أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في يونيو من عام 1982م، أصدرت وزارة البريد والبرق والهاتف (آنذاك) العدد الأول من " نشرة البريد“، لتكون واحدة من أوائل الإصدارات الإعلامية المتخصصة التي وثّقت ملامح التحول الذي شهده قطاع الاتصالات والبريد في البلاد خلال سنوات النهضة الحديثة.
وجاء إصدار النشرة في مرحلةٍ شهدت توسعًا ملحوظًا في قطاع البريد والاتصالات، بعد أن أُنيطت بالوزارة مسؤوليات تطوير خدمات البريد والبرق والهاتف، والعمل على إيصالها إلى مختلف مناطق السلطنة وفق الأساليب الحديثة.
ومن اللافت أن النشرة صدرت في عامٍ ارتبط بعدد من التطورات المهمة في قطاع البريد الخليجي، إذ شهد عام 1982م التصديق على البروتوكولات والاتفاقيات الخاصة بـهيئة بريد الخليج، في خطوة هدفت إلى تعزيز التعاون البريدي بين دول المنطقة وتنظيم الخدمات البريدية بصورة أكثر حداثة.
كما تكشف بعض النسخ المتداولة من العدد الأول أن النشرة جاءت متزامنة مع مناسبة مرور (150) عامًا على تأسيس الاتحاد البريدي العالمي، الأمر الذي منح الإصدار بعدًا احتفاليًا وتوثيقيًا يعكس اهتمام السلطنة المبكر بالحضور ضمن المنظومة البريدية الدولية.
غلاف العدد
يكشف الغلاف الأول للنشرة عن ملامح تلك المرحلة؛ إذ حمل شعار سلطنة عُمان واسم الوزارة بخط واضح، مع الإشارة إلى أن الإصدار هو (العدد الأول) من السنة الأولى، بما يعكس توجّه الوزارة إلى إنشاء مطبوعة دورية تُعنى بتوثيق أخبار القطاع ومشروعاته المختلفة. كما تضمّن الغلاف صورةً لمبنى البريد المركزي بمسقط، في دلالة رمزية على المكانة التي بدأ يحتلها قطاع البريد والاتصالات في البناء المؤسسي للدولة الحديثة.
ومن اللافت في الغلاف كذلك العبارة التي ذُيّل بها الإصدار: “إصدار خاص بمناسبة مرور 150 عامًا على تأسيس الاتحاد البريدي العالمي”، وهي إشارة تربط بين التجربة البريدية العُمانية الحديثة وبين المنظومة البريدية الدولية التي كانت سلطنة عمان تعمل على تعزيز حضورها فيها خلال تلك الفترة.
وقد جاء صدور النشرة في زمن كانت فيه خدمات البريد والبرق والهاتف تشهد توسعًا متسارعًا في مختلف المحافظات، سواء من خلال افتتاح المكاتب البريدية، أو تحديث خدمات البرقيات والاتصالات الهاتفية، أو إدخال الوسائل الحديثة المرتبطة بقطاع الاتصالات، في مرحلةٍ كانت الرسالة الورقية والبرقية تمثلان فيها وسيلة التواصل الأساسية بين الأفراد والمؤسسات.
ويبدو من التصميم الفني للغلاف أن النشرة حاولت المزج بين الطابع العصري والهوية البريدية التقليدية؛ حيث استُخدمت الحواف المسننة المستوحاة من شكل الطوابع البريدية، بينما جاءت كلمة (البريد) بخط كبير يغلب عليه اللون الأزرق، في إيحاءٍ بصري يرتبط بعالم الاتصالات والمراسلات.

