أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في العاصمة مسقط يقف المتحف العُماني الفرنسي شاهدًا على واحدة من أقدم العلاقات التي ربطت سلطنة عُمان بدولة أوروبية، مستحضرًا عبر مقتنياته ووثائقه تاريخًا طويلًا من التواصل السياسي والدبلوماسي والبحري والثقافي بين عُمان وفرنسا، امتد لأكثر من قرنين.

ولم يكن إنشاء المتحف مجرد مشروع ثقافي، بل جاء تتويجًا لمسيرة متنامية من التعاون بين البلدين، وترجمةً للاتفاقيات الثقافية التي جمعت سلطنة عُمان والجمهورية الفرنسية، ليصبح اليوم أحد أبرز المعالم التي تحفظ الذاكرة المشتركة للعلاقات العُمانية الفرنسية.

افتتاح يجسد متانة العلاقات
افتُتح المتحف في 29 يناير 1993م تحت الرعاية السامية للسلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وبحضور فخامة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، خلال زيارته الرسمية إلى سلطنة عُمان، في مناسبة حملت دلالات سياسية وثقافية كبيرة، إذ أكدت عمق العلاقات الثنائية والرغبة المشتركة في صون إرثها التاريخي وتعزيزه للأجيال القادمة.


ومنذ افتتاحه أصبح المتحف رمزًا للعلاقات العُمانية الفرنسية، ومنصةً توثق مختلف مراحل التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

“بيت فرنسا”.. مبنى يروي التاريخ
اتخذ المتحف من مبنى بيت فرنسا مقرًا له، وهو أحد أبرز المباني التاريخية في مسقط، وكان مقرًا للقنصلية الفرنسية منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1896م، حيث قام السلطان فيصل بن تركي بإهداء الفرنسيين هذا البيت.

ويتميز المبنى بقيمته التاريخية والمعمارية؛ إذ يُعد من المباني النادرة التي حافظت على تصميمها الأصلي ومواد بنائها التقليدية، ويُعتقد أن تاريخ إنشائه يعود إلى أكثر من مائتي عام، ويرجح أنه شُيّد في عهد السلطان سعيد بن سلطان، ويعود إلى السيدة غالية بنت سالم بن سلطان ابنة أخ السلطان سعيد، الأمر الذي يمنح المتحف قيمة مضاعفة، فهو لا يحتضن التاريخ فحسب، بل يمثل جزءًا أصيلًا منه.


من الدبلوماسية إلى البحر
يعكس المتحف خصوصية العلاقة العُمانية الفرنسية التي لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى التجارة والملاحة البحرية، لذلك يضم مجموعة كبيرة من الوثائق التاريخية التي تؤرخ لبدايات التواصل بين البلدين، وحركة التبادل التجاري، وزيارات السفن التجارية والعسكرية الفرنسية إلى الموانئ العُمانية وموانئ شرق أفريقيا.

كما يحتفظ بعدد من الخرائط البحرية القديمة، ونماذج السفن، والأدوات والمعدات التي استخدمها البحارة في رحلاتهم عبر المحيط الهندي، موثقًا شبكة الطرق البحرية التي جعلت من عُمان مركزًا مهمًا للتواصل التجاري بين آسيا وشرق أفريقيا.
محطات دبلوماسية بارزة
يخصص المتحف مساحة مهمة لتوثيق أبرز المحطات السياسية التي عززت العلاقات بين البلدين، وفي مقدمتها زيارة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – إلى فرنسا في مايو 1989م، التي تعد أول زيارة رسمية يقوم بها سلطان عُمان إلى الجمهورية الفرنسية، وما حملته من نتائج إيجابية في تطوير التعاون الثنائي.
كما يوثق زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى سلطنة عُمان في يناير 1992م، والتي مهدت لافتتاح المتحف بعد عام واحد، وأسهمت في توسيع مجالات التعاون السياسي والثقافي بين البلدين.

ذاكرة القناصل الفرنسيين
ومن الجوانب المهمة التي يسلط المتحف الضوء عليها تاريخ التمثيل الدبلوماسي الفرنسي في مسقط، إذ يعرض صورًا ووثائق عن القناصل الفرنسيين الذين تعاقبوا على العمل في عُمان بين عامي 1894 و1920م، وفي مقدمتهم بول أوتافي (Paul Ottavi)، الذي ارتبط اسمه ببدايات الحضور الدبلوماسي الفرنسي في مسقط.
وتسهم هذه الوثائق في رسم صورة واضحة لتطور العلاقات الرسمية بين البلدين منذ أواخر القرن التاسع عشر.


صور نادرة توثق الحياة العُمانية
يضم المتحف واحدة من أثمن مجموعاته، وهي مجموعة الصور الفوتوغرافية التي التقطها القنصل الفرنسي جان بيغين-بيليكوك (Jean Béguin-Billecocq) وزوجته لويز بيغين-بيليكوك (Luise Béguin-Billecocq) خلال إقامتهما في مسقط وصور بين عامي 1904 و1905م.
وتوثق هذه الصور تفاصيل الحياة اليومية في مسقط، والعمران التقليدي، والأسواق، والموانئ، والأنشطة الاجتماعية، لتشكل اليوم سجلًا بصريًا نادرًا للحياة العُمانية في مطلع القرن العشرين، وتعد من أهم المصادر الفوتوغرافية التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة تاريخ عُمان الحديث.

متحف يحفظ ذاكرة الصداقة
لا يمثل المتحف العُماني الفرنسي مجرد قاعات لعرض المقتنيات التاريخية، بل يجسد قصة طويلة من الصداقة والتفاهم بين سلطنة عُمان وفرنسا، ويبرز كيف تحولت العلاقات التجارية والبحرية والدبلوماسية إلى شراكة ثقافية راسخة.
وبفضل ما يضمه من وثائق أصلية، وصور نادرة، وخرائط بحرية، ومقتنيات دبلوماسية، يظل المتحف نافذة مهمة لفهم تاريخ العلاقات العُمانية الفرنسية، ورسالة تؤكد أن الحفاظ على الذاكرة المشتركة يمثل أحد أهم الجسور التي تعزز الحوار والتقارب بين الشعوب.





