أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الأول من يونيو عام 1989م، وأثناء الزيارة التاريخية التي قام بها السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، إلى مقر منظمة UNESCO في باريس، أعلن عن تخصيص جائزة دولية تُمنح في مجال البيئة، في خطوة جسّدت اهتمام سلطنة عُمان المبكر بالقضايا البيئية على المستوى العالمي.

وقد حملت الجائزة اسم “جائزة السلطان قابوس لصون البيئة”، لتصبح واحدة من أبرز الجوائز الدولية التي تُمنح كل عامين لشخصية أو مؤسسة أو منظمة قدّمت إسهامات بارزة في حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية.

ومنذ انطلاقتها، ارتبطت الجائزة ببرنامج “الإنسان والمحيط الحيوي” (MAB) التابع لمنظمة اليونسكو، وهدفت إلى تشجيع المبادرات البيئية الرائدة، ودعم الجهود العلمية والتوعوية المرتبطة بصون الطبيعة والتنوع الحيوي وتحقيق التنمية المستدامة.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من تفاصيل هذه الجائزة العالمية، وأبرز أهدافها، ومحطاتها المختلفة، والدلالات الحضارية التي حملتها بوصفها رسالة عُمانية إلى العالم تؤكد أهمية التوازن بين الإنسان والبيئة، وتُبرز حضور سلطنة عُمان في الجهود الدولية الرامية إلى حماية كوكب الأرض للأجيال القادمة.
من مسقط إلى العالم
جاء الإعلان عن الجائزة خلال زيارة السلطان قابوس لمقر منظمة اليونسكو في باريس عام 1989م، في خطوة عكست الحضور العُماني المبكر في القضايا البيئية العالمية، وحرص السلطنة على دعم الجهود الدولية الهادفة إلى حماية الكوكب وتعزيز الاستدامة البيئية، وقد لقيت المبادرة ترحيبًا واسعًا من المنظمة الدولية، التي اعتمدت الجائزة ضمن برنامج “الإنسان والمحيط الحيوي” (MAB).

جائزة السلطان قابوس لصون البيئة.. مبادرة عُمانية حملت رسالة الأرض إلى العالم
مثّلت جائزة “اليونسكو – السلطان قابوس لصون البيئة” واحدة من أبرز المبادرات العُمانية ذات البعد العالمي في مجال حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية، حيث تحوّلت منذ الإعلان عنها عام 1989م إلى منصة دولية لتكريم الجهود الرائدة في مجال صون البيئة والتنمية المستدامة، تأكيدًا على النهج الذي أرساه السلطان قابوس في جعل البيئة جزءًا أصيلًا من مسيرة التنمية الحديثة في سلطنة عُمان.
وتُعد الجائزة أول جائزة عربية تُمنح على المستوى العالمي في مجال البيئة، وقد أُنشئت بمبادرة كريمة من السلطان قابوس بن سعيد، بالتعاون مع منظمة UNESCO، لتُمنح كل عامين للأفراد أو المؤسسات أو المجموعات التي قدّمت إسهامات بارزة في مجالات حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية والتوعية البيئية.

أهداف تتجاوز الحدود
تهدف الجائزة إلى تكريم الإسهامات المتميزة في مجالات:
- بحوث الموارد البيئية والطبيعية.
- التعليم والتدريب البيئي.
- نشر الوعي البيئي عبر المواد الإعلامية والبرامج التوعوية.
- إنشاء وإدارة المحميات الطبيعية ومواقع التراث البيئي العالمي.
وتبلغ القيمة المالية للجائزة 100 ألف دولار أمريكي، إضافة إلى شهادة تقدير، وتُمنح خلال فعاليات المنتدى العالمي للعلوم.
شروط التقديم إلى الجائزة:
يتعين على المرشحين لنيل الجائزة أن يكونوا قد قدَّموا إسهامات مميزة في أحد المجالات الآتية: البحوث في مجال الموارد البيئية والطبيعية، والتثقيف والتدريب في مجال البيئة، والتوعية بشأن البيئة من خلال إعداد مواد إعلامية بيئية، وإنشاء مناطق محمية وإدارتها، مثل محميات المحيط الحيوي ومواقع التراث العالمي الطبيعي.
فائزون من مختلف القارات
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كرّمت الجائزة عددًا من المؤسسات والمعاهد والشخصيات من مختلف دول العالم، ممن أسهموا في حماية البيئة وصون النظم الإيكولوجية، وقد منحت (جائزة السلطان قابوس لصون البيئة) لأول مرة في عام 1991م لمركز الدراسات والبحوث المكسيكية، وفي عام 1993م فاز بها العالم التشيكي جان جينيك، وفي عام 1995م فازت بها السلطات البيئية الملاوية. أما في عام 1997م فتقاسمها مناصفة كل من قسم العلوم البيئية لكلية العلوم بجامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية وإحدى الجمعيات الأهلية المعنية بحماية الغابات في سريلانكا، وفي عام 1999م منحت الجائزة لمؤسسة داروين لمحمية جالا باجوس في الأكوادور وهي من المحميات المدرجة على قائمة اليونسكو.