كلمة التحرير.. رسالةٌ بريدية بروحٍ اجتماعية وثقافية
يكشف العدد الأول من “نشرة البريد” الصادر في يونيو 1982م عن جانبٍ مهم من ملامح العمل الإعلامي المؤسسي في سلطنة عُمان خلال بدايات الثمانينيات، ليس فقط من خلال الشكل الفني للنشرة، وإنما كذلك عبر طبيعة الخطاب التحريري الذي حملته صفحاتها الأولى.
ففي صفحة “أسرة التحرير” يظهر أن رئاسة تحرير النشرة أُسندت إلى سموّ الشيخ غالب بن خالد آل سعيد، فيما تولّى حمدي صالح حامد مهام سكرتير التحرير، وشارك في هيئة التحرير عددٌ من الموظفين من بينهم أحمد سليم رعيدان، ومحمد نبيل الهنداوي، وقمر الأنبياء بابكر محمد، ويوسف محمد يوسف الحضرمي، الأمر الذي يعكس حرص الوزارة على تشكيل فريق تحرير متكامل يتولى صياغة وإعداد هذا الإصدار الدوري.
كما تضمّنت الصفحة عنوان الإدارة العامة للبريد بوزارة البريد والبرق والهاتف في روي بمسقط، إلى جانب رقم الهاتف وصندوق البريد، في صورة تعكس طبيعة التواصل المؤسسي والإداري السائد آنذاك، حين كانت المراسلات الورقية والاتصالات الهاتفية التقليدية تمثل أدوات التواصل الأساسية.

أما “كلمة التحرير”، فجاءت بلغةٍ يغلب عليها الطابع الوجداني والاجتماعي، حيث خاطبت القارئ بوصفه شريكًا في صناعة النشرة وتطويرها، مؤكدة أن " البريد " ليست مجرد مطبوعة إدارية، بل " نشرة بريدية اجتماعية لربط مجتمعنا البريدي وعكس نشاطاته وتزويده بكل ما هو مفيد وجديد“.
وتبرز في الكلمة ملامح الروح المؤسسية التي بدأت تتشكل في الأجهزة الحكومية العُمانية خلال تلك الفترة، إذ تؤكد هيئة التحرير أن النشرة ستكون وسيلة لنقل أخبار الوزارة والمديرية وأخبار الزملاء والعمل. كما ستتيح مساحة لعرض الآراء والمقترحات والأفكار الجديدة.
ومن العبارات اللافتة في الكلمة قول هيئة التحرير: “هناك صفحة مفتوحة في النشرة نترك لك لتعبر فيها عن خواطرك ومشاعرك في كل لون من ألوان الفن والأدب أو القصة”، وهي إشارة تكشف أن النشرة لم تكن ذات طابع إداري جامد، بل حاولت أن تجمع بين الوظيفة المهنية والبعد الثقافي والاجتماعي داخل بيئة العمل.
كما يظهر من صياغة الكلمة مقدار الرهان على استمرارية المشروع الإعلامي الجديد، إذ تؤكد هيئة التحرير أن بقاء النشرة مرهون بتفاعل القراء وإسهاماتهم، وهو خطاب يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية المشاركة المجتمعية في نجاح المطبوعات الدورية.

“أخبار بريدنا”.. نافذةٌ بريدية على حركة المكاتب والخدمات الجديدة
تضمّن العدد الأول من نشرة البريد بابًا بعنوان (أخبار بريدنا)، خُصّص لنقل أخبار المكاتب البريدية والتطورات المرتبطة بخدمات البريد في مختلف مناطق سلطنة عمان، في محاولة لإيجاد حالة من التواصل المهني والاجتماعي بين موظفي القطاع والعاملين فيه.
ومن بين الأخبار التي نشرتها الصفحة، الإعلان عن افتتاح مكتب بريد المنطقة الجنوبية المركزي بصلالة في العاشر من يناير 1982م، بعد نقل خدمات مكتب بريد صلالة الفرعي إليه، إلى جانب افتتاح فرع جديد بمنطقة الحافة، وهو ما يعكس التوسع التدريجي الذي شهدته الخدمات البريدية بمحافظة ظفار خلال تلك الفترة.
كما تناولت الصفحة خبر افتتاح مكتب بريد مصيرة الجديد في الثلاثين من يناير 1982م، مع الإشارة إلى توفير مجموعة من الصناديق البريدية للراغبين في الاشتراك، الأمر الذي يكشف تنامي الاعتماد على الخدمات البريدية المنظمة في تلك المرحلة.
وأشارت الصفحة كذلك إلى افتتاح مكتب بريد نزوى الجديد بدلًا من المكتب القديم اعتبارًا من العشرين من مارس 1982م، مع تغيير أرقام الصناديق البريدية، في خطوة تعكس عمليات التحديث والتطوير التي كانت تشمل عدداً من المكاتب البريدية في السلطنة.
وتكشف صياغة الصفحة عن أسلوبٍ بسيط ومباشر في نقل الأخبار، يركّز على المعلومة الخدمية المرتبطة بالمواطن والموظف في آنٍ واحد. كما تعكس اللغة المستخدمة روحًا ودّية تحاول تقريب النشرة من العاملين في القطاع، إذ جاء في مقدمة الباب: “من هنا سوف نقطف لك عزيزي موظف البريد من كل بستان زهرة، من كل حقل من حقول البريد نقدم لك الخبر”.

