أثير – مـحـمـد الـعـريـمـي
خلال السنوات الأخيرة، شهد العالم أكثر من مرة ارتفاعا في إنتاج النفط بالتزامن مع تراجع العائدات المالية. ففي عام 2020 انهارت أسعار النفط العالمية رغم استمرار تدفق ملايين البراميل يوميا إلى الأسواق، وفي عامي 2024 و2025 واجهت الدول المنتجة تحديا مختلفا تمثل في تباطؤ الطلب العالمي وتقلبات الأسعار الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وسياسات إدارة المعروض النفطي. وفي كل تلك الحالات، أثبتت الأسواق أن البرميل يقاس بثمنه لا بحجمه.
هذه الحقيقة تظهر بوضوح في البيانات العُمانية الأخيرة، ذلك أن النشرة الإحصائية الشهرية لشهر مايو 2026 وبيانات الميزان التجاري تكشفان مفارقة لافتة: إنتاج النفط ارتفع، والصادرات النفطية ارتفعت، بينما تراجعت قيمة الصادرات النفطية والغازية. وللوهلة الأولى يبدو الأمر متناقضا، لكنه في الواقع يعكس الفارق الجوهري بين ”الكمية“ و”القيمة”.
حتى نهاية أبريل 2026 بلغ إنتاج النفط في سلطنة عمان 127.3 مليون برميل، وارتفعت الصادرات النفطية بنسبة 2.7% لتتجاوز 102 مليون برميل. وفي المقابل انخفضت قيمة صادرات النفط والغاز بنهاية مارس بنسبة 13% لتصل إلى نحو 3.35 مليار ريال عماني، بينما تراجعت قيمة صادرات النفط الخام وحدها بنسبة 14.4%. ويكمن تفسير هذه المفارقة في تراجع متوسط سعر النفط العُماني بنحو 15.4% ليصل إلى 64.2 دولارًا للبرميل، وفق بيانات وزارة الطاقة والمعادن والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
تكشف هذه الأرقام أن الاقتصاد النفطي لا تحكمه معادلة الإنتاج وحدها. فالعائد النهائي يتشكل عند نقطة التقاء أربعة عوامل رئيسية: حجم الإنتاج، ومستوى الأسعار العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، والظروف الجيوسياسية التي تؤثر في حركة التجارة والطاقة. ومن هنا نطرح سؤال القيمة الاقتصادية.
ظاهريا تبدو هذه الأرقام متناقضة، لكنها في الواقع تعكس طبيعة أسواق الطاقة العالمية، وهكذا يظهر العامل الحاسم في المعادلة؛ إذ انخفض متوسط سعر النفط العُماني بنسبة 15.4% ليصل إلى 64.2 دولارًا للبرميل، مقارنة بنحو 75.9 دولارا خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وبمعنى عملي، خسرت كل برميل مُصدّرة ما يقارب 12 دولارًا من قيمتها مقارنة بعام 2025. وعندما يُضرب هذا الفارق في أكثر من 102 مليون برميل من الصادرات النفطية، تتضح الفجوة الكبيرة بين ارتفاع الكميات وتراجع الإيرادات.
بصيغة أخرى، يمكن للاقتصاد أن يبيع كميات أكبر من النفط، لكنه يحصل على أموال أقل إذا كانت الأسعار العالمية تتحرك في الاتجاه المعاكس. ويعود ذلك إلى أن النفط سلعة عالمية تخضع لمنطق العرض والطلب أكثر مما تخضع لقرارات المنتجين الأفراد لأن زيادة الإنتاج في دولة واحدة لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات إذا كانت الأسواق تواجه تباطؤا في الطلب أو وفرة في المعروض. وفي مثل هذه الحالات، قد تضطر الدول المنتجة إلى ضخ كميات أكبر من النفط للحفاظ على مستوى إيراداتها، بينما تجد نفسها في الوقت ذاته تساهم في سوق تضغط بدورها على الأسعار.
وقد جاء تراجع الأسعار خلال الأشهر الماضية في ظل مجموعة من العوامل الدولية المتداخلة أبرزها الزيادة تدريجية في الإمدادات العالمية مع عودة جزء من الإنتاج الذي كانت دول تحالف أوبك+ قد خفضته سابقًا، في وقت تراجعت فيه توقعات النمو الاقتصادي العالمي مقارنة بالسنوات التي أعقبت جائحة كورونا. كما ساهم تباطؤ النشاط الصناعي والعقاري في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم وأحد أهم الأسواق للخام العُماني، في تقليص وتيرة نمو الطلب على الطاقة.
ولعل هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لعُمان، لأن الجزء الأكبر من صادراتها النفطية يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين. ولذلك فإن أي تغير في الطلب الآسيوي أو في توقعات النمو الاقتصادي هناك ينعكس بسرعة على أسعار النفط التي تحصل عليها الدول المصدرة في المنطقة.
بناء عليه، ينظر الاقتصاديون إلى الإيرادات النفطية باعتبارها حاصل ضرب عاملين لا عامل واحد: حجم الصادرات وسعر البيع. وأي اختلال في أحدهما يمكن أن يلغي أثر الآخر بالكامل. فإذا ارتفعت الكميات بنسبة محدودة وتراجعت الأسعار بنسبة أكبر، تكون النتيجة النهائية انخفاضًا في العائدات، وهو ما تكشفه الأرقام العُمانية بوضوح خلال الأشهر الأولى من عام 2026.
وتكشف هذه البيانات أيضًا فارقًا مهمًا بين مؤشرين غالبًا ما يجري الخلط بينهما: الإنتاج والإيرادات. فالإنتاج مؤشر تشغيلي يقيس ما يخرج من الحقول النفطية، بينما تمثل الإيرادات مؤشرا اقتصاديًا يقيس القيمة التي تدخل إلى الاقتصاد الوطني. وقد يرتفع المؤشر الأول في الوقت الذي يتراجع فيه الثاني، كما يحدث اليوم.
وليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها السلطنة هذا النوع من المفارقات. فقد شهدت عُمان، كما بقية الدول المصدرة للنفط، تجارب مشابهة خلال انهيار الأسعار في عامي 2014 و2020، حين تراجعت الإيرادات بوتيرة أسرع من تراجع الإنتاج. وأسهمت تلك التجارب في تعزيز القناعة بأن الاستقرار المالي طويل الأمد لا يتحقق عبر زيادة الإنتاج وحدها، بل عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على توليد الدخل من مصادر متعددة.
ما الذي يقتطع من قيمة البرميل؟
لا تتوقف معادلة القيمة عند السعر العالمي فقط. فهناك عوامل أخرى تؤثر فيما يمكن تسميته ”القيمة الصافية“ التي تصل إلى الاقتصاد. ورغم الميزة الإستراتيجية التي تتمتع بها سلطنة عُمان بإطلالتها المباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي بعيدًا عن عنق الزجاجة في مضيق هرمز، وما يوفره ذلك من مرونة أكبر في حركة الصادرات النفطية، فإن المنطقة تبقى جزءًا من بيئة جيوسياسية تؤثر بصورة مباشرة في تجارة الطاقة.
فأي توترات إقليمية أو اضطرابات في الممرات البحرية تنعكس على تكاليف التأمين والشحن البحري، وهي تكاليف تُخصم في النهاية من العائد الاقتصادي المتحقق من الصادرات. وعندما تتزامن أسعار أقل مع تكاليف نقل ومخاطر أعلى، تتراجع القيمة النهائية المتولدة من كل برميل، حتى لو ارتفع عدد البراميل المصدرة.
بالنسبة للمالية العامة، فإن الفجوة بين الكمية والقيمة تعني أن زيادة النشاط الإنتاجي لا تضمن تلقائيًا زيادة الموارد المالية للدولة.
فالاعتماد على رفع الإنتاج لتعويض تراجع الأسعار يظل خيارًا محدود الفاعلية، لأن الإيرادات النهائية تبقى مرتبطة بعوامل خارجية تتحكم فيها الأسواق العالمية أكثر مما تتحكم فيها قرارات الإنتاج المحلية.
وفي مثل هذه الحالات قد ترتفع الكميات المباعة بينما تبقى الإيرادات مستقرة أو تتراجع، ما يقلل من الأثر المتوقع على الفائض المالي وقدرة الدولة على توسيع الإنفاق أو تسريع تنفيذ المشروعات التنموية.
وتكشف هذه المعادلة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد من النفط فحسب، بل في كيفية حماية الاقتصاد من تقلبات القيمة الناتجة عن تغيرات السوق العالمية.
هل التنويع فعال؟
إذا كانت الإيرادات النفطية تتأثر بعوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها، فإن أهمية التنويع الاقتصادي تصبح أكثر وضوحا. فكلما ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية في الصادرات والدخل الوطني، تراجعت حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.
غير أن البيانات تشير إلى أن الصادرات غير النفطية لم تتمكن خلال الفترة نفسها من تعويض التراجع في العوائد النفطية، إذ سجلت انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0.6% لتبلغ نحو 1.6 مليار ريال عُماني. كما أظهرت بعض الصناعات التحويلية المرتبطة بإضافة قيمة أعلى للموارد الطبيعية تحديات إنتاجية، من بينها تراجع إنتاج البولي بروبولين بنسبة 25.7%.. ويعني ذلك أن قضية التنويع أصبحت ضرورة اقتصادية تتأكد أهميتها كلما كشفت الأسواق العالمية هشاشة الاعتماد على مصدر واحد للدخل.
ما وراء الأرقام
تكشف البيانات الأخيرة حدود النظر إلى الإنتاج النفطي بوصفه المؤشر الوحيد على الأداء الاقتصادي. فارتفاع عدد البراميل المستخرجة والمصدّرة لا يترجم تلقائيًا إلى زيادة في الإيرادات أو تحسن في المؤشرات المالية. ففي أسواق الطاقة، تمثل الكمية نقطة البداية فقط، بينما تتحدد النتيجة النهائية عند تقاطع الأسعار العالمية وحركة الطلب وتكاليف النقل ومستوى المخاطر الجيوسياسية.
ومن هذه الزاوية تبدو أرقام الإنتاج ناقصة إذا قُرئت بمعزل عن قيمتها الاقتصادية. فالأهم من عدد البراميل التي تغادر الموانئ هو حجم العائد الذي تعود به إلى الاقتصاد. وقد أظهرت الأشهر الأولى من عام 2026 أن زيادة الصادرات لم تمنع تراجع الإيرادات، وأن السوق قادرة على سحب جزء كبير من مكاسب الإنتاج عندما تتحرك الأسعار في الاتجاه المعاكس.
لا تروي البراميل وحدها قصة الاقتصاد. القصة ترويها القيمة التي تضيفها تلك البراميل إلى الدخل الوطني، والقدرة على بناء مصادر دخل تستطيع الاستمرار حتى عندما تتغير اتجاهات السوق العالمية.
المراجع:
1) المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، النشرة الإحصائية الشهرية – مايو 2026.
2) المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بيانات التجارة الخارجية والميزان التجاري.
3) وكالة الطاقة الدولية (IEA)، Oil Market Report 2026.
4) منظمة أوبك، Monthly Oil Market Report 2026.
5) البنك الدولي، Commodity Markets Outlook 202





