إخراج نتنياهو من المعادلة يعيد طهران وواشنطن لطاولة التفاوض

إخراج نتنياهو من المعادلة يعيد طهران وواشنطن لطاولة التفاوض
إخراج نتنياهو من المعادلة يعيد طهران وواشنطن لطاولة التفاوض
أثير - الركابي حسن يعقوب
جاء الرد الأمريكي على الشروط الإيرانية الخمسة التي كانت قد أعلنتها طهران كأساس للعودة إلى المفاوضات على نسق قانون نيوتن الثالث للحركة في الفيزياء، الذي يقرر بأن “لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الإتجاه”.
ردت أمريكا على الشروط الإيرانية بخمس شروط مساوية لها في المقدار ومعاكسة لها في الإتجاه، حيث اشترط الرد الأمريكي إخراج وتسليم إيران 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، والإبقاء على مجموعة واحدة فقط من المنشآت النووية الإيرانية قيد التشغيل، وعدم دفع واشنطن (أي) تعويضات لطهران، وعدم دفع 25٪ من الأصول الإيرانية المجمدة، والشرط الخامس الأخير ربط وقف إطلاق النار في جميع المناطق بالمفاوضات.
وبهذه الشروط الأمريكية الخمس تكون واشنطن قد وضعت العربة أمام الحصان، فإذا كان يتعين على إيران القبول بهذه الشروط جملة واحدة والتسليم بها، فعلى ماذا إذن سيتم التفاوض بعد ذلك!.
في الواقع أن واشنطن وهي تطرح هذه الشروط تعلم يقيناََ أنها مرفوضة تماماً من الجانب الإيراني لسبب بسيط وهو أنها شروط لا يمكن القبول بها إلا في حالة واحدة فقط وهي أن تأتي عقب حسم الحرب بهزيمة ساحقة لإيران ونصر تام لأمريكا بحيث لا يكون أمام طهران سوى الإذعان لها تحت قهر الهزيمة ووطأة الغلبة الأمريكية وهو ما لم يحدث حتى الآن وما لا يمكن الجزم بحدوثه بأي حال من الأحوال.
وبناءً عليه فإن طرح هذه الشروط من جانب أمريكا ليس له تفسير سوى أنها وصفة للحرب وذريعة للعودة إلى مسار التصعيد مرة أخرى خاصة إذا أخذنا في الاعتبار خيبة أمل ترامب في دور صيني (ما) كان يرجوه للمساعدة في تليين الموقف الإيراني بما يمهد الطريق لعودة آمنة لمسار المفاوضات تستصحب معها الرؤية الأمريكية للحل، وهو ما لم يحدث، وكان حظ واشنطن من ذلك عبارات قديمة متجددة بضرورة التهدئة والعودة للمفاوضات وضرورة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون أن تتبع ذلك بخطوات عملية تؤثر على الموقف الإيراني، كذلك من الشواهد الدالة على عزم واشنطون العودة للحرب إن الرئيس ترامب وجه رسالة عبر منصة “تروث سوشال” كتب عليها ما معناه “الهدوء الذي يسبق العاصفة”، وفي الخلفية صورة مدمرة حربية، وهو ما يبعث برسالة مضمونها العودة إلى الحرب، ضف إلى ذلك تلك الإحاطة التي قدمها رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في البنتاغون مطلع الشهر الحالي، والتي ذكر فيها أن عشرات الطائرات الحربية وحاملتي طائرات وأكثر من خمسين األف جندي و 12 مدمرة بحرية جاهزة لاستئناف القتال ضد إيران فيما لو صدرت الأوامر بذلك. وأكبر الشواهد دلالة على عزم واشنطن العودة للحرب تلك الأنباء التي تواترت عن مشاورات أجراها الرئيس ترامب مع بنيامين نتنياهو، الذي يمكن وصفه مجازاََ بأنه المستشار الحربي لترامب فهو الذي “وسوس” لترامب بالخروج عن مسار المفاوضات التي كانت تسير بخطى ثابتة نحو وجهتها بالوصول لاتفاق جيد، في كنف وساطة عُمانية نزيهة كانت محل إشادة وقبول إقليمي ودولي، وهو يمارس نفس الدور هذه المرة خدمة لمصالحه الخاصة التي تتعارض مع مصالح دول المنطقة خاصة، والعالم عامة، وفي هذا الشأن فإن المشاورات بين تل أبيب وواشنطن تمضي حثيثاََ نحو التحضير لاستئناف الضربات مع توسيع نطاق ما تسميانه بـ “بنك الأهداف” ليشمل منشآت إيرانية إستراتيجية وبنيات تحتية ومواقع للطاقة واستهدافها بقوة تدميرية تفوق ما سبق من ضربات في الجولة الأخيرة.
