فخ البخار: الموت الناعم الذي يبتلع صحة الأجيال

فخ البخار: الموت الناعم الذي يبتلع صحة الأجيال
فخ البخار: الموت الناعم الذي يبتلع صحة الأجيال
أثير - محمد الدغيشي
لم تعد السيجارة مجرد لفافة تبغ تطلق دخانا رماديا، بل تحولت في عصرنا الحالي إلى جهاز ذكي وجذاب يوضع في الجيب، ويبث أبخرة بنكهات الفواكه والحلوى. وتحت شعار مخادع روج له طويلا وهو “البديل الآمن”، استدرجت السجائر والشيشة الإلكترونية ملايين الشباب والمراهقين حول العالم إلى فخ الإدمان. لكن الأبحاث الطبية والمسوحات الميدانية الأخيرة بدأت تزيح الستار عن حقيقة مرعبة: هذا البخار المعطر ليس سوى غلاف أنيق لدمار صحي شامل يتفوق أحيانا على التدخين التقليدي.
حين يصبح البخار عدوا صامتا
لا دخان، لا رائحة، لا إزعاج للآخرين. بهذه المواصفات دخلت السيجارة الإلكترونية حياة الناس، وتحديدا حياة الشباب والمراهقين الذين رأوا فيها شيئا “عصريا” و“بلا مخاطر“.
غير أن الأطباء يحذرون من أنها ليست خيارا آمنا تماما للإقلاع عن التدخين، نظرا لاحتوائها على مواد كيميائية قد تؤدي إلى أضرار طويلة الأمد. وتعمل السجائر الإلكترونية من خلال تسخين سائل يحتوي على النيكوتين، والبروبلين غليكول، والجلسرين النباتي، والمنكهات الاصطناعية، ليتحول إلى بخار يتم استنشاقه بدلا من الدخان الناتج عن احتراق التبغ.
وبالرغم من أن هذه التقنية تهدف إلى تقليل التعرض للقطران، إلا أن الباحثين يحذرون من أن استنشاق هذا البخار يزيد معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، مما يسبب تضيق الأوعية الدموية وتلف جدران الشرايين، وهو ما يرتبط مباشرة بمخاطر صحية خطيرة مثل أمراض القلب والخرف.
وتؤكد دراسة جارية يجريها باحثون من جامعة مانشستر ميتروبوليتان البريطانية هذه المخاطر؛ إذ كشفت نتائجها الأولية أن مستخدمي السجائر الإلكترونية يعانون من تلف حاد في جدران الشرايين، وضعف في تدفق الدم الى الدماغ، حتى وإن كانوا في عمر العشرينيات.
والأخطر في الأمر ما أكده قائد الفريق البحثي الدكتور ماكسيم بويدن، من أن السيجارة الإلكترونية قد تكون أشد ضررا من التدخين التقليدي لسبب واحد؛ فالمدخن التقليدي يشعل سيجارة وينتهي منها، أما مستخدم السيجارة الإلكترونية فيستطيع الاستمرار في الاستنشاق دون توقف، دون أن يدرك كمية ما استهلكه من نيكوتين ومواد كيميائية. ويخشى الخبراء من ظهور موجة جديدة من أمراض الرئة، ومشاكل الأسنان، وحتى السرطان خلال العقود القادمة.
اليورانيوم في دم المراهق
إن كانت مخاطر القلب والأوعية الدموية مقلقة، فان ما كشفته دراسة جامعة نبراسكا الأمريكية يدخل في باب الصدمة الحقيقية. فقد وجد الباحثون في عينات البول لمراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما يستخدمون السجائر الإلكترونية بانتظام، مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة مثل الرصاص واليورانيوم، والتي تتسرب عبر مكونات وأجهزة التدخين الإلكتروني.
تؤثر هذه المعادن الثقيلة على المكونات الخلوية داخل الأجسام، وتتفاعل مع الحمض النووي والبروتينات النووية، وهو ما يتسبب في تلف الخلايا وتغيير نموها. وتتضاعف خطورة هذا الاكتشاف حين نعلم أن هذه المعادن تضرب أجساد أطفال لا تزال في مرحلة النمو، مما يرتبط مباشرة بالضعف الإدراكي، والاضطرابات السلوكية، ومشاكل الجهاز التنفسي، وأمراض القلب والسرطان في مرحلة تشكل الأعضاء الحيوية.
