”بين الفرحة والكلفة“: كيف يعيش العُمانيون العيد وسط ارتفاع المصاريف؟

”بين الفرحة والكلفة“:  كيف يعيش العُمانيون العيد وسط ارتفاع المصاريف؟
”بين الفرحة والكلفة“: كيف يعيش العُمانيون العيد وسط ارتفاع المصاريف؟
أثير - ريما الشيخ
لطالما ارتبط العيد في المجتمع العُماني بصورة الفرح والبساطة والتجمعات العائلية؛ أيام تختلف عن بقية العام، تمتلئ بالزيارات والملابس الجديدة والعيديات وروائح الحلوى والقهوة العُمانية. لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأ جانب آخر يفرض حضوره تدريجيًا في أحاديث الناس قبل العيد: “الكلفة”.
فالعيد الذي كان يُنظر إليه بوصفه مناسبة اجتماعية وروحية بالدرجة الأولى، أصبح بالنسبة لكثير من الأسر موسمًا ترتفع فيه المصاريف بصورة واضحة، بدءًا من الملابس والهدايا، مرورًا بالحلويات والعيديات، ووصولًا إلى السفر والذبائح والطلعات العائلية.
واليوم، لم تعد أحاديث العيد على منصات التواصل الاجتماعي تدور فقط حول الفرح والتجهيزات، بل أصبحت مساحة مفتوحة للنقاش حول الأسعار والقدرة على مجاراة متطلبات المناسبة مقارنة بالسنوات الماضية.
من الأسواق إلى “الريلز”
في السابق، كانت تجهيزات العيد ترتبط بالحاجة والفرحة البسيطة؛ ملابس جديدة، بعض الحلويات، وزيارات عائلية معتادة. أما اليوم، فقد دخل عنصر جديد بقوة على المشهد: “الصورة”، فمنصات التواصل الاجتماعي لم تعد تنقل أجواء العيد فقط، بل أصبحت تساهم أيضًا في تشكيل الطريقة التي يستعد بها الناس للمناسبة، من خلال مقاطع تجهيزات العيد، وتنسيقات الملابس، والهدايا، وتصوير الضيافة والحلويات.
وبات كثير من الناس يشعرون بضغط غير مباشر لمواكبة الصورة المثالية المتداولة رقميًا، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمحتوى المقارنات والاستعراض عبر المنصات. فالناس اليوم لم تعد تقارن استعداداتها للعيد بجيرانها أو أقاربها فقط، بل بآلاف الصور والمقاطع التي تمر يوميًا عبر الشاشات.
حول هذا السياق ترى أمل البلوشية (28 عامًا)، أن منصات التواصل الاجتماعي رفعت سقف التوقعات المرتبطة بالعيد، موضحة لـ “أثير”: في العيد، تجد نفسك مجبرًا على تصوير كشخة العيد وتنسيق الضيافة بطريقة تشبه ما يعرضه المشاهير، أحيانًا ننفق مبالغ كبيرة على تفاصيل هدفها أن تبدو الصورة مثالية على إنستجرام، وحتى مع معرفتنا بأنها مظاهر، إلا أن الخروج عن هذا النمط يجعل البعض يشعر بأن عيده ناقص.
العيد صار أغلى
ومع اقتراب كل موسم عيد، يعود النقاش نفسه حول ارتفاع الأسعار وتزايد المصاريف، سواء في الملابس أو الحلويات أو الذبائح أو حتى الخروج العائلي، وخلال الأيام التي تسبق العيد، تتحول بعض المجمعات التجارية والأسواق الشعبية في مسقط وعدد من المحافظات إلى مشهد مزدحم يمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، وسط حركة شرائية مكثفة بحثًا عن الملابس والهدايا ومستلزمات الضيافة.
في سوق مطرح مثلًا، تتزاحم العائلات بين محلات الملابس والعطور والحلوى، بينما تشهد محلات الخياطة ضغطًا متزايدًا مع اقتراب العيد، في مشهد يتكرر كل عام لكن بتكاليف مختلفة.
قال محمد أنور، وهو خياط يعمل في أحد محال الخياطة والمستلزمات الرجالية في مطرح لـ “أثير” إن الضغط يبدأ قبل العيد بفترة طويلة، كما أن الأسعار ترتفع أحيانًا من الموردين بسبب زيادة الطلب على الأقمشة والكماليات مثل المصار والخناجر، ناهيك عن أن الزبون يشتكي من السعر، لكنه في النهاية يشتري لأنه لا يريد أن يظهر بأقل من أقرانه في مجلس العيد.
هذا و تبدأ حجوزات الاستراحات والشاليهات والرحلات القصيرة بالارتفاع مع اقتراب الإجازة، في وقت تتكرر فيه تعليقات المستخدمين عبر المنصات حول ارتفاع الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة.