وبالمقابل، تقول إيران إن ردها هذه المرة سيكون مختلفاََ كماََ ونوعاََ وسيطال أهداف جديدة وبطريقة ليست في حسبان أمريكا، طوالحقيقة أن كلا الطرفين الأمريكي والإيراني لا يحبذان العودة إلى خيار الحرب لأسباب مختلفة تتعلق بالوضع الداخلي لكل منهما، فطهران تخشى حدوث تصدعات في الجبهة الداخلية فيما لو أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلى تدمير البنى والمنشآت الحيوية في البلاد مما تكون نتيجته خلق أزمة خانقة في الخدمات وحدوث شلل تام فيها، مترافقاََ مع مخاوف باغتيالات تطال شخصيات قيادية مؤثرة على غرار ما حدث في بداية الحرب، ومن جهة أخرى فإن الداخل الأمريكي يتسع فيه نطاق الاتجاهات المناهضة للحرب يوماََ بعد يوم، ومع تزايد وتيرة غلاء الوقود والأسعار في السوق الأمريكية بسبب الحرب، والتحدي الذي يواجه ترامب والجمهوريين بخصوص انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتدني مؤشرات شعبية ترامب، وفشله في تحقيق مكاسب معتبرة في زيارته للصين، و الشكوك المثارة حول قدرة الولايات المتحدة في تحقيق نصر حاسم وخاطف بدون خسائر بشرية كبيرة كلها تأتي مقيدة لحرية ترامب في إتخاذ قرار إستئناف الحرب.
لكن لدى نتنياهو قدرة فائقة على التهوين والتقليل من شأن التحديات الداخلية التي تواجه ترامب، وإقناعه بخوض الحرب والدخول مرة أخرى إلى النفق، ولترامب استعداد غريب وغير مفهوم للانقياد السلس لأوهام نتنياهو، غير آبه بالتحديات الداخلية التي تواجهه، وهو سلوك متفرد وغير مسبوق في نوعه ودرجته مقارنة بسابقيه من رؤساء الولايات المتحدة، فما هو معلوم بالضرورة، أن إسرائيل هي الحليف الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأن حمايتها هي ركن ركين من أركان السياسة الخارجية الأمريكية وأن تهديدها يمثل تهديداََ للأمن القومي الأمريكي، هذه حقيقة أكدتها ورسختها مواقف أمريكا تجاهلها منذ قرابة الثمانية عقود، ولكن ما يحدث الآن من قبل إدارة الرئيس ترامب مختلف ومبالغ فيه حتى أن كثيراً من قطاعات الرأي العام الأمريكي تتحدث صراحة عن أن إدارة ترامب حولت شعار “أمريكا أولاََ” إلى “إسرائيل أولاََ” وبرزت تساؤلات عديدة حول جدوى خوض أمريكا لحروب نيابة عن إسرائيل يتحمل تكلفتها المادية والمعنوية دافع الضرائب الأمريكي.
المأزق الذي سيجد ترامب نفسه عالقاََ فيه، إذا ما اتخذ قرار الحرب هو أن أول شرط من شروطه الخمس التي قدمها لإيران وهو الشرط الخاص بإخراج وتسليم اليورانيوم المخصب هو شرط لن تستطيع أمريكا تحقيقه بالقوة العسكرية، هو شرط يلامس المستحيل، كونه يحتاج إلى عملية خاصة من آلاف الجنود يتعين عليهم الدخول في مواجهات برية مباشرة مع الجيش والحرس الثوري الإيراني وهي عملية محفوفة بالمخاطر ونتائجها غير مضمونة وعواقبها ستكون وخيمة على الجنود الأمريكيين بوقوع خسائر كبيرة وسطهم، فضلاََ عن شح المعلومات عن مكان اليورانيوم وكيفية الوصول إليه، إذ لا يمكن أن تتم عملية حساسة مثل هذه في جو من المواجهات القتالية والقصف المتبادل في الوقت الذي تتطلب فيه هذه المهمة بيئة أكثر هدوءاََ واستقراراََ.
وإذا كان رهان واشنطن في هذه المهمة يقوم على توجيه ضربات تجبر إيران على الاستسلام أو القبول بتسليم اليورانيوم طوعاََ فهو رهان لا يقوم على أساس صلب، ذلك أن فكرة الاستسلام غير واردة في الذهنية الحاكمة في إيران والتي تدير شؤون البلاد حرباََ وسلماََ بل بالعكس ترى أن النصر سيكون حليفها وأنها ستمضي بثبات في السير إلى نهاية الشوط مهما كانت التحديات.
لذلك فإن العودة إلى مسار التفاوض هو القرار الرشيد والعقلاني والمثمر والمخرج
الآمن لأمريكا وإيران ولبقية الأطراف المعنية بالأزمة وأن خيار الحرب هو قفزة في الظلام وعواقبها وخيمة، لكن لجوء أمريكا لهذا الخيار العقلاني يتطلب إخراج نتنياهو وأجندته الحربية من المعادلة تماماََ وهي مهمة تقع على عاتق ترامب وحده.

شارك هذا الخبر