طالب بن هلال. طواحين الهواء بمستشفى الرحمة، تقرير منشور في جريدة عمان، السبت 18 فبراير 1989.