وقد ذهبت جائزة السلطان قابوس لصون البيئة لعام 2024م في نسختها الـ17 إلى صندوق التعليم البيئي لصحراء ناميب، بجمهورية ناميبيا.

وقد عكست أسماء الفائزين تنوّع التحديات البيئية حول العالم، من حماية الغابات والمياه والأراضي الرطبة، إلى تعزيز التربية البيئية وبناء الوعي المجتمعي تجاه قضايا المناخ والاستدامة.
تعديل في المسمى
في عام 2019م شهدت الجائزة تعديلًا طفيفًا في اسمها، لتصبح “جائزة اليونسكو – السلطان قابوس لصون البيئة” بدلًا من “حفظ البيئة”، بما ينسجم مع المفهوم الأشمل للاستدامة البيئية ومتطلبات العمل البيئي متعدد التخصصات.

تجديد
في مارس من عام 2024، وخلال مشاركة الوفد الدائم لسلطنة عُمان لدى منظمة اليونسكو في أعمال الدورة الـ219 للمجلس التنفيذي للمنظمة، جددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) جائزة اليونسكو - السُّلطان قابوس لصون البيئة - لمدة ست سنوات قادمة؛ وذلك بعد النتائج الإيجابية لعملية التقييم الخارجي للجائزة.
ويعكس قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO بتجديد “جائزة اليونسكو – السُّلطان قابوس لصون البيئة” لمدة ست سنوات إضافية، المكانة الدولية التي وصلت إليها الجائزة، والدور الذي تؤديه في دعم الجهود العالمية المرتبطة بحماية البيئة وتحقيق الاستدامة.
وجاء قرار التجديد عقب النتائج الإيجابية التي خلصت إليها عملية التقييم الخارجي للجائزة، والتي أكدت توافقها مع أهداف اليونسكو واختصاصاتها، وذلك من خلال مراجعة الوثائق الرسمية وإجراء المقابلات والدراسات الاستقصائية المتعلقة بأثر الجائزة ومجالات عملها.
وتتجلى أهمية الجائزة كذلك في انسجامها مع إستراتيجية اليونسكو متوسطة الأجل للفترة (2022-2029)، وبالأخص الهدف الإستراتيجي الثاني الذي يركّز على " بناء مجتمعات مستدامة وحماية البيئة من خلال تعزيز العلوم والتكنولوجيا والابتكار والتراث الطبيعي“، الأمر الذي يؤكد أن الجائزة لم تعد مجرد مبادرة تكريمية، بل أصبحت أداة دولية فاعلة لدعم الفكر البيئي وتشجيع المبادرات العلمية والمجتمعية الهادفة إلى صون كوكب الأرض.
أهمية الجائزة
لم تكن الجائزة مجرد تكريم دولي فحسب، بل مثّلت امتدادًا للرؤية العُمانية التي أولت البيئة اهتمامًا مبكرًا منذ انطلاقة النهضة الحديثة عام 1970م، حيث ارتبطت التنمية في سلطنة عُمان بمفهوم التوازن بين الإنسان والطبيعة، وصدرت العديد من القوانين والتشريعات الخاصة بحماية البيئة والمحميات الطبيعية.
كما أسهمت الجائزة في تعزيز صورة سلطنة عُمان عالميًا بوصفها دولة داعمة للقضايا البيئية والإنسانية، ورافدًا للحوار الدولي حول مستقبل الأرض والتحديات المناخية.
المراجع
- المحذوري، سليمان المحذوري والنوفلي، حميد. الثقافة العمانية في اليونسكو، الآن ناشرون وموزعون، 2024.
- اليونسكو.. تجديد جائزة السلطان قابوس لصون البيئة 6 سنوات، موقع جريدة عمان الإلكتروني، 21 مارس 2024.
- جائزة اليونسكو- السلطان قابوس لصون البيئة. unesco.org/ar/prizes/sultanqaboos
- https://sultanqaboos.net/