من دمشق إلى الخوير.. التأهيل البريدي بوابةٌ لبناء الكفاءات العُمانية
أفردت “نشرة البريد” في عددها الأول مساحة للحديث عن الدورات التدريبية التي خضع لها موظفو قطاع البريد، في دلالة واضحة على الاهتمام المبكر ببناء الكوادر الوطنية وتأهيلها لمواكبة التطور الذي شهده قطاع البريد والاتصالات في سلطنة عُمان خلال مطلع الثمانينيات.
ففي باب (دورات تدريبية خارجية)، أشارت النشرة إلى نجاح الموظف سيف سليمان عبد الله الرواحي في اجتياز امتحان نهاية العام 1981م بالمعهد العالي العربي للبريد بدمشق، وحصوله على شهادة إجازة الدراسات البريدية العالية، كما تناولت ابتعاث الموظف عبد الله مال الله الزدجالي إلى المعهد ذاته اعتبارًا من العام الدراسي 1981/1982م.
أما باب (دورات تدريبية محلية)، فقد تناول مشاركة عدد من الموظفين في دورة اللغة الإنجليزية بمعهد الإدارة العامة بالخوير، من بينهم سعيد حمد سالم المسروري، وسعيدة عبد الواحد عبد الرسول، ومحمد ثاني الجابري، مع الإشارة إلى أن النشرة ستواصل نشر أسماء الموظفين الذين أنهوا دوراتهم التدريبية بنجاح.
وتكشف هذه الأخبار عن جانبٍ مهم من سياسة التحديث الإداري والمؤسسي التي انتهجتها السلطنة في تلك المرحلة، حيث لم يكن تطوير البنية البريدية قائمًا على إنشاء المكاتب وتوسيع الخدمات فحسب، بل شمل كذلك الاستثمار في العنصر البشري من خلال التدريب والتأهيل داخليًا وخارجيًا.

الطوابع البريدية.. حين تحوّل الطابع إلى سفيرٍ للهوية الوطنية
خصّصت “نشرة البريد” في عددها الأول بابًا بعنوان (هواة الطوابع)، تناولت فيه أهمية الطابع البريدي بوصفه أكثر من مجرد وسيلة لتخليص المراسلات، مشيرةً إلى تحوله مع مرور الوقت إلى أداةٍ للتعريف بالمنجزات الوطنية ووسيلة من وسائل الدعاية والتوثيق الحضاري.
وجاء في مقدمة الصفحة:" لقد كان طابع البريد مجرد وسيلة من وسائل التخليص على المراسلات وبيانًا لقيمة هذا التخليص. أما الآن فإن طابع البريد أصبح وسيلة من وسائل الدعاية والتقدم والازدهار“.
وتُظهر الصفحة اهتمام المديرية العامة للبريد بإصدار الطوابع التذكارية المرتبطة بالمناسبات الوطنية، حيث أشارت إلى إصدار أربعة طوابع بريدية خلال عام 1981م بمناسبة الاحتفال بيوم الشرطة، مع تقديم وصف تفصيلي لكل طابع من الطوابع الصادرة.
فقد مثّل الطابع الأول سيارة من الشرطة السائقة وهي تعبر طريق السيارات، إلى جانب صورة للسلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- وشعار شرطة عُمان السلطانية، بينما حمل الطابع الثاني صورة لفرقة موسيقى الشرطة وصورة السلطان وشعار الشرطة.
أما الطابع الثالث فقد تضمّن صورة لاثنين من أفراد شرطة الخيالة السلطانية، في حين جسّد الطابع الرابع أحد رجال الشرطة أثناء تأدية عمله، في تجسيد بصري يبرز تنوع المهام والأدوار التي تقوم بها المؤسسة الشرطية.
وتناول الطابع الرابع مبنى قيادة الشرطة مع صورة للسلطان قابوس بن سعيد في أحد الجوانب، وشعار شرطة عمان السلطانية في الجانب الآخر.

