٣٠ عامًا بين التأجيل والترحيل: ما حكاية ميناء مرباط؟

٣٠ عامًا بين التأجيل والترحيل: ما حكاية ميناء مرباط؟
ميناء مرباط
أثير- سعيد بن خالد العمري
يُعد ميناء مرباط من الموانئ التاريخية العريقة التي ورد ذكرها في المصادر التاريخية عند ياقوت الحموي والإدريسي وابن المجاور وغيرهم. كما أشار الرحالة الصينيون والأجانب إلى النشاط التجاري الذي شهده الميناء ودوره الحيوي في حركة النقل البحري بين عُمان واليمن والهند وشرق أفريقيا، وأدّى دورًا مهمًا في تجارة الترانزيت على خطوط الملاحة القديمة حتى منتصف القرن العشرين.
وكان ميناء مرباط محطة بارزة للسلاطين خلال زياراتهم إلى ظفار؛ إذ كان آخر ميناء توقّف فيه السيد سعيد بن سلطان في رحلته الأخيرة إلى زنجبار عام ١٨٥٦م. كما كان قاعدة للحملة القادمة من مسقط لإعادة النظام في ظفار عام ١٨٩٥م.
أما من الناحية الملاحية والإستراتيجية، فإن أهمية ميناء مرباط لا تقل شأنًا عن تاريخه؛ إذ يقع مباشرة على خطوط الملاحة الدولية في بحر العرب، ويتميز بكونه من أكثر موانئ محافظة ظفار أمانًا للسفن خلال الأنواء المناخية والرياح الموسمية الشمالية والجنوبية، ويكفي دلالة على ذلك أنه كان الملاذ الآمن للسفن خلال الأعاصير التي شهدتها المحافظة. كما كان الميناء الوحيد الذي انطلقت منه السفن والقوارب لإغاثة المتضررين في المنطقة الغربية من المحافظة خلال إعصار مكونو في عام ٢٠١٨م.
(صورة للجوء السفن إلى ميناء مرباط في إعصار جونو ٢٠٠٧م)
(صورة للجوء السفن إلى ميناء مرباط في إعصار جونو ٢٠٠٧م)
ويتمتع الميناء بعمق طبيعي يتراوح بين ٣ - ٤ أمتار في حالة الجزر، فيما يصل العمق إلى نحو ٢٠ مترًا على مسافة قصيرة من الرصيف الحالي، وهي ميزة ملاحية مهمة تؤهله للتوسع المستقبلي.
وبحسب كتاب الإحصاء السمكي لعام ٢٠٢٤م بلغ عدد القوارب في ميناء الصيد البحري بولاية مرباط ٩٧٩ قاربًا، وعدد سفن الصيد (اللنجات) ٤٧ سفينة، بنسبة تقارب ٥٩٪ من إجمالي سفن الصيد بمحافظة ظفار، كما بلغ حجم الإنتاج السمكي الحرفي في الميناء نحو ٢٤ ألف طن، فيما قُدّرت قيمة الإنتاج بنحو ١٦,٨٨٢ مليون ريال عُماني تقريبًا، بما يمثل حوالي ٢٧٪ من إجمالي الإنتاج السمكي بالمحافظة، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية الكبيرة لميناء مرباط.
وفي عام ١٩٨٥م أنشأت الحكومة عدة موانئ ومرافئ للصيد والإنزال السمكي بمحافظة ظفار، وعلى ضوء ذلك تم إنشاء رصيف بحري للصيادين في مرباط بلغت تكلفته نحو ٥٦٤ ألف ريال عُماني وتم افتتاحه في عام ١٩٨٧م.
(خبر افتتاح الرصيف البحري بمرباط ١٩٨٧م، جريدة عمان)
(خبر افتتاح الرصيف البحري بمرباط ١٩٨٧م، جريدة عمان)
غير أن ملف تطوير ميناء مرباط لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد أُدرج مشروع تطوير الميناء وإنشاء مركز للإرشاد والإحصاء السمكي ضمن الخطة الخمسية الرابعة (١٩٩١-١٩٩٥م) بتكلفة تقديرية بلغت ٢٠٠ ألف ريال عُماني (جدول أ - ١٦، ص ٣٠١، الخطة الخمسية الرابعة)، وأُعلن عن ذلك في تصريح لوزارة الزراعة والثروة السمكية نشرته جريدة «عُمان» عام ١٩٩٤م.
لكن المشروع رُحّل لاحقًا إلى الخطة الخمسية الخامسة (١٩٩٦-٢٠٠٠م)، التي أكدت بدورها ضرورة الإسراع في إنجاز موانئ الصيد وفق الخطط الموضوعة، ليُعاد تأجيل مشروع تطوير ميناء مرباط مرة أخرى !.
وفي عام ٢٠١٣م أعلنت وزارة الزراعة والثروة السمكية توقيع ثلاث اتفاقيات للخدمات الاستشارية الخاصة بتصميم والإشراف على تطوير موانئ الصيد البحري بليما بمحافظة مسندم والخابورة بمحافظة شمال الباطنة ومرباط بمحافظة ظفار، وتم عرض التصميم الخاص بتطوير وتوسعة ميناء الصيد البحري بمرباط خلال زيارة وزير الدولة ومحافظ ظفار للولاية عام ٢٠١٦م، إلا أن المشروع تأجل مجدداً !!.
