تهديدات ترامب: هل أصبحت جعجعة بلا طحن؟

أضعفت تهديدات دونالد ترامب المتكررة وتراجعه عنها قدرته على التخويف، بينما أدت سياسات الإكراه والحروب التجارية إلى نتائج عكسية في الداخل والخارج.

عن الكاتب

محمد  حسن
محمد حسن

كاتب وباحث سوري

تهديدات ترامب: هل أصبحت جعجعة بلا طحن؟
تهديدات ترامب: هل أصبحت جعجعة بلا طحن؟
أثير - محمد حسن - باحث وكاتب سوري
مهما كان ما قد تقوله عنه، فإن الرئيس دونالد ترامب بائع محترف. وكما أشار رئيس مجلس النواب السابق نيوت جينجريتش ذات مرة للكاتب المحافظ في صحيفة واشنطن بوست والذي أفرد مقالًا عن إستراتيجية ترامب السياسية ورصدته “أثير”، قام رجل الأعمال العقاري السابق بعمل بارع في شعار حملته الانتخابية: إذ لم يكن شعاره “ترامب للرئاسة”، بل كان “لنعد لأمريكا عظمتها مرة أخرى”. ورغم الأنا المتضخمة لديه، فقد أبقى التركيز منصبًا على البلاد، لا على طموحه الشخصي. لكن لمسة ترامب التسويقية البارعة المعتادة قد تخلت عنه خلال ولايته الثانية.
في الاستطلاع الذي أجرته شبكة CNN، أبدى 36% فقط تأييدهم لأدائه الوظيفي، بينما أعرب 63% عن عدم رضاهم. وهذا أقل بكثير من المتوسط التاريخي للرؤساء. كما أن شعبيته في الخارج تراجعت كثيرًا وقد تحول عدم الرضا الدولي عن ترامب إلى عدم رضا عن الدولة التي يقودها. وأظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث وشمل 36 دولة، أُجري في وقت سابق من هذا الصيف، أن 76% من المشاركين “لا يملكون أي ثقة” بترامب، وأن 57% لديهم انطباع غير مفضل عن الولايات المتحدة. وفي معظم الدول التي شملها استطلاع “بيو”، كان لدى الناس انطباع أكثر إيجابية عن الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

كيف يخسر ترامب ثقة الحلفاء؟

هناك العديد من العوامل التي تفسر انهيار الدعم لترامب، فقد انتهج سياسات غير ضرورية وفاشلة، تتراوح من الحروب التجارية إلى حربه الفعلية مع إيران، مما زاد من مخاوف الناخبين بشأن “قدرة تحمّل التكاليف”. وما يزيد الأمر سوءًا هو أن ترامب لا يبذل أي محاولة تقريبًا لكسب رأي الجمهور المحلي أو الخارجي، وبدلًا من التودد أو الإقناع، يحاول إكراه الآخرين وإجبارهم على فعل ما يريد.
في وقت سابق من هذا العام، رفض استبعاد العمل العسكري لضم غرينلاند، وهو تهديد أخذته الدول الأوروبية على محمل الجد لدرجة إرسال قواتها للدفاع عن السيادة الدنماركية.
الشهر الماضي، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على كندا لمعاقبتها على حرائق الغابات التي كانت تنفث الدخان إلى الولايات المتحدة. وبعد يوم واحد، فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على العديد من البضائع الكندية، مدعية أنها غير مرتبطة بحرائق الغابات.
ثم في الأسبوع الماضي، هدد ترامب بـ “قصف سلطنة عمان بقوة شديدة” إذا “اعترضت طريق” محادثات إدارته مع إيران. ولم يسبق لأي رئيس أمريكي وجّه مثل هذا التهديد العلني والفج لدولة حليفة، لكن بالنسبة لترامب، أصبح هذا أمرًا روتينيًا.
كما أعلن ترامب فجأة أنه سيقلص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مشيرًا ليس فقط إلى علاقته التي يُفترض أنها “جيدة جدًا” مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ولكن أيضًا إلى عدم رغبة كوريا الجنوبية في الانضمام إلى حربه ضد إيران. وكان قد هدد في وقت سابق بسحب القوات الأمريكية من إسبانيا وإيطاليا إذا لم تفعل الدولتان المزيد للمساعدة في الحرب ضد إيران.
والمفارقة هي أن كوريا الجنوبية لديها الآن رئيس، لي جاي ميونغ، يشارك ترامب آماله في تجديد الدبلوماسية مع كوريا الشمالية، لذا لم يكن من الصعب على ترامب التوصل إلى موقف مشترك مع سيول. لكنه لم يكلّف نفسه عناء ذلك. ومن خلال تصرفه بشكل أحادي، وإيحائه بأنه يفعل ذلك جزئيًا لمعاقبة كوريا الجنوبية، أحدث فجوة مع حليف وثيق آخر.

