مسقط-أثير
إعداد: الباحث هلال بن عامر بن علي القاسمي
تتحرك سلطنة عُمان اليوم بخطى سريعة نحو استثمار المفردات السياحية، خصوصًا التراث الثقافي من الحارات والحصون والقلاع وغيرها، وتستهدف تحويل الإرث الحضاري الثري إلى رافد اقتصادي ينسجم مع تطلعات رؤية عُمان 2040، ورغم ما يحمله هذا التوجه الاستثماري من مكاسب جليّة في الجانب الاقتصادي ويضيف للمجتمع حيوية اقتصادية وثقافية، إلا أنه بات يقف اليوم في مفترق طريق إستراتيجي يتطلب وقفة تأمل ونقد ومراجعة.
بات الاندفاع غير المدروس نحو تحويل التراث والقرى ومكوناتها الحضارية إلى سلعة تجذب الاستثمار والأموال والتضحية بأصالته وسلامته لجذب الربح السريع، وتحويل رموز الدولة العُمانية القديمة السياسية والعسكرية والعلمية إلى قالب تجاري موحَّد، يحمل في طياته آثارا جانبية بالغة الحساسية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والقِيَمي، وقد يكمن الخطر ليس في البُعد الاستثماري بل في نزعة التسييل التجاري وتسطيح الهوية، بحيث باتت أعمال التقليد والنسخ واللصق تُهدد أصالة المواقع الأثرية، محوّلةً شواهد تاريخية مهيبة إلى مجرد مقارنات بصرية للمقاهي والنزل التراثية والتقاط الصور العابرة، وتحوَّلت القلاع والحصون التي أدارت يومًا إمبراطوريات ممتدة من مدغشقر إلى عمق الخليج العربي، وشهدت تضحيات وبطولات، وأضافت لعُمان بالعصر الحديث قيمتها الاستثنائية، ثم تتحول إلى هياكل تقدم فيها قائمة مأكولات ومشروبات ومعروضات تمسح هيبتها الهندسية وعراقتها الفخمة، وسرديتها السياسية العميقة.
من رحم ذلك ينبث هذا المقال ليطرح رؤية مغايرة ترفض نمطية التكرار والتقليد، كما نشهد في ولاية الحمراء وحارات العقر والعين والبلاد، رغم تقاربها ووقوعها في بيئة متشابهة إلا أن التقليد ما يزال يسيطر على هيئة استثمارها، ولا تنأى الحصون والقلاع عن ذلك المشهد المتكرر والتقليدي، ما يحدث مثلًا في حصن نزوى يحدث في قلعة مطرح ويكرر في حصن الحزم وهكذا، وهنا ندعو عوضًا عن ذلك إلى تبني فلسفة ذكية أكثر فاعلية، وحفظًا للحضارة وأصالتها وسلامتها، فلسفة تقوم على استنطاق التاريخ لا مسحه.
وحتى لا يذهب فكر القارئ بعيدًا عن إيجابيات هذا الحراك الاستثماري، فالتي ذكرناها هي جزء من مكاسب لا تُنكر، منها المحافظة على هذه المنشآت من الاندثار وإعادة الروح إلى جدرانها الصامتة، مع إيجاد فرص استثمارية تتيح وظائف ودخل للأسرة والفرد، ولا ننكر وجود الآثار السلبية التي بدأت تظهر، ربما سببها الأول التسارع والتسابق، والثاني العمل غير المدروس في مستقبل هذا التوجه، ونستعرضه في:
- آثار أخلاقية واجتماعية: تَحوُّل حارات سكنية قديمة هادئة، أو مواقع ملاصقة للمجتمعات المحلية؛ إلى مزارات سياحية مفتوحة دون ضوابط صارمة قد يخدش خصوصية المجتمع العُماني المحافظ، ويُحدث فجوة أو تصادما ثقافيا وقيميا بين السياح وأهالي المنطقة بعد مرور الزمن.
- آثار اقتصادية: التركيز على نموذج اقتصادي ريعي قصير المدى (مقاهٍ، نُزُل، بيع تذكارات، معارض صغيرة متشابهة) دون إيجاد اقتصاد معرفي أو ثقافي مستدام، ليضيف قيمة حقيقية للناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل.