وتكشف هذه الصفحة عن وعيٍ مبكر بأهمية الطابع البريدي كوثيقة بصرية مصغّرة تحمل رسائل وطنية وثقافية، إذ لم تكن الطوابع مجرد أدوات بريدية، بل تحولت إلى سجلٍ يوثق المناسبات الوطنية، ويروّج للهوية العُمانية، ويعكس ملامح التطور المؤسسي الذي شهدته السلطنة في تلك المرحلة.
دائرة التعارف.. النشرة التي قرّبت زملاء المهنة من بعضهم
ضمن الطابع الاجتماعي الذي سعت " نشرة البريد" إلى ترسيخه بين موظفي وزارة البريد والبرق والهاتف، خصّصت النشرة بابًا بعنوان (دائرة التعارف)، هدفه التعريف بالعاملين في القطاع وإبراز جوانب من حياتهم المهنية والشخصية، في محاولة لتعزيز روح الألفة داخل مجتمع البريد العُماني.
وجاء في مقدمة الباب: “تقديرًا لمدى أهمية المعرفة بين الناس، نقدّم لك عزيزي موظف البريد هذا الباب لتتعرّف من خلاله على زملائك في العمل”.
وتبرز أهمية هذا الباب في كونه يعكس البعد الإنساني والاجتماعي للنشرة، إذ لم تكن مجرد مطبوعة تنقل الأخبار الإدارية، بل حاولت أن تصنع حالة من التقارب بين الموظفين العاملين في مناطق متباعدة من السلطنة، في زمن كانت فيه وسائل التواصل محدودة مقارنة بما هو قائم اليوم.

الصفحة المفتوحة.. مساحةٌ لبوح الموظف وإبداعه
من الأبواب اللافتة في العدد الأول من “نشرة البريد” صفحة حملت عنوان (الصفحة المفتوحة)، وهي صفحة خصصتها هيئة التحرير لتكون منبرًا حرًا لموظفي البريد كي يعبّروا من خلالها عن أفكارهم ومواهبهم وخواطرهم الأدبية والفنية.
وجاء في مقدمة الصفحة: “هذه الصفحة من إعدادات أنت، سوف نسمح لك بأن تكتب فيها قصتك وتعبّر من خلالها عن أفكارك ومشاعرك سواء في مجال البريد أو الأدب أو الفن”.
وتكشف هذه الصفحة عن رؤية تتجاوز الطابع الإداري التقليدي للنشرات الوظيفية، إذ حاولت نشرة البريد أن تصنع مساحة إنسانية وثقافية داخل بيئة العمل، تتيح للموظفين المشاركة بكتاباتهم وتجاربهم الشخصية، وتعزز الشعور بالانتماء للمؤسسة.
كما يظهر من صياغة الصفحة حرص هيئة التحرير على تشجيع المواهب الكامنة بين العاملين، حين أكدت أنها ترحب “بكل ما يجود به الخاطر”، وأنها تنتظر “الإنتاج الشخصي” للموظفين، في لغة تحمل روحًا ودّية أقرب إلى المجلات الثقافية والاجتماعية منها إلى النشرات الرسمية الجامدة.
واليوم تبدو هذه الصفحة شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة المكتوبة والخواطر الأدبية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسات، قبل أن تتغير أنماط التواصل والتعبير مع التحولات الرقمية المتسارعة.