وفي حسابات محلية عبر “إكس” و”إنستجرام”، تتكرر عبارات مثل:
-العيد صار يحتاج ميزانية
-الراتب يختفي قبل العيد
-كل شيء صار أغلى حتى العيديات
-العيد أول كان أبسط
بينما ينشر آخرون مقاطع للأسواق والزحام مرفقة بتعليقات ساخرة حول الأسعار أو صعوبة مجاراة متطلبات المناسبة. وتبدو الطبقة المتوسطة من أكثر الفئات التي تشعر بهذا الضغط، خصوصًا مع تراكم الالتزامات الشهرية الأخرى، مثل الأقساط والإيجارات والمصاريف الدراسية، بالتزامن مع موسم ترتفع فيه التوقعات الاجتماعية بصورة واضحة. فحتى ”العيديات“، التي كانت تمثل رمزًا بسيطًا للفرح لدى الأطفال، أصبحت بالنسبة لبعض العائلات بندًا ماليًا يحتاج إلى حسابات مسبقة، خصوصًا في الأسر الكبيرة.
ويصف أبو ماجد (52 عامًا)، وهو موظف حكومي ورب أسرة مكونة من 6 أفراد لـ “أثير” كيف تغيرت مصاريف العيد خلال السنوات الأخيرة، قائلًا: في السابق، كنا نشتري دشداشة واحدة لكل فرد للعيد والكل سعيد، اليوم، الأبناء يطلبون ملابس مختلفة لكل يوم من أيام العيد، ناهيك عن العيديات التي لم تعد تقبل بالمبالغ البسيطة كما في السابق، فالأطفال اليوم يقارنون عياديهم بما يشاهدونه في الهواتف، والعيد أصبح يحتاج إلى خطة مالية تبدأ قبل أشهر لتفادي الديون.
عندما تدخل القروض في تفاصيل العيد
مع تصاعد تكاليف الحياة، توسعت أيضًا ثقافة الشراء المؤجل والتقسيط، حتى في المواسم والمناسبات الاجتماعية، فبعض الأسر تلجأ خلال فترة الاستعداد للعيد إلى استخدام البطاقات الائتمانية أو تأجيل بعض الالتزامات المالية من أجل تغطية المصاريف، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الملابس والهدايا والسفر والاحتياجات المرتبطة بالمناسبة.
وفي المقابل، ساهمت العروض الرقمية وخدمات ”اشترِ الآن وادفع لاحقًا“ في تسهيل الإنفاق بصورة أكبر، وهو ما عزز لدى البعض نمط الاستهلاك الموسمي المرتبط بالمناسبات. ومع ذلك، يرى كثيرون أن هذا التوسع في الإنفاق لا يرتبط دائمًا بالحاجة الفعلية، بل أحيانًا بالرغبة في الحفاظ على ”صورة اجتماعية“ معينة خلال العيد.
العيد بين الفرح والضغط
ورغم أن العيد ما زال يحتفظ بقيمته الاجتماعية والدينية داخل مجتمعنا، فإن طريقة الاستعداد للمناسبة تغيّرت بصورة واضحة. ففي السنوات الماضية، كان التركيز الأكبر على الزيارات واللمة العائلية، بينما أصبحت بعض تفاصيل العيد اليوم مرتبطة أكثر بالاستهلاك والمظاهر والصورة الاجتماعية.
وبالنسبة للأطفال أيضًا، تغيرت صورة العيد بصورة كبيرة؛ فبعد أن كانت فرحة العيد ترتبط بالعيدية والألعاب البسيطة والزيارات العائلية، أصبح كثير من الأطفال يتأثرون بما يشاهدونه عبر المنصات من هدايا وتجهيزات واحتفالات مختلفة، وهو ما رفع سقف التوقعات لدى بعض الأسر.
وفي بعض الأحيان، يبدو أن بعض الناس باتوا يخشون أن تبدو استعداداتهم للعيد” أقل“من غيرهم على المنصات الاجتماعية، حتى لو كان ذلك على حساب الراحة المالية أو البساطة التي عُرفت بها المناسبة سابقًا.
وفي المقابل، تحاول بعض الأسر العودة إلى بساطة العيد بعيدًا عن ضغط الاستهلاك والمظاهر، حيث تقول المواطنة أميرة المقبولية من ولاية السيب وهي أم لثلاثة أطفال: قررنا هذا العام التركيز على أساسيات العيد فقط، والاهتمام باللمة العائلية أكثر من المظاهر، العيد في بساطته، ونحن أحيانًا من نصعّبه على أنفسنا.
هل تغيّر العيد فعلًا؟
ورغم كل التحولات الاقتصادية والرقمية، ما زال العيد في بلادنا يحتفظ بجانب كبير من خصوصيته الاجتماعية والثقافية، سواء في العادات أو الزيارات أو الأجواء العائلية التي تميزه كل عام. لكن في المقابل، يبدو أن الطريقة التي يستعد بها الناس للعيد اليوم تغيرت بصورة واضحة، بين منصات التواصل، وارتفاع المصاريف، وتغير أنماط الاستهلاك، وتسارع المقارنات الاجتماعية. وربما لم يتغير العيد في جوهره بقدر ما تغيرت الطريقة التي نحاول بها عيشه وإظهاره أمام الآخرين.
يبقى السؤال الأهم:
هل ما زال العيد في مجتمعنا يُقاس بفرحته البسيطة ودفئه الاجتماعي كما في السابق… أم أن الكلفة والمظاهر والضغط الاستهلاكي أصبحت جزءًا من تفاصيله الحديثة؟

شارك هذا الخبر