أثير - مازن المقبالي
في أقل من ثلاث سنوات، تحول الذكاء الاصطناعي من موضوع تقني يناقشه المهندسون ومطورو البرمجيات إلى بند ثابت في اجتماعات الحكومات والمؤتمرات التخصصية، فسارعت والشركات إلى ضخ استثمارات ضخمة في هذا المجال. وفي هذا الإطار، أعلنت سلطنة عُمان عن قرار وُصف بالجريء، حين صدر المرسوم السلطاني رقم 50/2026 بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط، لتضاف إلى جملة من المشروعات النوعية الأخرى في هذا المجال.
بحسب بيانات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بلغت استثمارات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات نحو 1.2 مليار ريال عماني خلال عام 2025، خصص منها ما يقارب 65 مليون ريال عماني للذكاء الاصطناعي.
من مشروع إلى قرار: من الذي يبني المنظومة؟
هناك مؤسسات وجهات فاعلة تعمل على تحويل الاستثمار إلى منظومة متكاملة، وتقود وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، ضمن البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة حزمة من المشاريع المترابطة وهي:
- مثلث عُمان الرقمي: الذي يسعى لتحويل ثلاث مناطق إلى مركز إقليمي للحوسبة السحابية بالاعتماد على مراكز بيانات خضراء.
- تحالف الذكاء الاصطناعي الأخضر: الذي يجمع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات حول سؤال الاستدامة في الطاقة ومراكز البيانات.
- المنطقة المخصصة للذكاء الاصطناعي: تستهدف استقطاب الشركات الناشئة والمؤسسات التقنية المحلية والإقليمية، وتوفير بيئة تنظيمية مرنة تدعم الابتكار وتعزز مكانة عُمان كمركز إقليمي في هذا المجال.
- استوديو الذكاء الاصطناعي: والتي تعد منصة تشغيلية تجمع الجهات الحكومية والخبراء لحل مشكلات فعلية في العمل اليومي.
- نموذج لغوي عُماني يحمل اسم “معين”: والذي يحاول أن يمنح الأنظمة الذكية فهما للهجة المحلية وسياقها الثقافي بدل الاعتماد الكامل على نماذج مبنية على بيئات لغوية مختلفة.
- بوابة وطنية للبيانات المفتوحة: ويأتي درها في توفير بيانات حكومية بصيغ مفتوحة للباحثين والمطورين والشركات، بما يدعم تطوير حلول وخدمات رقمية قائمة على البيانات.
- مركز للثورة الصناعية الرابعة: يهدف إلى دعم التحول الرقمي وتمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات، إلى جانب إعداد الكفاءات الوطنية للاقتصاد الرقمي.
نمو الشركات الناشئة العاملة في هذا القطاع بنسبة 38% بين عامي 2024 و2025 يعني عمليًا أن عدد الفاعلين الذين يحتاجون إلى أطر تنظيمية واضحة يتضاعف بوتيرة أسرع من قدرة أي جهة رقابية على متابعتهم فرديًا. وهنا بالتحديد تنتقل القصة من “كم ننفق؟” إلى “من يراقب هذا الإنفاق وأثره؟”
من التوجيه الاستراتيجي إلى التطبيق الفعلي
تأتي السياسة الوطنية للاستخدام الآمن والأخلاقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، المنسجمة مع “رؤية عُمان 2040”، لتضع الإنسان في عمق الغايات المستهدفة من هذه التقنيات، كما تلزم هذه السياسة الجهات المعنية بتفعيل الإشراف البشري على القرارات الحساسة، وضمان شفافية الأنظمة وتتبعها، وتقييمها قبل الاعتماد بدل مراقبة أدائها فقط، وتوثيق أخطائها، وحماية بياناتها بآليات التشفير والتصنيف والمصادقة المتعددة.
ومع ذلك، فإن المحك الحقيقي لأي إطار تنظيمي يكمن في الفجوة بين إقرار السياسات وبناء المنظومات التنفيذية. فالسياسة الحالية تؤطر المبادئ العامة ضمن ثلاثة محاور رئيسية وهي: الإنسانية والمجتمع، الشمولية والعدالة، والمسؤولية والمساءلة؛ وهي مبادئ متينة موضوعية، لكنها تظل موجهات نظرية ما لم تتحول إلى أدوات عملية واضحة.
من حجم الاستثمار إلى ضمانة الامتثال
المشاريع الرقمية الطموحة التي تشهدها سلطنة عمان اليوم بدءا من البنية الأساسية للحوسبة السحابية وصولا إلى النماذج اللغوية المحلية تحتاج إلى ما هو أبعد من السياسات المعلنة حيث تتطلب أدوات تنفيذية يومية تترجم المبادئ الأخلاقية إلى واقع ملموس يشمل التقييم المسبق للمخاطر، التدقيق المستمر للبيانات، القياس الدوري للانحياز والتوثيق الشفاف للقرارات الذكية.
وعندما تفعل هذه الأدوات التنفيذية، ينتهي الجدل حول ما إذا كانت السرعة الاستثمارية ستسبق الأطر التنظيمية وبذلك، يتشكل مسار واضح يوازن بدقة بين وتيرة التبني ومتطلبات الثقة؛ وهو الرهان الحقيقي الذي يقيس قدرة الاقتصاد الرقمي على الاستدامة، لا على مجرد الانطلاق.
المصادر:





