أثير: أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الأسرية
في كل لقاء عائلي أو مناسبة اجتماعية قد تجد فتاة نفسها محاصرة بأسئلة تتكرر بلا مراعاة: لماذا لم تتزوجي؟ لماذا لم تكملي دراستك؟ ألم تجدي وظيفة حتى الآن؟ متى ستصبحين أمًّا؟ قد يظن من يطرح هذه الأسئلة أنها مجرد كلمات عابرة أو نوع من الاهتمام لكنها قد تلامس جرحًا خفيًا وتعيد إلى الفتاة مشاعر الألم والقلق. فليس كل ما نراه قابلًا للسؤال وليست خصوصيات الآخرين مساحة مفتوحة للنقاش وإبداء الآراء.
أسئلة تبدو بسيطة… لكنها موجعة
تعيش بعض الفتيات ظروفًا لا يعرف تفاصيلها إلا هن، فقد تتأخر إحداهن في الالتحاق بالتعليم الجامعي أو تبحث طويلًا عن فرصة عمل أو يتأخر زواجها أو تمر بتجربة انفصال أو تنتظر نعمة الأمومة. وهذه الأمور لا تخضع دائمًا لرغبات الإنسان أو اجتهاده وحده بل تتداخل فيها ظروف الحياة وأقدارها. إن تكرار الأسئلة والتعليقات والمقارنات لا يغير الواقع وإنما يزيد الضغوط النفسية ويجعل الفتاة تشعر بأنها مطالبة بتبرير حياتها أمام الآخرين. وربما يدفعها ذلك إلى تجنب المناسبات والانسحاب من المحيط الاجتماعي خوفًا من مواجهة الأسئلة ذاتها.
الحياة ليست سباقًا واحدًا
اعتاد المجتمع أن يضع مراحل محددة للنجاح شهادة جامعية ثم وظيفة ثم زواج ثم أبناء. وعندما تتأخر إحدى هذه المراحل تبدأ الأحكام وكأن هناك توقيتًا موحدًا يجب أن يسير عليه الجميع. لكن الحياة لا تسير بالطريقة نفسها مع كل إنسان. فقد تنجح فتاة في مجال وتتأخر في آخر وقد تحقق ذاتها بطريقة تختلف عن الصورة السائدة للنجاح. ولا يعني عدم حصولها على مقعد جامعي أو وظيفة مناسبة أو زواج أو أمومة أنها أقل قيمة أو أنها لم تبذل ما يكفي. فالإنسان لا تُقاس مكانته بما حققه من محطات اجتماعية فقط وإنما بما يحمله من أخلاق وقيم وبما يقدمه لنفسه وأسرته ومجتمعه.
حين تتحول المقارنة إلى ضغط
من أكثر الممارسات إيلامًا مقارنة الفتاة بقريباتها وصديقاتها فلانة تزوجت وفلانة حصلت على وظيفة وفلانة أصبحت أمًّا. وقد تقال هذه العبارات تحت عنوان التحفيز لكنها في حقيقتها قد تُشعر الفتاة بالنقص وتزرع داخلها الاعتقاد بأن حياتها متأخرة عن حياة الآخرين المقارنة لا تراعي اختلاف الظروف والفرص والاستعدادات كما أنها تختزل حياة الإنسان في جانب واحد. وما نراه من نجاح الآخرين لا يكشف بالضرورة عن التحديات التي مروا بها أو الثمن الذي دفعوه. لكل فتاة مسارها الخاص وما يناسب غيرها قد لا يناسبها وما تأخر عنها اليوم قد يأتي في الوقت الذي يحمل لها الخير والاستقرار.
الاهتمام الحقيقي لا يقتحم الخصوصية
هناك فرق كبير بين الاهتمام والتدخل. الاهتمام يسأل بلطف كيف حالك؟ هل تحتاجين إلى مساعدة؟ أما التدخل فيطالب بالتفاصيل ويكرر الأسئلة ويقدم أحكامًا ونصائح لم تُطلب. يمكننا التعبير عن المحبة بأساليب أكثر رحمة؛ كالدعاء والكلمة الطيبة والاستماع دون إصدار الأحكام وتقديم الدعم عندما يُطلب. وأحيانًا يكون أجمل ما نقدمه للآخرين هو احترام صمتهم وعدم اقتحام مساحاتهم الخاصة.
إلى كل فتاة: أنتِ لستِ مطالبة بتبرير حياتك
إلى كل فتاة أثقلتها الأسئلة أو أوجعتها المقارنات تذكري أنك لست مطالبة بتقديم تقرير عن حياتك لكل من يسأل ولا بالدفاع عن ظروف لم تختاريها. من حقك أن تضعي حدودًا واضحة ومهذبة تحمي خصوصيتك وراحتك النفسية. يمكنك استخدام إجابات قصيرة وحازمة، مثل: «أقدر اهتمامك لكنني أفضل الاحتفاظ بهذا الأمر لنفسي» أو: «عندما يكون لدي خبر مناسب سأخبركم» أو: «دعواتكم لي، ولا أرغب في الحديث عن هذا الموضوع». لا تحتاجين إلى شرح طويل فالتفسير الزائد قد يفتح الباب لأسئلة جديدة. وإذا تكرر السؤال أعيدي الإجابة نفسها بهدوء ثم غيّري موضوع الحديث أو انتقلي إلى مكان آخر. فالحدود لا تحتاج إلى غضب لكنها تحتاج إلى الثبات.
