رصد - أثير
يتصدر اللوبي المؤيد لإسرائيل العناوين الرئيسية للأخبار في الولايات المتحدة خلال الانتخابات الحالية، نظراً لدوره المتعاظم في سباقات انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المحتدمة، وهو دور أثار انتقادات واسعة مع تراجع شعبية إسرائيل بين الناخبين الأمريكيين.
ويكشف الكتاب الجديد لإيلي كليفتون وإيان لوستيك، “اللوبي الإسرائيلي: أمريكا في قبضة قوة أجنبية”، كيف تعمل هذه الشبكة من جماعات الضغط على التأثير في السياسة الأمريكية والسياسة الخارجية والحريات المدنية وغيرها.
كيف يحاول اللوبي الإسرائيلي تشكيل السياسة الأمريكية؟
كان كليفتون، المشارك في تأسيس معهد كوينسي، ولوستيك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا، قد حلّا مؤخراً ضيفين على أليكس جوردان وكورتني رولينجز في بودكاست (Always at War) لمناقشة الدوافع وراء وضع الكتاب. كما تطرقا إلى كيفية تطور اللوبي الإسرائيلي منذ نشر جون ميرشايمر وستيفن والت كتابهما “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”، وكيف يسعى هذا اللوبي للتكيف مع الواقع السياسي المتغير في الولايات المتحدة. وأشار كليفتون ولوستيك إلى أنه خلال الترويج لسياسة خارجية لا تخدم المصالح الوطنية الأمريكية، عمل اللوبي في السنوات الأخيرة على كبح حرية التعبير، ولا سيما في الحرم الجامعي.
وقال لوستيك خلال البودكاست: “نواجه اليوم إشكالية هجوم اللوبي على الحريات الأمريكية داخلياً، وتلك هي نتيجة عجز اللوبي عن الدفاع عن السياسات الإسرائيلية بعدما بلغت أقصى درجات التطرف، لذا يلجأ إلى مهاجمة الحريات الأمريكية محاولاً قمع النقاش، وترهيب المعارضين، وتفكيك المؤسسات التي تُخرج هؤلاء المعارضين”
وقد حقق المرشحون المدعومون من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، ولجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة” (United Democracy Project) التابعة لها، إلى جانب المانحين والمجموعات المؤيدة لإسرائيل، نجاحات وإخفاقات لافتة حتى الآن في الانتخابات التمهيدية لعام 2026. إذ تمكن منافس مدعوم من هذه الشبكة المؤيدة لإسرائيل من الإطاحة بالنائب توماس ماسي (جمهوري من ولاية كينتاكي)، وهو أحد أشد الناقدين لإسرائيل، في أعلى انتخابات تمهيدية لمجلس النواب كلفةً في تاريخ البلاد. وفي المقابل، فشلت جهود مماثلة في ثاني أغلى انتخابات تمهيدية لمجلس الشيوخ في التاريخ، عندما تغلب عبدالرحمن السيد على النائبة هيلي ستيفنز (ديمقراطية من ولاية ميشيغان) في وقت سابق من هذا الشهر.
المال السياسي لم يمنع تدهور صورة إسرائيل في الأوساط الأمريكية
ورصد المؤلفان تسع مليارديرات تشير المعطيات إلى أن “إسرائيل هي المحرك الأساسي لمشاركتهم في السياسة الأمريكية”، حيث قدم هؤلاء الأفراد أكثر من 1.7 مليار دولار في شكل مساهمات للحملات الانتخابية. ولفت كليفتون إلى أنه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان بوجه خاص، جاءت نسبة كبيرة غير متناسبة من التمويل من مانحين من خارج الولاية، كانوا يقدمون تبرعاتهم سابقاً بشكل أساسي للمرشحين الجمهوريين.
ومع تراجع شعبية إسرائيل لدى كلا الحزبين السياسيين الرئيسيين، يحذر المؤلفان من أن اللوبي سيبحث عن طرق للتأثير في السياسة الأمريكية بأساليب يصعب إلغاؤها أو التراجع عنها، مما يترجم تفضيلاته إلى واقع ملموس دون رقابة واضحة من المسؤولين المنتخبين والجمهور.