الواقع العماني: يقظة تشريعية في مواجهة الأرقام المقلقة
على الصعيد المحلي، كشف المسح الوطني للأمراض غير المعدية لعام 2025 في سلطنة عمان عن مؤشرات تستدعي التحرك العاجل؛ إذ أظهرت النتائج أن واحدًا من كل ستة ذكور بالغين في المجتمع يستهلك التبغ بكافة أنواعه. ورغم أن نسبة مستخدمي السجائر الإلكترونية والتبغ غير المدخن تقارب 2% لكل منهما بين البالغين، إلا أن الخطورة الحقيقية تكمن في الفئات العمرية الأصغر سنًا، حيث أظهرت مسوحات سابقة أن بريق هذه الأجهزة بدأ يجذب طلاب المدارس والجامعات بصورة متزايدة، في وقت تنفق فيه عمان 20 مليون ريال عماني على الأمراض المرتبطة بالتدخين.
هذا التحدي الصحي دفع السلطنة إلى اتخاذ إجراءات صارمة وحاسمة لحماية الصحة العامة، ومن أبرزها:
• المواجهة القانونية والمخالفات: فرضت هيئة حماية المستهلك حظرًا تامًا على استيراد وتداول السجائر والشيشة الإلكترونية بعد ثبوت احتوائها على مواد مسرطنة، مع إقرار غرامة مالية قدرها 500 ريال عماني للمخالفين، وتتضاعف في حال التكرار.
• التوسع في حظر الأماكن العامة: اتجهت التشريعات نحو دراسة حظر التدخين في الأماكن المفتوحة مثل الشواطئ والحدائق، استكمالًا لقوانين منع التدخين في الأماكن المغلقة كالمراكز التجارية والمطاعم، بجانب مبادرات المؤسسات الأكاديمية مثل جامعة السلطان قابوس التي منعت التدخين في مرافقها ووفرت عيادات مساعدة للإقلاع.
• المرسوم السلطاني رقم 43/2025: جاء قانون الصحة العامة الجديد ليتوج هذه الجهود بمنح وزارة الصحة صلاحيات أوسع بالتنسيق مع الجهات المختصة لوضع ضوابط صارمة تنظم التعامل مع التبغ ومشتقاته ومنع انتشاره والحد من أضراره.
وقد بدأت هذه السياسات تؤتي ثمارها على أرض الواقع؛ حيث سجلت المؤشرات الإحصائية لعام 2024 انخفاضًا ملحوظًا لأول مرة في أعداد مقاهي الشيشة ومحلات بيع لوازم التبغ بنسب كبيرة (لاسيما في محافظتي مسقط وشمال الباطنة)، مما يعكس تراجعًا في الغطاء التجاري لهذه الآفة نتيجة الرقابة المشددة والوعي المجتمعي الذي تجسد في تأييد 90% من المواطنين لرفع الضرائب ومنع التدخين في الأماكن العامة.
العالم يتحرك: فأين نحن؟
لم تعد دول العالم تقف متفرجة أمام هذا الخطر التدخيني الحاد. فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية إرشادات جديدة حذرت فيها من الترويج للسجائر الإلكترونية كوسيلة آمنة للإقلاع بسبب قلة المعلومات حول تأثيراتها طويلة الأمد، بينما وافق وزراء مالية دول مجلس التعاون الخليجي على فرض ضريبة انتقائية على التبغ والمنتجات ذات الصلة بنسبة 100%.
وفي سياق الإجراءات الحكومية المباشرة، أعلنت المملكة المتحدة عن حظر السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد للحد من انتشارها بين الشباب. وتبرز جمهورية سنغافورة كأحد أكثر النماذج صرامة في العالم؛ إذ لا تكتفي بحظر بيع أو استخدام السجائر الإلكترونية على أراضيها، بل تمنع حيازتها أو استيرادها تمامًا حتى لو كانت للاستخدام الشخصي العابر أثناء “الترانزيت” في مطاراتها، وتصل العقوبات هناك إلى الغرامات المالية الباهظة والمحاكمة والسجن، وهو ما دفع السفارات الخليجية إلى تحذير مواطنيها بضرورة الالتزام التام بهذه القوانين.
مراجعة الوعي: هل تستحق التجربة كل هذه المخاطرة؟
إن الأرقام والبيانات الطبية الصادرة عن المراكز البحثية، ومنظمة الصحة العالمية، والجهات الرسمية في السلطنة، تبعث برسالة واحدة واضحة: السجائر الإلكترونية ليست طوق نجاة للإقلاع عن التدخين، بل هي مستنقع جديد للإدمان والأمراض المفاجئة.
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب تضافر الجهود بين التشريعات الحكومية الحازمة، والرقابة الأسرية اللصيقة، والتوسع في برامج الدعم السلوكي والإقلاع عن التدخين. لقد حان الوقت لتغيير الصورة الذهنية الخادعة لهذا البخار الملون، وإدراك أن الحفاظ على رئة نظيفة وجسد خال من المعادن السامة هو الاستثمار الحقيقي لمستقبل الأجيال.
المصادر:

شارك هذا الخبر