(مخطط توسعة وتطوير ميناء مرباط، ٢٠١٦م)
(مخطط توسعة وتطوير ميناء مرباط، ٢٠١٦م)
وفي عام ٢٠٢٢م طُرحت مناقصة لتأهيل وتوسعة ميناء مرباط شملت تمديد كاسر الأمواج وتطوير البنية الأساسية للميناء، بتكلفة تقديرية بلغت نحو ٦ ملايين ريال عُماني، غير أن المشروع تعرض مجددًا للتأجيل والترحيل !!.
كما أُعلن في عام ٢٠٢٣م خلال اجتماع ضم صاحب السمو السيد محافظ ظفار ووكيل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، عن خطة لتطوير عدد من موانئ الصيد البحري بالمحافظة، وكان مشروع تطوير ميناء الصيد البحري بمرباط في مقدمة تلك المشروعات، حيث عرضت الوزارة خطة تطوير وتوسعة ميناء الصيد البحري بمرباط بتكلفة تقديرية ٢٥ مليون ريال عُماني على مرحلتين، مع توقع تحقيق مردود اقتصادي يصل إلى ١٧ مليون ريال عُماني، ومعدل عائد اقتصادي داخلي متوقع للمشروع نحو ١٥٪، وهو ما يعكس الجدوى الاقتصادية الكبيرة للمشروع وأهميته المستقبلية.
وعلى ضوء ذلك أعلنت الوزارة عن مناقصة من الدرجة الممتازة رقم ٢٠٢٣/١١٣٧م الخاصة بخدمات التصميم والبناء لتطوير الميناء، إلا أن مصيرها كان التأجيل والترحيل مجددًا !!!.
وفي عام ٢٠٢٥م نوقش ملف تطوير ميناء مرباط خلال الاجتماع الثامن للمجلس البلدي لمحافظة ظفار برئاسة صاحب السمو السيد محافظ ظفار، وسط تأكيدات على أهمية المشروع في تنشيط الاقتصاد المحلي وإيجاد فرص العمل ودعم القطاعين البحري والسياحي، وقد تم تمديد وإعادة فتح العطاءات الخاصة بمناقصة تطوير ميناء مرباط خلال عام ٢٠٢٥م، لإتاحة الفرصة للشركات الممتازة لتقديم عروض التوسعة والإنشاءات البحرية.
ولطالما كان مشروع تطوير ميناء مرباط من أبرز المطالب التي تبناها ممثلو ولاية مرباط في مجلس الشورى منذ تأسيسه، عبر الجلسات الرسمية والمخاطبات والمتابعات المستمرة، وكان من المتوقع البدء في تنفيذ خطة تطوير وتوسعة ميناء الصيد البحري بمرباط عام ٢٠٢٦م، إلا أن المشروع تأجل مجددًا!!.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: ما أسباب التأجيل المستمر لمشروع تطوير ميناء مرباط، رغم جاهزية مخططات التوسعة والتطوير، واستمرار طرح المناقصات وترحيل المشروع لأكثر من ٣٠ عامًا منذ إدراجه لأول مرة ضمن الخطة الخمسية الرابعة (١٩٩١-١٩٩٥م) ؟!.
ولماذا يستمر ترحيل هذا المشروع من خطة خمسية إلى أخرى، رغم ما يمتلكه الميناء من أهمية تاريخية وملاحية واقتصادية وإستراتيجية ؟؟!.
ختامًا، أقدم عددًا من المقترحات والرؤى لتطوير ميناء مرباط بما يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان ٢٠٤٠، ومن أبرزها:
١. تفعيل الخطط والمناقصات المؤجلة الخاصة بتطوير الميناء، والانتقال بها من مرحلة الدراسات والتأجيل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
٢. العمل على تحويل ميناء مرباط من ميناء صيد إلى ميناء تجاري متعدد الأغراض، خصوصًا في ظل المتغيرات الإقليمية والحاجة إلى وجود ميناء رديف لميناء صلالة في حالات الطوارئ والأزمات.
٣. استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية في مجالات النقل البحري والصناعات السمكية والخدمات اللوجستية، بما يسهم في توفير فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز مفهوم الاقتصاد الأزرق في محافظة ظفار.
٤.تعميق حوض الميناء لضمان استقبال السفن ذات الغاطس الكبير مما يسمح بحركة تجارية وملاحية أوسع خلال فترات الجزر.
٥. إنشاء رصيف خاص بخفر السواحل بما يعزز مهام مكافحة المخدرات وعمليات المراقبة والإنقاذ البحري في الميناء وشواطئ ولاية مرباط.
٦. إنشاء مرسى مخصص لليخوت والقوارب الشراعية، وإقامة مهرجانات وفعاليات بحرية وسياحية دورية بالميناء، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية في ولاية مرباط.
٧. تطوير سوق بيع الأسماك في ميناء مرباط ليكون بيع مباشر بطريقة الترصيص مع توفير الآليات المطلوبة والالتزام بالمعايير الصحية والمهنية.

شارك هذا الخبر