أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
أعلنت اللجنة العُمانية للرياضات الجوية تعليق جميع أنشطة الطيران الشراعي بمختلف أنواعها، وفي جميع المواقع المصرح بها في سلطنة عُمان، حتى إشعار آخر، وذلك بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
وجاء القرار عقب حادثة أليمة شهدتها محافظة ظفار أمس، وأسفرت عن وفاة شخصين إثر سقوطهما من طائرة شراعية، وفي هذا المصاب، تتقدم “أثير“”بخالص التعازي والمواساة إلى ذوي الفقيدين، سائلين الله تعالى أن يتغمدهما بواسع رحمته، وأن يلهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان.
وتفتح ”أثير“ ملف الطيران الشراعي، لتقترب من هذه الرياضة من زاوية مختلفة؛ كيف تُمارس، وما الذي يجعل الطقس والمعدات والخبرة عوامل حاسمة فيها، وماذا تقول التجارب المحلية والإحصاءات العالمية عن حدود الأمان في رياضة تمنح ممارسيها متعة التحليق، لكنها لا تخلو من المخاطر؟
متى أُنشئت اللجنة، وما أهدافها؟
أُشهرت اللجنة العُمانية للرياضات الجوية في أكتوبر 2021م تحت إشراف وزارة الثقافة والرياضة والشباب، لتكون الجهة المعنية بتنظيم الرياضات الجوية في سلطنة عُمان والإشراف على شؤونها.
ولا يقتصر دور اللجنة على تنظيم ممارسة الطيران الشراعي، بل يمتد إلى وضع الأطر والقواعد المنظمة، وتنظيم مواقع الطيران، وإصدار التصاريح للفرق والطيارين، إلى جانب تمثيل السلطنة في المحافل والاتحادات الدولية.
كما تشرف اللجنة على المواقع التجارية والسياحية التي تمارس فيها الرياضات الجوية، وتعمل على اعتماد معايير التدريب والمعدات والصيانة، وبناء قدرات وطنية مؤهلة، فضلًا عن توظيف هذه الرياضات في المجالات السياحية والمجتمعية، بما في ذلك البحث والإنقاذ والتوعية.
يُذكر أن ديسمبر 2024 شهد إطلاق أول وثيقة تأمين مخصصة للرياضات الجوية، بالتعاون بين اللجنة العُمانية للرياضات الجوية والجهات المعنية، وبمشاركة شركة ظفار للتأمين والشركة العُمانية لإعادة التأمين، بهدف توفير حماية تأمينية لممارسي هذه الرياضات وتعزيز مستوى الأمان فيها.
وتأتي الوثيقة في ظل تنامي ممارسة الطيران الشراعي في السلطنة، إذ تضم الرياضات الجوية 14 فريقًا رياضيًا معتمدًا ونحو 400 طيار ممارس، إلى جانب 8 مدربين عُمانيين معتمدين و9 مساعدين.
رسائل من الهواة
في لقاء سابق لـ “أثير” مع طيارين شراعيين من “فريق الظاهرة للهواة”، تحدث الطيار عبدالكريم الذهلي عن أهمية الطقس، مؤكدًا أن قرار التحليق يبدأ من قراءة الأجواء قبل أي خطوة أخرى.
وأوضح أن الرذاذ والظروف الجوية غير المناسبة قد تجعل التحليق غير آمن، مشيرًا إلى أن فصل الصيف يشهد تغيرات في حركة التيارات الهوائية نتيجة التقاء تيارات باردة بأخرى ساخنة صاعدة من الأرض، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى انطواء الجناح.
ويرى الذهلي أن خبرة الطيار تساعده على استعادة السيطرة في مثل هذه المواقف، لكن العامل الأهم، بحسب تجربته، هو القدرة على الحفاظ على الهدوء وعدم الاستسلام للارتباك، لأن التعامل الخاطئ مع اللحظة قد يحول موقفًا قابلًا للسيطرة إلى حادث.
أما المعدات، فلا تقل أهمية عن الطقس؛ إذ أشار إلى وجود مركز متخصص ومدارس خاصة لتأهيل المتدربين للحصول على رخص دولية، إلى جانب إجراءات فحص تشمل المظلة الاحتياطية، وعوامات النجاة، وخيوط الجناح والمحرك.
ولا يتوقف الأمر عند الفحص الشخصي، إذ يُعاد فحص المعدات من قبل طيار آخر، في خطوة تهدف إلى تقليل احتمال وقوع خطأ بشري قبل الإقلاع.
ومن جانبه، أكد الطيار فهم الخياري أن التحليق لا يمكن أن يكون قرارًا عشوائيًا، فالظروف الجوية تتغير مع شروق الشمس، وقد تظهر هبات متقطعة للرياح ومطبات هوائية تؤثر في الطيران، مشددًا على ضرورة فحص المحرك والجناح والمظلة الاحتياطية وحبال الجناح في كل رحلة، وكأنها الرحلة الأولى.