كيف تستعدين للمناسبات الاجتماعية؟
إذا كنتِ تعرفين أن بعض اللقاءات قد تحمل أسئلة محرجة فاستعدي لها مسبقًا. اختاري جملة مناسبة ودرّبي نفسك على قولها بثقة واتّفقي مع شخص قريب تثقين به ليغير مسار الحديث أو يدعمك عند الحاجة.
احرصي أيضًا على الجلوس بالقرب من الأشخاص الذين يمنحونك شعورًا بالأمان وحددي المدة التي تناسبك للبقاء في المناسبة. وإذا شعرتِ بأن الحديث أصبح مؤذيًا فمن حقك الاعتذار والابتعاد لبعض الوقت دون شعور بالذنب. لكن تجنبي أن يتحول الخوف إلى عزلة دائمة فالانسحاب المستمر قد يمنح هذه الأسئلة سلطة أكبر على حياتك. شاركي بالطريقة والمدة اللتين تناسبانك، ولا تسمحي للآخرين بأن يحرموك من علاقاتك ومناسباتك الجميلة.
كيف تتعاملين مع أثر الكلمات؟
قد تنتهي المناسبة لكن يبقى السؤال المؤلم في الذاكرة. وهنا من المهم ألا تلومي نفسك على تأثرك فالحزن والانزعاج مشاعر طبيعية ولا يعنيان أنك ضعيفة. امنحي نفسك وقتًا لتهدئي وتحدثي إلى شخص آمن واكتبي ما شعرتِ به بدلًا من كتمانه. واسألي نفسك: هل ما قيل حقيقة أم مجرد حكم اجتماعي؟ ثم استبدلي الفكرة المؤذية بفكرة أكثر عدلًا: «تأخر أمر في حياتي لا يعني أن حياتي متأخرة» و«قيمتي لا يحددها الزواج أو الوظيفة أو الإنجاب» و«لي مساري ووقتي وظروفي الخاصة». تجنبي مراقبة حياة الآخرين ومقارنة تفاصيلك بما يعرضونه خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي فما يُنشر عادة هو أجمل اللقطات وليس الصورة الكاملة للحياة.
لا تجعلي الانتظار يوقف حياتك
قبول القدر لا يعني الاستسلام أو التوقف عن السعي. فإذا تأخر التعليم فابحثي عن مسارات أخرى للتعلم وتنمية المهارات. وإذا تأخرت الوظيفة فاعملي على تطوير خبراتك ووسعي شبكة علاقاتك واستفيدي من فرص التدريب والعمل التطوعي. وإذا تأخر الزواج فلا تجعلي الانتظار يختصر حياتك كلها اهتمي بصحتك وعلاقاتك واهتماماتك ورسالتك الشخصية. ركزي على ما يمكنك التحكم فيه واتركي ما لا تملكينه لله. وضعي لنفسك أهدافًا صغيرة قابلة للتحقيق لأن الشعور بالتقدم ولو كان بسيطًا يعيد إلى النفس الثقة والأمل.
متى تحتاجين إلى مساعدة متخصصة؟
إذا تحولت هذه الضغوط إلى حزن مستمر أو قلق شديد أو اضطراب في النوم والشهية أو عزلة اجتماعية أو فقدان للمتعة أو شعور متكرر بعدم القيمة فلا تترددي في طلب الدعم من أخصائية نفسية موثوقة. طلب الاستشارة ليس ضعفًا بل خطوة شجاعة لفهم المشاعر وتعلم مهارات التعامل معها. أما إذا راودتك أفكار بإيذاء نفسك أو فقدان الرغبة في الحياة فاطلبي المساعدة فورًا من شخص موثوق ومن الجهات الصحية المختصة ولا تبقي وحدك.
رفقًا بالفتيات
نحتاج إلى مراجعة لغة أحاديثنا في المجالس والمناسبات وأن نتوقف قبل طرح أي سؤال شخصي: هل يحق لي أن أسأل؟ هل قد يسبب سؤالي ألمًا؟ وهل سأقدم مساعدة حقيقية أم أشبع فضولي فقط؟ الرفق ليس مجاملة اجتماعية بل وعي بأثر الكلمات في النفوس. فالتأخر في الدراسة أو العمل أو الزواج أو الأمومة ليس عيبًا ولا ضريبة تدفعها الفتاة أمام المجتمع. ولكل فتاة نقول: لو كنتِ قادرة على اختيار كل تفاصيل قدرك لاخترتِ لنفسك الأجمل لكن الحياة تسير بين السعي والتقدير. فافعلي ما تستطيعين واحفظي حدودك واعتني بنفسك ولا تسمحي لسؤال عابر بأن يختصر قيمتك أو يحجب عنك جمال ما تحقق في حياتك. فلكل إنسان رزقه ووقته ومساره وما خفي عنا من ظروف الآخرين يدعونا إلى الرحمة لا إلى إصدار الأحكام.





