أجهزة التكييف بين الانقسام الأوروبي ومكاسب الشركات الآسيوية

يستعرض المقال حالة الانقسام السياسي في أوروبا بشأن استخدام أجهزة التكييف لمواجهة موجات الحر، ويحلل كيف تستغل شركات شرق آسيا هذه الحاجة المتزايدة لاختراق السوق الأوروبية.

أجهزة التكييف بين الانقسام الأوروبي ومكاسب الشركات الآسيوية
أجهزة التكييف بين الانقسام الأوروبي ومكاسب الشركات الآسيوية
أثير- ناصر الحارثي
تعاني أوروبا في السنوات الأخيرة من موجات ارتفاع في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، والتي تسببت وفقًا لمنظمة الصحة العالمية في وفاة ما يقارب 200 ألف شخص خلال السنوات الأربع الماضية، ويبدو أن الحل سهل ومتاح في الأسواق، وهو اللجوء إلى استخدام أجهزة التكييف، كما جاء في الدعوة الساخرة لإيلون ماسك على منصة إكس عندما دعا الأوروبيين إلى استخدام أجهزة التكييف، إلا أن الأمر أكثر تعقيدًا في القارة العجوز، التي اعتادت الاستمتاع بفصل الصيف ودفء أشعة الشمس، وذلك لأسباب سياسية وتقنية.
الانقسام السياسي حول التغير المناخي
من المفارقات السياسية أن قضية التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة كانت من أبرز الملفات التي تبنتها الأحزاب اليسارية ضمن خططها لمواجهة الاحتباس الحراري وتحقيق الحياد الكربوني في أوروبا بحلول عام 2050، في حين كانت الأحزاب اليمينية تعتبر التغير المناخي مجرد أكذوبة سياسية تروج لها التيارات اليسارية المتطرفة، وأن ارتفاع درجات الحرارة ظاهرة طبيعية تمر بها الأرض كل عدة سنوات، ولا علاقة لها باستهلاك الطاقة أو الانبعاثات الكربونية.
وعندما ارتفعت درجات الحرارة هذا الصيف وتجاوزت 40 درجة مئوية أصبحت الأحزاب اليمينية تولي اهتمامًا متزايدًا بملف الحرارة، ولكن من زاوية مختلفة، تتمثل في المطالبة بالإسراع في استخدام أجهزة التكييف على نطاق واسع لمواجهة موجات الحر، وفي هذا السياق، صرح مارك برنارد، المتحدث باسم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) لشؤون البناء، بأن حزبه سيوقف “التضحية بالناس على مذبح أيديولوجية المناخ”، مثل تصنيفات كفاءة الطاقة، مضيفًا: “إن الهستيريا المناخية تؤدي إلى المزيد من الوفيات المرتبطة بالحرارة بسبب أخطاء البناء الأيديولوجية، مثل الامتناع عن استخدام مكيفات الهواء”، كما طرح حزب التجمع الوطني اليميني في فرنسا خطة لتوسيع استخدام أنظمة التكييف على نطاق واسع بدعم حكومي.
في المقابل، ترى الأحزاب اليسارية أن التوسع غير المدروس والاعتماد المفرط على أجهزة التكييف سيزيدان من استهلاك الطاقة ويقوضان أهداف أوروبا في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، ويركز الاتحاد الأوروبي، في النسخة المحدثة من توجيه أداء الطاقة في المباني (EPBD)، على جعل المباني نفسها أكثر قدرة على مقاومة الحرارة، كما ترى هذه الأحزاب أن زيادة استخدام أجهزة التكييف سترفع واردات هذه الأجهزة إلى السوق الأوروبية، وتزيد فواتير الكهرباء والطلب على الطاقة، بينما يكمن الحل المستدام في تطوير تصميم المباني والمدن بما يقلل الحاجة إلى التكييف، والاعتماد على أجهزة عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة، خاصة في المرافق الحيوية والمنازل الأكثر تعرضًا لمخاطر موجات الحر، أو استخدام أجهزة تعمل بالطاقة المتجددة.
جدل تنظيمي وعجز في السوق الأوروبية