- آثار إنشائية وتاريخية: حصر النظرة في تهيئة سريعة لبعض المباني دون مراعاة شروط جوهرية في المنشآت وتاريخها، وفي مقدمتها شروط الأصالة والسلامة وهذا هو الخطر الأكبر.
بحيث تشهد الساحة في الآثار الإنشائية والتاريخية تهديدًا خطيرًا غير مسبوق في الواقع الحضاري العُماني، فليس من الإنصاف تحويل موقع مثل حصن نزوى -الذي كان يوما مركز ثقل سياسي يدير دولة وإمبراطورية ضخمة تمتد من مدغشقر وشرق إفريقيا إلى وسط الخليج العربي- إلى مجرد مكان للتنزه وشرب القهوة والتقاط الصور السطحية، فالتسوق والمتاحف تحيط به من كل جانب وهي تؤدي الدور، كما أن حارة العقر الملاصقة له هي الأخرى يمكن أن تكون بمثابة المحيط المعماري الأثري الذي يمده بالنزل التراثية وأنشطة أخرى، وما أكثر القاعات وأسهل بنائها لتكوين مشاهد بالواقع المعزز ووسائل التقنيات الحديثة، التي تتيح للزائر مشاهدة العبقرية والقوة والحضارة والعراقة العُمانية، وتسلسلها عبر التاريخ. ويندرج لا شعوريًا هذا التوجه القائم حاليًا في قائمة مسح التاريخ المهيب والتضحيات الضخمة، والإدارة العبقرية والسياسة الفذة التي شهدتها هذه الجدران.
وفي الجانب التقليدي، نلاحظ اليوم غياب الابتكار والوقوع في فخ التكرار؛ فما نجح في حارة العقر بنزوى، نرى محاولات لنسخه بحذافيره في حارات أخرى، وهذا التكرار يقتل التنافسية ويصيب السائح بالملل، وهنا يجب أن نقف، لإيجاد نظرة مغايرة وتنشيط الابتكار، والبحث عن تحول فاعل واستثمار ذكي يراعي خصوصية وطبيعة كل حارة وما تحويه من ميزة نسبية، وكمثال لا للحصر، حارة “السّوجرة” في الجبل الأخضر هي مثال مكرر وتقليدي، لكنه يتميز بسمات طبيعية تجعله مغايرًا، فالمناخ المعتدل والتراث الطبيعي هو عامل يساعد على التنوع، وموقعها الجغرافي المنفصل عن المجتمع هو عامل آخر، ومن الأفكار المنيرة مثلًا أخذ حارة تتميز بالزراعة والأفلاج تُستثمر كسياحة بيئة زراعية، ولا يقتصر الفلج كقناة ريّ تمر فيها المياه، بل يضاف أصله الذي نشأ منه، وهي العبقرية المبكرة مع مفرداته ومكوناته الأصيلة وقصة نشوئه بوسائل متاحة غير متكلفة ولا مستثمرة حتى الآن، واستثمار آخر في حارة تتميز بالمخطوطات والعلماء تُستثمر كمركز ثقافي وفكري، وحارة أخرى كمركز للصناعات الحرفية والدفاعية القديمة قد تكون ولاية الحمراء نموذج حي.
