رحلة البناء بأيدٍ عُمانية، كيف يحول «تعمير» المشاريع الكبرى إلى فرص استثمار؟

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

رحلة البناء بأيدٍ عُمانية، كيف يحول «تعمير» المشاريع الكبرى إلى فرص استثمار؟
رحلة البناء بأيدٍ عُمانية، كيف يحول «تعمير» المشاريع الكبرى إلى فرص استثمار؟
أثير – جميلة العبرية
حين يُعلن عن مدينة جديدة أو مشروع عمراني ضخم، يتجه الاهتمام غالبًا إلى ما سيُشيّد من مبانٍ وطرق ومرافق، لكن سؤالًا آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه: من أين ستأتي المواد التي تبني هذه المدن؟ وهل تتحول مليارات الريالات التي تُنفق على مشاريع التطوير إلى قيمة اقتصادية تبقى داخل السلطنة، أم تغادرها في صورة واردات؟
هذه الأسئلة تقود إلى برنامج «تعمير» للمشاريع الكبرى، الذي تعمل عليه وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار بالشراكة مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وتم استعرض تفاصيله ضمن الموسم العقاري في نسخته الثانية في ولاية صلالة، ليعيد تنظيم العلاقة بين المشاريع العقارية الكبرى والقطاع الصناعي، بحيث تتحول احتياجات البناء إلى فرص إنتاج وتوسع واستثمار للمصانع الوطنية، ضمن مستهدفات الاستراتيجية الصناعية 2040 وتعظيم المحتوى المحلي.
وأوضح سلطان الخضوري (رئيس مكتب المحتوى المحلي بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار) لـ “أثير” أن البرنامج لا ينطلق من فكرة تشجيع المنتج الوطني بصورة عامة، وإنما من آلية عملية تبدأ بدراسة احتياجات المشاريع الكبرى، ثم مطابقتها مع القدرات التصنيعية الوطنية، وصولًا إلى تحويل الطلب المتوقع إلى فرص تصنيع وتوريد واستثمارات جديدة داخل السلطنة.

من الإنفاق إلى القيمة المحلية

أشار الخضوري إلى أن فلسفة البرنامج تقوم على تدوير الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، بحيث تصبح مشتريات المشاريع الكبرى محركًا لنمو الصناعة المحلية، من خلال زيادة الاعتماد على المنتجات الوطنية المطابقة للمواصفات، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، ورفع نسبة الطاقة الإنتاجية المستغلة في المصانع العمانية، إلى جانب تشجيع تأسيس مصانع جديدة وشراكات صناعية وسلاسل إمداد متكاملة.
وأضاف أن هذه المنهجية لا تحقق فوائد للمصانع فقط، وإنما تنعكس أيضًا على المطورين العقاريين عبر توفير موردين محليين قادرين على تلبية احتياجات المشاريع، وتقليل تكاليف النقل والاستيراد، والحد من مخاطر اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

كيف يعمل البرنامج؟

بيّن الخضوري أن البرنامج يعتمد على فريق عمل مشترك بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني. وتتولى وزارة الإسكان توفير بيانات المشاريع الحالية والمستقبلية واحتياجاتها من المواد، فيما توفر وزارة التجارة بيانات المصانع الوطنية وقدراتها الإنتاجية، ثم يعمل الفريق المشترك على مواءمة العرض والطلب، وإجراء المتابعة الميدانية، ورفع التوصيات التنفيذية.
وأوضح أن آلية التنفيذ تمر بأربع مراحل رئيسية، تبدأ بحصر احتياجات المشاريع الكبرى، ثم تقييم قدرات القطاع الصناعي، وبعدها تحليل الفجوة بين الطلب والإنتاج المحلي، قبل الانتقال إلى مسارات التنفيذ التي تشمل عقود شراء مباشرة مع المصانع الوطنية، أو توسعة خطوط إنتاج قائمة، أو استقطاب استثمارات صناعية جديدة لتغطية المنتجات غير المتوافرة محليًا.

قاعدة بيانات تربط الصناعة بالعقار

وأشار إلى أن البرنامج يعتمد على بناء منظومة بيانات متكاملة، تشمل قاعدة لاحتياجات المشاريع الكبرى تتضمن حجم الإنفاق المتوقع، والمواد المطلوبة، والكميات، والجداول الزمنية، إلى جانب قاعدة بيانات للمصنعين الوطنيين تتضمن الطاقات الإنتاجية ومستويات الجودة والمنتجات القابلة للتوريد المباشر.
ومن خلال مقارنة القاعدتين، يتم إعداد خريطة للفجوات الصناعية الحالية والمستقبلية، وتحديد فرص التوسع والاستثمار، وربط المطورين العقاريين بالموردين المحليين المعتمدين بصورة مباشرة.

مشاريع كبرى مسندة

أوضح الخضوري أن المشاريع الكبرى، ومن ضمنها مدينة السلطان هيثم، تمثل نموذجًا عمليًا لتطبيق البرنامج، نظرًا إلى حجم مشترياتها المتوقع، وهو ما يجعلها فرصة لتعزيز المحتوى المحلي وتحفيز المصانع الوطنية على التوسع ورفع كفاءتها، بما ينسجم مع توجهات الاستراتيجية الصناعية 2040.
وأضاف أن زيادة الطلب على المنتجات الوطنية ستنعكس على نمو الشركات المحلية، وخلق فرص عمل، وتعزيز تنافسية القطاع الصناعي، إلى جانب تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على الدخول في سلاسل التوريد للمشاريع الكبرى.

قياس الأثر

أكد الخضوري لـ “أثير” أن البرنامج لا يكتفي بوضع خطط تنفيذية، وإنما يعتمد على مؤشرات واضحة لقياس أثره، تشمل حجم مشتريات المنتجات الوطنية في المشاريع الكبرى، وعدد عقود التوريد المبرمة مع المصانع المحلية، وعدد فرص التوسع والاستثمارات الصناعية الجديدة، إلى جانب قياس نسبة انخفاض واردات المنتجات المماثلة. كما يتضمن البرنامج إعداد قواعد بيانات متكاملة، ودراسة الفجوات الصناعية، وإعداد قائمة بالفرص الاستثمارية، وخطة تنفيذ تتضمن توزيع المسؤوليات والجدول الزمني ومؤشرات الأداء.
واختتم الخضوري حديثه بالتأكيد على أن «تعمير» لا يستهدف فقط زيادة نسبة المنتج الوطني في المشاريع الكبرى، وإنما بناء شراكة طويلة الأمد بين قطاعي الصناعة والتطوير العقاري، بحيث تتحول كل مدينة جديدة إلى فرصة لتوسيع القاعدة الصناعية، وتعظيم القيمة المحلية المضافة، وترسيخ اقتصاد أكثر قدرة على النمو والاستدامة.

شارك هذا الخبر