أثير- الركابي حسن يعقوب
مقولة للكاتب والدبلوماسي الإيطالي “نيكولو مكيافيلي” الذي عاش في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، قالها الرجل فنالت شهرة واسعة وسارت بها الركبان وأصبحت قاعدة ثابتة راسخة ، وهي إحدى المقولات الفلسفية التي لم يقتصر مدلولها على المعنى الفلسفي النظري المجرد ، بل تعداه إلى النطاق الواقعي التطبيقي، وهي مقولة صدّقتها الوقائع والحالات والتجارب الواقعية عبر التاريخ.
يقول نيكولو مكيافيلي (يمكنك بدء الحرب متى شئت، لكن لا يمكنك إنهائها متى شئت)!
لقد أبدع مكيافيلي في صياغة هذه المقولة الذهبية، وهي مقولة لم تأتِ من فراغ ولا من مجرد تصور مجرد أو خيال جامح ، بل هي نتاج نظر وبحث وتأمل وتفكر في وقائع التاريخ وتجارب الحضارات، وما وقع فيها من حروب واقتتال وصراعات ومواجهات بين الأمم السابقة لأسباب مختلفة، بدءاََ من الصراع حول الموارد الأولية وانتهاء بالصراع حول النفوذ وتوسيع الممالك والامبراطوريات، وقد صدّقت الوقائع التاريخية وحروب الأمم السالفة هذه المقولة الشهيرة لنيكولو مكيافيلي ، فإمضاء قرار الحرب والمبادرة بشنها لطالما كان أمراََ هيناََ سهلاََ لا عنت فيه/ ويستوي في ذلك إن كان الدافع مجرد “غضبة” عارضة ، أو بناء على قرار مدروس بتأني وروية، فالأمر سيان والنتيجة واحدة، وهي صعوبة إنهاء الحرب في الوقت الذي يريده من بدئها أول مرة.
وهذه المقولة تنطبق على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي يتابع العالم تطوراتها ووقائعها يوماً بيوم ولحظة بلحظة، وأصبحت الشغل الشاغل للناس في أرجاء المعمورة وقضية رأي عام عالمي، فأحد طرفيها دولة عظمى وهي بمقاييس القوة المادية العسكرية والسياسية والاقتصادية أقوى دولة موجودة الآن على كوكب الأرض، وهي أمريكا.
وطرفها الثاني دولة ذات نفوذ إقليمي وثقل اقتصادي معتبر في المنطقة وخلفية حضارية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، لكنها لا تضاهي قوة أمريكا والبون بينهما شاسع والفارق بينهما في عناصر القوة المادية كبير وغير متكافئ، وميزان القوة فيه تميل كفته لصالح أمريكا.
بدأت أمريكا الحرب على إيران بمحض اختيارها وفي التوقيت الذي اختارته ورأته مناسباََ لها ولتقديراتها وتجهيزاتها العسكرية وعتادها الحربي وما يستتبع ذلك من خطط واستراتيجيات وتكتيكات وحرب نفسية ودعائية مساندة للمجهود الحربي.
وقد حبس العالم يومها أنفاسه في انتظار النتيجة في مواجهة غير متكافئة بكل المقاييس المادية، مع اليقين بأن الأمر لن يستغرق وقتاََ طويلاََ وينجلي غبار المعركة عن خروج المارد الأمريكي منتصراََ وقد قضى على خصمه الصغير.
لكن ذلك لم يحدث قط، فقد كانت مقولة مكيافيلي حاضرة تحمل بين طرفيها المعادلة الموزونة تماماً مثل المعادلات الكيميائية، معادلة تحمل إثبات ونفي، إثبات القدرة على بدء الحرب في توقيت محدد، ونفي القدرة على إنهائها في توقيت محدد. ورغم أن المقولة قديمة وصدقها الواقع، إلا أن من بأيديهم قرار الحرب تعمى أبصارهم عن رؤيتها وربما تجاهلوها بسبب غرور القوة الذي يعمي البصيرة فيكررون الخطأ مرات ومرات ويقعون في المحذور بإرادتهم واختيارهم.
بدأت أمريكا الحرب على إيران في التوقيت الذي أرادته، لكنها لم تستطع إنهائها في الوقت الذي تريده، ولا بالكيفية التي تريدها، ولم تستطع أمريكا بكل جبروتها وعنفوانها كسر هذه القاعدة الميكيافيلية لتكون استثناءً عليها، فالقاعدة لم تستثني من فرضيتها قوياََ أو ضعيفاََ بل هي معممة على الكل وتسري على الجميع.
حاولت أمريكا مرات عديدة وضع نهاية للحرب وتحينت لذلك الفرص لكنها لم تستطع، لم تكن كل التوقيتات المتاحة مناسبة لها للخروج وإعلان انتهاء الحرب فمثلها لا بد أن تخرج منتصرة، أو على الأقل تكون النهاية مشرفة حتى وإن لم يكن نصراََ بائناََ بينونة كبرى.
ورطة أمريكا الآن أنها أصبحت بين المطرقة والسندان، أو كما يقول المثل الانجليزي Between the devil and the deep sea.
مطرقة الاستمرار في الحرب والتوغل في وحلها، وسندان الإعلان عن إنهائها في هذا التوقيت الذي هو الأسوأ بالنسبة لها، فالنصر الذي يليق بها كقوة عظمى ليس فقط في تدمير المنشآت واغتيال القيادات وإغراق الزوارق الحربية، وإنما النصر الحقيقي هو في تحقيقها لأهدافها التي أعلنتها وشنت على أساسها الحرب وهي أهداف أجمع المراقبون الأمريكيون قبل غيرهم أنها لم يتحقق منها شيء حتى الآن، ولا يُرى في الأفق أية بوادر لنصر قادم حتى وإن تضاعفت الضربات أضعافاََ مضاعفة وتكثف القصف.
فالاستمرار في الحرب قد يحدث دماراََ ويلحق الضرر في الداخل الإيراني لكنه في نفس الوقت يزيد من تفاقم أزمة الطاقة في الداخل الأمريكي، فكل مقذوفة تطلقها المقاتلات الأمريكية صوب الأراضي الإيرانية يتلوها إغلاق لمضيق هرمز وتتعطل الملاحة وتزداد أزمة الطاقة عالمياََ وترتفع أسعار الوقود والسلع في الداخل الأمريكي ليتحملها المواطن الأمريكي الذي لا يرى في الحرب على إيران جدوى ولا فائدة، وبالتالي يتزايد الضغط الشعبي الداخلي على إدارة ترامب لوقف الحرب والانسحاب أو على الأقل التوصل لتسوية نهائية.
إذن فإن الاستمرار في الحرب يعتبر استمرار في إلحاق الأذى بالداخل الأمريكي بطريقة غير مباشرة، ومن ثم زيادة الضغط على الرئيس ترامب ومطالبته بالانسحاب.
ستجد أمريكا نفسها بعد حين أمام خيار قديم جديد، متكرر، خَبِرته من لدن حرب فيتنام وحتى أفغانستان لا مفر لها من الأخذ به مرة أخرى، وهو أن تنفض يدها عن الحرب وتنسحب منها “بشرف” وعلى قاعدة (ليس بالإمكان أحسن مما كان).
الجنرال الفرنسي “فرديناند فوش” هو كاتب وجنرال اختير رئيساً لأركان الجيوش الفرنسية وقائداََ أعلى لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وكان للجنرال فوش سائقاََ يُدعى “بيير” يسأله الجيران عندما يعود مساءاََ إلى منزله كل يوم متى تنتهي الحرب يا بيير فيقول لهم “الجنرال لم يقل شيئاً “، وذات يوم حينما سألوه أجابهم قائلاََ “اليوم تكلم الجنرال”.. فسألوه بلهفة وماذا قال الجنرال ؟ فقال لهم بيير “سألني متى تنتهي الحرب يا بيير.. ؟!!.
فهل سيجد ترامب نفسه قريباََ مضطراََ لسؤال وزير حربيته “متى تنتهي الحرب يا هيغسيث”؟..