حصن نزوى نموذج متميز
إن التعامل مع موقع بحجم حصن نزوى كمجرد مزار سياحي عام يتم تزيينه بالطاولات والمقاهي، هو اختزال مجحف لتاريخ أمة، فهذا الحصن، الذي بُني منذ عهود قديمة وتطور في عهد الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي في القرن السابع عشر مستغرقا قرابة اثني عشر عاما لبناء القلعة الشهباء، لم يكن برجا للمراقبة، بل كان عاصمة الإدارة العسكرية والمالية والسياسية، لإمبراطورية طردت المستعمر وبسطت نفوذها في المحيط الهندي في أوج التنافس العالمي، فجعلت لها مكانة بين تلك القوى مقدَّرة ومهابة، وكي يستشعر الزائر هيبة هذا التاريخ، لا يحتاج إلى شراء كوب قهوة داخل ممراته، أو نظرة في شاشات صغيرة أو معروضات بعضها لا علاقة لها في التاريخ الحضاري العربي، بل يحتاج إلى صدمة معرفية وبصرية تستنطق العبقرية الكامنة في المكان عبر مسارين متوازيين:
أولا: العرض المعماري البكر والتأمل الواعي: يجب أن يُترك الحصن في حالته الهندسية الأصلية، ليتحول الدخول إليه إلى تجربة تأمل واعٍ، فالزائر هنا يواجه العبقرية الدفاعية مباشرة في هندسة الردع واستحضار السرد القصصي الحي، يتم عبر مرشدين محترفين ملمين بتاريخ الحصن وتاريخ عُمان، ويقدمون مكوناته وتاريخه بربط سردي مباشر بين القصص الاجتماعية المرتبطة والبطولات، وبين النهضة الكبرى التي شهدتها سنوات بناء القلعة الدائرية الكبيرة، مع ربط مباشر بالأسطول العُماني آنذاك.
ويمثل تقديم الفضاء الموازي لحصن نزوى خارج الجدران عاملًا حيًّا مهمًا، فبما أن نزوى تمتلك ميزة نسبية بوجود سوقها التقليدي النشط وحارة العقر المجاورة -وهي أماكن مهيأة تماما للاستثمار التجاري والمقاهي والنزل- فإن الحصن يجب أن يتحرر من الاستهلاك التجاري ويُربط بقاعة عرض خارجية موازية وحديثة، تقدم حلولا مثل: غرفة عمليات الإمبراطورية (الواقع المعزز AR) بدلا من وضع شاشات بلاستيكية تشوه الجدران الطينية، يتم بناء قاعة خارجية مجهزة بتقنيات الواقع المعزز والتفاعلي، يستطيع الزائر من خلالها تحريك “خارطة تفاعلية” ليرى كيف كانت الأوامر السياسية والرسائل الدبلوماسية والتحركات البحرية تُدار من نزوى وتصل إلى زنجبار وممباسا وبندر عباس، أو سينما البطولات والتضحيات العسكرية في إنتاج أفلام وثائقية وسينمائية قصيرة عالية الجودة تُعرض في القاعة الموازية، تجسِّد المعارك البحرية للعُمانيين في طرد الغزاة، وكيف مُوّل بناء الحصن من غنائم معركة “ديو” الشهيرة ضد المستعمرين، هذا يربط المتلقي عاطفيا وفكريا بقدسية التضحيات العُمانية.
وتعد السياحة التخصصية من أهم العوامل المنشطة في الاستثمار السياحي، فنزوى وما يجاورها مثل إزكي وبهلاء يمكن أن تكون -مع ربطها- أكبر محطة للسياحة المظلمة وسياحة المغامرات أو الرياضة، والسياحة العلمية، والسياحة البطولية أو الإثارة والحماس، وهنا في حصن نزوى يمكن إضافة “سياحة الوفود والنخبة” بتحويل الحصن إلى منصة لاستقبال الوفود السياسية، والباحثين الأكاديميين، وطلاب العمارة والتاريخ من مختلف دول العالم، ليكون مدرسة حية لدراسة “العمارة الدفاعية” و“تاريخ السيادة“، وليس مجرد محطة عابرة في رحلة سياحية سريعة، وهذه المقترحات تنطبق تمامًا في حصون أخرى.
وختامًا يجب أن ينطق كل عُماني: نحن لا نبيع القهوة في غُرف السلاطين والأئمة، ولا نضع طاولات الطعام فوق أضرحة صناع التاريخ؛ فأسلافنا صنعوا حضارة وتواصلوا مع العالم بالسلام والعبقرية، وخطُّوا بالدم والبارود كلمتهم الصارمة، وكسروا بها غطرسة الغزاة. ونحن اليوم نقدم المعرفة، والهيبة، والتجربة العميقة داخل الحصون والقلاع، ونترك المقاهي لمنظومة الأسواق والحارات المحيطة به لتعمل بتكامل وذكاء.