من أرشيف الفن.. حضورٌ جمالي يوثّق معالم عُمان
لم تغفل " نشرة البريد" الجانب الفني والبصري، إذ خصّصت في صفحاتها بابًا بعنوان (من أرشيف الفن)، قدّمت من خلاله رسومات ولوحات تستلهم المعالم التاريخية والطبيعة العُمانية، في محاولة للجمع بين المادة الإخبارية واللمسة الجمالية داخل صفحات النشرة.
وتظهر في هذه الصفحة لوحة فنية لقلعةٍ عُمانية شامخة فوق مرتفع صخري، رُسمت بأسلوبٍ يعتمد على الخطوط الدقيقة والتظليل اليدوي، بما يعكس تأثر الرسومات الصحفية والفنية السائدة في تلك الفترة قبل انتشار تقنيات التصميم الرقمي الحديثة.
كما تضمّنت الصفحة فقرة قصيرة بعنوان (مفاجأة العدد القادم)، أشارت فيها هيئة التحرير إلى أنها ستقوم في العدد التالي بنشر أخبار مؤتمر هيئة بريد الخليج العربي الذي عُقد في مسقط خلال الفترة من 27 مارس حتى 5 أبريل 1982م، وهو ما يعكس حرص النشرة على متابعة الفعاليات البريدية الخليجية والإقليمية ذات الصلة بقطاع البريد والاتصالات.
وتكشف هذه الصفحة عن محاولة النشرة المزج بين الخبر والتوثيق الفني، بحيث لا تكون مجرد وسيلة لنقل المعلومات الإدارية، بل نافذة تحمل جانبًا من الذائقة الفنية والهوية البصرية المرتبطة بالمكان العُماني.

إرشادات بريدية.. قيم الخدمة والانضباط في بيئة العمل
من الصفحات التي تعكس طبيعة الثقافة الوظيفية التي سعت وزارة البريد والبرق والهاتف إلى ترسيخها بين موظفيها، صفحة بعنوان (إرشادات بريدية)، تضمّنت مجموعة من التوجيهات المهنية والأخلاقية المرتبطة بالتعامل مع الجمهور والمحافظة على الانضباط الوظيفي.
وجاءت الإرشادات بصياغة مباشرة ومختصرة، ركّزت على أهمية حسن التعامل مع المراجعين، إذ أكدت الصفحة أن " تعاملك مع الجمهور يكشف عن شخصيتك فكن لطيفًا لبقًا“. كما دعت الموظف إلى اعتبار أن ” الجمهور دائمًا على حق“، والتعامل معه على هذا الأساس.
كما تضمنت الإرشادات توجيهات تنظيمية مرتبطة بسير العمل داخل المكاتب البريدية، مثل تنظيم صفوف المراجعين وفق أسبقية الحضور، والمحافظة على المال العام من خلال الاقتصاد في استخدام أدوات العمل.
ولم تغفل الصفحة البعد الوطني والأخلاقي، حين أكدت أن " مصلحة الوطن فوق مصلحتك“، داعية الموظفين إلى الحفاظ على الأداء المتميز والتقيد بمواعيد العمل، في خطاب يعكس قيم الانضباط والإخلاص الوظيفي التي كانت المؤسسات الحكومية العُمانية تحرص على غرسها خلال سنوات البناء الأولى للنهضة الحديثة.
وتكشف هذه الصفحة عن جانبٍ مهم من طبيعة العمل البريدي في تلك المرحلة، حيث كان موظف البريد يمثل واجهة مباشرة للمؤسسة أمام المجتمع، الأمر الذي جعل أسلوب التعامل والسلوك المهني جزءًا أساسيًا من جودة الخدمة المقدمة للجمهور.