كيف تحلق المظلة؟
تندرج رياضة الطيران الشراعي ضمن اختصاص لجنة الطيران الشراعي المعلق والمظلي (CIVL) التابعة للاتحاد الدولي للرياضات الجوية (FAI).
وعلى مدى السنوات، تطورت تقنيات تصنيع المظلات وهندستها بصورة كبيرة، وأصبحت بعض المظلات قادرة على الوصول إلى سرعات تتجاوز 65 كيلومترًا في الساعة، مع نسب انزلاق تتخطى 10:1.
ويعتمد الطيران الشراعي على مبادئ الديناميكا الهوائية لتوليد قوة الرفع، إلى جانب استغلال التيارات الهوائية الصاعدة، المعروفة باسم ”Thermals“، والتي تساعد الطيار على اكتساب الارتفاع والاستمرار في التحليق.
ويرافق الطيار خلال الرحلة عدد من معدات السلامة الأساسية، في مقدمتها الجناح، والمقعد المزود بحماية للظهر، والمظلة الاحتياطية التي تمثل خط الدفاع الأخير في الحالات الطارئة.
ماذا تقول الأرقام؟
رغم أن الطيران الشراعي يُمارس في أنحاء مختلفة من العالم منذ سنوات، فإن مخاطره لا يمكن تجاهلها، وتكشف الإحصاءات أن طبيعة الحوادث تختلف بحسب مرحلة الرحلة وظروفها.
وتشير بيانات عالمية إلى معدل إصابات يبلغ نحو 10.8 إصابة لكل 1000 ممارس سنويًا، في حين يُقدّر معدل الوفيات بنحو 0.46 حالة لكل 100 ألف رحلة.
وتتركز نسبة كبيرة من الحوادث في مرحلتي الإقلاع والهبوط؛ إذ تقع نحو 46% من الحوادث أثناء الإقلاع، و44% أثناء الهبوط، بينما الحوادث التي تقع أثناء التحليق، ورغم انخفاض نسبتها إلى نحو 10%، فتُعد الأكثر خطورة والأعلى ارتباطًا بالوفيات.
كما تظهر الإحصاءات ارتفاعًا في معدلات الحوادث خلال الرحلات الفردية مقارنة بالرحلات المزدوجة، وهو ما يضع الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار في قلب معادلة السلامة.
حوادث حول العالم
لم تتشكل معايير السلامة الحالية من فراغ؛ فكثير منها جاء بعد حوادث دفعت الجهات المعنية إلى مراجعة التدريب والإجراءات.
- تركيا - جبل باباداغ: من بين أكثر من 242 ألف رحلة، سُجلت 18 حالة وفاة، ارتبط عدد منها برياح عكسية مفاجئة وانهيار الجناح، مع تركّز معظم الوفيات بين الطيارين الذين كانوا يحلقون بمفردهم.
- إسبانيا - بطولة العالم 2011: توفي طياران محترفان خلال المنافسات، وخلصت التحقيقات إلى أن الحوادث ارتبطت بمجموعة من العوامل، من بينها السرعات العالية للمظلات المستخدمة في المنافسات، والتحليق في مناطق تشهد تيارات هوائية شديدة الاضطراب، إلى جانب سوء التقدير البشري، وليس بخلل في تصنيع المعدات.
- جنوب أفريقيا - 2011: توفي طيار بعد نسيانه إغلاق أحزمة المقعد الأساسية قبل الإقلاع، في حادث يعيد التأكيد على أن أبسط خطوات الفحص قد تكون الفاصل بين رحلة آمنة وحادث مأساوي.
- المملكة المتحدة : أظهرت دراسات أن بعض الطيارين قد يواجهون ضغطًا نفسيًا وحملًا معرفيًا مرتفعًا عندما يدخل الجناح في دوران عنيف أو يتعرض لخلل مفاجئ، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى عدم القدرة على الاستجابة في الوقت المناسب واستخدام المظلة الاحتياطية.
ختامًا: الطيران الشراعي رياضة تقوم على الحرية والانطلاق، لكنها في المقابل لا تحتمل الاستهانة بالتفاصيل، فالقرار يبدأ قبل الإقلاع، من قراءة الطقس وفحص المعدات وتقييم خبرة الطيار وقدرته على التعامل مع الطوارئ.
وقد تختصر قاعدة واحدة جوهر السلامة في هذه الرياضة: الطقس هو المدير، والطيار هو صاحب القرار، وحين لا تكون السماء آمنة، فإن أكثر القرارات احترافية قد يكون ببساطة: ألا تقلع.
المراجع:
- الاتحاد الدولي للرياضات الجوية
- حوادث حول العالم من شبكة المعلومات العالمية
- اللجنة العُمانية للرياضات الجوية
- وزارة الثقافة والرياضة والشباب