تعاني دول جنوب أوروبا، مثل إسبانيا وإيطاليا، من ارتفاع درجات الحرارة، ويزيد معدل انتشار أجهزة التكييف في المنازل فيها عن 50%. كما امتدت موجات الحر إلى دول وسط أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا، حيث تتراوح نسبة انتشار أجهزة التكييف بين 10% و20%، مما تسبب في فوضى سياسية واجتماعية وتزايد الطلب المحموم على أجهزة التكييف في الأسواق الأوروبية.
ولأن التشريعات الأوروبية تضع معايير صارمة لاستهلاك الطاقة، فقد قيدت بعض الدول استخدام أجهزة التكييف في المباني العامة إلا عند تجاوز درجات الحرارة 25 أو 26 درجة مئوية، بهدف الحد من الاستهلاك المفرط للطاقة، كما أن هذه القيود أثارت انتقادات واسعة، خاصة مع تزايد المطالب بتوفير أجهزة التكييف في المدارس والمؤسسات الصحية ودور رعاية المسنين لحماية الأطفال وكبار السن من مخاطر موجات الحر.
شركات التكييف الأوروبية خارج النطاق
لا يزال حجم الشركات الأوروبية العاملة في قطاع التكييف محدودًا مقارنة بنظيراتها الآسيوية، كما أنها لا تمتلك الخبرة التراكمية ذاتها، نتيجة تركيز أوروبا لعقود على تطوير أنظمة التدفئة أكثر من أنظمة التبريد، أضف إلى ذلك أن التشريعات الأوروبية الخاصة بكفاءة الطاقة، إلى جانب طبيعة كود البناء الأوروبي، لم تشجع على الانتشار الواسع لأجهزة التكييف أو تسهّل تركيبها في المباني، خصوصًا المباني القديمة.
الشركات الآسيوية تضخ المليارات
استعدت شركات شرق آسيا مبكرًا لهذه المرحلة، واستثمرت خبراتها المتراكمة على مدى عقود في صناعة أجهزة التكييف لدخول السوق الأوروبية، خاصة وأن السوق الأوروبية تُعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، والوصول إليها يمثل فرصة استراتيجية مع انخفاض انتشار أجهزة التكييف في مبانيها والتي لا تزال في حدود 20%، وهي من أدنى النسب عالميًا، ما يعني وجود إمكانات نمو كبيرة خلال السنوات المقبلة.
- اليابان: ركزت شركات (دايكن (Daikin) وميتسوبيشي إلكتريك وباناسونيك) على تطوير أجهزة تكييف منخفضة الانبعاثات ومتوافقة مع سياسات الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار، افتتحت شركة دايكن، التي تعد من أكبر الشركات العالمية في قطاع التكييف، عددًا من المصانع في بلجيكا وألمانيا والتشيك وإيطاليا، لتصبح منتجاتها أكثر توافقًا مع متطلبات السوق الأوروبية.
- كوريا الجنوبية: استثمرت شركتا (سامسونج وإل جي) خبراتهما في تطوير أجهزة تكييف تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عقدتا شراكات مع عدد من الشركات الأوروبية لتسهيل التوسع في السوق الأوروبية وتعزيز شبكات التوزيع وخدمات ما بعد البيع.
- الصين: تعد الصين أكبر دولة مصنعة لأجهزة التكييف في العالم، وقد سعت شركاتها، مثل (Midea وGree وHaier)، إلى تطوير حلول تركيب وتوزيع تتناسب مع طبيعة المباني الأوروبية القديمة، إضافة إلى الاستحواذ على عدد من الشركات الأوروبية وإنشاء مراكز توزيع متعددة لتعزيز حضورها في مختلف الأسواق الأوروبية.
المصادر:
1. المفوضية الأوروبية – توجيه أداء الطاقة في المباني (Energy Performance of Buildings Directive – EPBD)
2. منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لأوروبا (WHO Europe) – Heat and Health
3. يوروستات (Eurostat) – Energy Statistics & Cooling Degree Days
4. صحيفة الجارديان
The Guardian – From ‘heat panic’ to ‘sacrificed at the altar’: Europe’s air-conditioning culture wars heat up

شارك هذا الخبر