وقال كليفتون: “إنهم يريدون الإبقاء على الولايات المتحدة قريبة منهم كما كانت تاريخياً، ويدركون أن شكل ذلك القرب قد يتغير بمرور الوقت لأن الرأي العام يتجه نحو مسار مختلف، لذا يحاولون اكتشاف كيفية تقييد وإبقاء الولايات المتحدة في هذا المسار”
كيف يعمل نفوذ اللوبي الاسرائيلي ضد مصالح أمريكا الوطنية ويهدد الحريات لمواطنيها؟
تتجلى أكبر قصة في عالم الجيوسياسة والشؤون الداخلية الأمريكية في كيفية تمكُن الحكومة الأشد تطرفاً، في تاريخ دولة صغيرة في الشرق الأوسط، من الاستحواذ على توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
لقد أضحى اللوبي الإسرائيلي اليوم في موقع يتيح له ممارسة الوصاية والرقابة على الخطاب السياسي للسياسيين الأمريكيين وطلاب الجامعات والصحفيين، فضلاً عن إرغام وإقناع البيت الأبيض بدعم سياسات غير شعبية ومكلفة، وتهدد الأمن القومي في نهاية المطاف.
وبدءاً من عدم رغبة إدارة بايدن في استخدام أدوات الضغط الأمريكية لإيقاف أعمال العنف الإبادية التي أضرت بمصالح الأمن القومي الأمريكي، وصولاً إلى دور إدارة ترامب في رفع قيود الإفراج المشروط عن تجسس أدى إلى بيع أسرار حكومية حيوية، تقف هذه التبعية الأمريكية لدولة هي في الأصل تابعة وتتكفل أمريكا برعايتها كنموذج صارخ ومثير للجدل لظاهرة “الذيل الذي يحرّك الكلب”.
اللوبي الإسرائيلي: أمريكا في قبضة قوة أجنبية
يمزج كتاب «لوبي إسرائيل (Israel’s Lobby) بين الصحافة الاستقصائية والعلوم السياسية لربط خيوط القصة التي يتقاطع فيها النفوذ المالي للطبقة الأوليجارشية الأمريكية والإسرائيلية للاستحواذ على عملية صنع القرار السياسي في إدارات رئاسية متتالية، متناولاً التبعات الجيوسياسية والأمنية والداخلية لسياسة خارجية أمريكية أصبحت تُباع عملياً لمن يدفع السعر الأعلى.
ويشرح إيلي كليفتون وإيان لوستيك كيف أدت التحولات في السياسة الدولية، وانزياح إسرائيل الحاد نحو أقصى اليمين، وتفريغ قوانين تمويل الحملات الانتخابية الأمريكية من مضمونها، إلى جعل تأثير اللوبي الإسرائيلي اليوم أكثر كلفة وأشد خطورة مما كان عليه في أي وقت مضى. كما يوضح المؤلفان الأسباب التي دفعت اللوبي إلى شن حملات تطهير وقمع تحت ذريعة “مكافحة معاداة السامية” لإسكات معارضيه بدلاً من محاولة الدفاع عن السياسات الإسرائيلية، وكيف لا يكتفي اللوبي بتشويه السياسة الأمريكية فحسب، بل يساهم أيضاً في تحويل إسرائيل إلى “دولة غير عقلانية ” (Crazy state)
يتتبع كتاب “لوبي إسرائيل” تدفقات الأموال ويزيح الستار عن شائبة تبدو عصية على النقد في السياسة الأمريكية، مفصلاً على نحو هام كيف يمكن للأمريكيين من جديد التوحد حول القيم الأمريكية الاصيلة وأهمية النقاش الموضوعي الجاد لمواجهة نزعات “أولوية إسرائيل” والرقابة القسرية التي يفرضها على الأصوات المناهضة لذلك اللوبي والتي بدأت تعلي صوتها أمريكا أولاً.
المصدر: موقع Responsible Statecraft المجلة الإعلامية لمعهد كوينسي