الغلاف الخلفي.. معرضٌ مصغّر لذاكرة الطوابع العُمانية في 1981م
جاء الغلاف الخلفي للعدد الأول من " نشرة البريد" أشبه بمعرضٍ بصري مصغّر يوثّق مجموعة الطوابع البريدية التي أصدرتها سلطنة عُمان خلال عام 1981م، في خطوة تعكس اهتمام وزارة البريد والبرق والهاتف بإبراز الطابع البريدي بوصفه سجلًا وطنيًا يوثّق المناسبات والأحداث والرموز الحضارية.
وقد حملت الصفحة عنوان (مجموعة الطوابع البريدية التي صدرت عام 1981)، وتضمّنت نماذج متنوعة من الإصدارات البريدية التي عكست موضوعات وطنية وثقافية وتاريخية متعددة، من بينها طوابع خاصة بالعيد الوطني، ويوم القوات المسلحة، ويوم الشرطة، واليوم العالمي للغذاء، إلى جانب طوابع أخرى تستلهم التاريخ البحري العُماني والهوية الحضارية للسلطنة.
وتظهر في بعض الطوابع صور السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- مصحوبة بمشاهد من القوات المسلحة والشرطة والخيالة السلطانية، في حين حملت طوابع أخرى رسومات لسفن ومشاهد بحرية تعكس ارتباط عُمان التاريخي بالبحر والملاحة.
كما تكشف الصفحة عن التنوع الفني في تصميم الطوابع العُمانية خلال تلك المرحلة، سواء من حيث الألوان أو أساليب الرسم أو الموضوعات المختارة، بما يؤكد أن الطابع البريدي لم يكن مجرد وسيلة بريدية، بل قطعة فنية مصغّرة تحمل رسائل وطنية وثقافية وتوثيقية.
ويبدو واضحًا أن اختيار هذه الصفحة لتكون الغلاف الخلفي للنشرة لم يكن أمرًا عابرًا، بل محاولة لتقديم حصيلة بصرية لأبرز الإصدارات البريدية في العام السابق، وتعزيز الاهتمام بهواية جمع الطوابع بين القراء وموظفي البريد.

أهمية الاصدار
تكمن أهمية إصدار العدد الأول من " نشرة البريد" في كونه يُعدّ واحدًا من أوائل الإصدارات الإعلامية المتخصصة التي وثّقت ملامح تطور قطاع البريد والاتصالات في سلطنة عُمان خلال سنوات النهضة الحديثة، كما أنه يعكس جانبًا من التحول المؤسسي والإداري الذي شهدته أجهزة الدولة في مطلع الثمانينيات.
وتبرز أهمية هذا الإصدار من عدة جوانب؛ فهو من جهةٍ يوثّق مراحل التوسع في الخدمات البريدية وافتتاح المكاتب الجديدة وتدريب الكوادر الوطنية، ومن جهةٍ أخرى يكشف عن بدايات الوعي بالإعلام المؤسسي داخل الوزارات الحكومية، من خلال إصدار نشرة دورية تجمع بين الأخبار المهنية والجوانب الاجتماعية والثقافية للعاملين.
كما يمثل الإصدار سجلًا بصريًا وتوثيقيًا مهمًا للطوابع البريدية العُمانية، التي لم تكن مجرد أدوات لتخليص الرسائل، بل وسيلة لإبراز الهوية الوطنية وتوثيق المناسبات والإنجازات المختلفة.
وتزداد قيمة النشرة اليوم لكونها تقدم صورة عن طبيعة الحياة الوظيفية والثقافة الإدارية في تلك المرحلة، بما تحمله من اهتمام ببناء العلاقات الإنسانية بين الموظفين، وتشجيع المواهب، وترسيخ قيم الانضباط وخدمة الجمهور.
ولذلك فإن " نشرة البريد" لا تُقرأ اليوم بوصفها مطبوعة مهنية عابرة، بل باعتبارها وثيقة تاريخية وإعلامية تحفظ جانبًا من ذاكرة المؤسسات العُمانية، وتعيد استحضار مرحلةٍ كانت فيها الرسالة الورقية والطابع البريدي جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في المجتمع العُماني.