ترامب يدفع ثمن إستراتيجيته في الداخل

ينعكس سلوك ترامب في الخارج على الداخل، حيث لم يبذل أي جهد قط لكسب الدعم خارج قاعدته الداعمة (MAGA). وبدلًا من محاولة استمالة المشككين والنقاد، يتوعدهم بالانتقام، سواء عبر قطع التمويل عن الجامعات التي يصفها بـ “المستنيرة/التقدمية”، أو شن ملاحقات قضائية ضد خصومه السياسيين، أو إرسال عملاء الهجرة وقوات الحرس الوطني إلى المدن الديمقراطية.
إستراتيجيته تأتي بضرر بالغ ونتائج عكسية. فقد عرقل القضاة العديد من مراسيمه التنفيذية وأسقطوا عدة ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية. خصوم ترامب ليسوا خائفين، بل مشحونون بالنشاط والحماس. وقد حول السناتور مارك كيلي (ديمقراطي من أريزونا) جهود البنتاغون الفاشلة لمعاقبته (بسبب تحذيره القوات من اتباع الأوامر غير القانونية) إلى جزء أساسي من خطاباته الانتخابية.
كما أن تكتيكات الإكراه التي يتبعها ترامب تفشل فشلًا ذريعًا في الخارج أيضًا. إن عدم قدرته على هزيمة إيران بعد ستة أشهر تقريبًا شجع نظامها المتشدد، إذ يواصل احتجاز مضيق هرمز كرهينة ويرفض مناقشة برنامجه النووي. ولا يقدّم حلفاء الولايات المتحدة المساعدة لإعادة فتح المضيق رغم مطالبات ترامب. وفي الوقت نفسه، تصدت دول بما فيها كندا والصين لرسوم ترامب الابتزازية، مما دفعه للتراجع في العديد من الحالات.

‏TACO"" مصطلح يختصر سلوك ترامب

إن قدرة ترامب على التخويف قد تآكلت بشكل دراماتيكي لأن العالم أجمع رأى كيف أن العديد من تهديداته جوفاء. فهو، على سبيل المثال، لن يقوم بقصف سلطنة عمان. إنه يتحدث بنبرة استعراضية لكنه يتراجع كثيرًا لدرجة أن الاختصار “TACO” (والذي يعني: “ترامب يتراجع دائمًا” - Trump Always Chickens Out) أصبح اختصارًا واسع الانتشار.
إليك اقتراحًا جذريًا ودونكيشوتيًا بلا شك بالنسبة للعامين والنصف المتبقيين من رئاسة ترامب: بدلًا من محاولة ضرب العالم أجمع لإخضاعه، ربما ينبغي عليه تجربة الإقناع بدلًا من ذلك. وستكون البداية الجيدة هي إلقاء خطابات جادة لشرح وتبرير سياساته، كما فعل الرؤساء السابقون، بدلًا من الاعتماد على منشورات استعراضية على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تُصمم غالبًا لإثارة الغضب والاستفزاز لإيصال رسالته.
العديد من أهداف ترامب، بدءًا من إنهاء البرنامج النووي الإيراني وصولًا إلى دفع الحلفاء للمساهمة بشكل أكبر في الدفاع المشترك، هي في الواقع أهداف معقولة. لكن تكتيكات الترهيب والبلطجة التي يتبعها أتت بنتائج عكسية.
فأين هي مهارات التسويق التي يتباهى بها في وقت هي أحوج ما تكون إليه؟

شارك هذا الخبر