رصد – أثير
كيف نتجنّب حرباً عالمية ثالثة؟ كان هذا الطرح ضمن حوار أجراه المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI وهو أهم معهد عسكري ودفاعي بريطاني، رصدته “أثير” مع وزير الدفاع البريطاني السابق توبياس إلوود، تناول التحديات المتصاعدة التي تواجه النظام الدولي، ومناقشة كتابه الجديد الصادر هذا العام بعنوان: عشر خطوات لمنع حرب عالمية ثالثة.
بدأ الحوار من “مجدو”، موقع إحدى أقدم المعارك المسجلة بين جيشين قبل نحو 3500 عام. انتقل اسم “هار مجدو” إلى اليونانية في سفر الرؤيا، ثم تحول إلى “هرمجدون”، مستحضراً اياها باعتبارها الرمز الديني والثقافي للمواجهة الأخيرة التي تنتهي بدمار هائل. في اللحظة التي امتلكت فيها البشرية للمرة الأولى أدوات قادرة على تحويل الاستعارة إلى واقع. فهرمجدون وفق هذا الطرح ليست تنبؤاً بنهاية العالم، بل مدخل لسؤال قائم حول هل تتقدم التكنولوجيا أسرع من قدرة السياسة على ضبطها؟
كيف يمكن أن نعيش حرباً عالمية ثالثة دون أن يعلن أحد ذلك؟
تعززت هذه الصورة باستعارة “ساعة يوم القيامة”، التي ابتكرها عام 1947 علماء شارك بعضهم في مشروع مانهاتن لتمثيل اقتراب البشرية من كارثة من صنيعتها. بدأت الساعة عند سبع دقائق قبل منتصف الليل، وبلغت أبعد مسافة عنه عام 1991، عند 17 دقيقة، بعد انتهاء الحرب الباردة وتوقيع معاهدة START . أما في 2026 فأصبحت 85 ثانية فقط، وهو أقرب مستوى في تاريخها. لكن هذه الساعة ليست أداة علمية للتنبؤ بموعد الحرب، إنها مقياس رمزي يجمع الأخطار النووية والتكنولوجية والبيئية والجيوسياسية، ويستخدمه إلوود ليقول إن هامش الخطأ المتاح للسياسيين أصبح أضيق من أي وقت مضى.
الحرب العالمية الثالثة لن تكون بالضرورة نسخة نووية من عام 1939، تبدأ بغزو واضح ثم تتسع عبر إعلان التحالفات. قد تكون شبكة من الحروب المتزامنة، مثل قتال تقليدي في أوكرانيا، وصراع إقليمي في الشرق الأوسط، وتوتر متصاعد في آسيا، وهجمات سيبرانية، وتعطيل للأقمار الصناعية والكابلات البحرية، وحروب اقتصادية ومعلوماتية تجري تحت عتبة المواجهة المباشرة. الخطر ليس وجود هذه الأزمات منفردة، بل احتمال اتصالها تدريجياً بينما تفقد المؤسسات الدولية القدرة على احتوائها. عندها لا يعود السؤال: متى بدأت الحرب العالمية؟ بل في أي لحظة ستتحول هذه الأزمات المتفرقة إلى نظام واحد من الصراع العالمي متعدد الجبهات والمجالات؟
تقارن المرحلة الراهنة بعام 1937، حيث قوى سلطوية تتسلح، دول توسعية تختبر الحدود، تحالفات جديدة تتشكل، مؤسسات دولية تضعف، وغرب متردد في دفع كلفة الردع المبكر. لكنه لا يقول إن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، فالعالم اليوم أكثر تعدداً وترابطاً، ويخضع لردع نووي لم يكن قائماً آنذاك. وفي المقابل، توجد عناصر خطر إضافية مثل جماعات من غير الدول، مسيّرات رخيصة تدمر منصات بملايين الدولارات، وأسلحة نووية تكتيكية قد تخفض عتبة التصعيد.
القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد
يتحرك التاريخ الدولي في دورات قاسية، حيث تنتج حرب كبرى قواعد جديدة، تستمر هذه القواعد عقوداً، ثم تتآكل حتى تقع حرب أخرى تصوغ نظاماً بديلاً. هكذا جاءت وستفاليا بعد حرب الثلاثين عاماً، وأوترخت بعد حرب الخلافة الإسبانية، ومؤتمر فيينا بعد الحروب النابليونية، ثم فرساي التي فشلت في بناء استقرار دائم. وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت ترتيبات يالطا وبوتسدام وبريتون وودز. المشكلة اليوم أن نظام 1945 يشيخ ويتراجع، بينما لم يُتفق على وريثه بعد، ومن هنا يأتي الخطر الحقيقي، أن فترات الانتقال بين نظام يحتضر وآخر لم يولد بعد هي أكثر اللحظات قابلية لسوء الحساب والحروب الكبرى.
بُني نظام ما بعد 1945 على أربعة أعمدة: الأمن الجماعي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتجارة المنظمة التي انتهت إلى منظمة التجارة العالمية، والاستقرار المالي والتنموي عبر صندوق النقد والبنك الدولي، والمساءلة القانونية من خلال المحاكم الدولية. يرى إلوود أن الأعمدة الأربعة تهتز معاً، مجلس الأمن مشلول بحق النقض وبتركيبة تعكس موازين قوة قديمة، وآلية الاستئناف في منظمة التجارة معطلة، والمؤسسات المالية الغربية تواجه منافسة صينية، والمحاكم الدولية تفتقر إلى الاعتراف الشامل والقدرة على التنفيذ. والأخطر أن الولايات المتحدة، التي ساهمت في بناء النظام، تبدو أقل اقتناعاً بتحمل تكاليفه، كأن مهندس البناء قرر مغادرته قبل تحديد ما سيحل محله.
غير أن الغرب ليس حارساً بريئاً للقواعد. فخطاب السيادة والقانون الدولي أُضعف بسبب التطبيق الانتقائي، والشواهد على ذلك كثيرة من فيتنام وخليج الخنازير والانقلاب على محمد مصدق عام 1953 والتدخلات الأميركية الأخرى. لا تُذكر هذه السوابق لتبرير سياسات روسيا أو الصين، بل لتفسير سبب انعدام الثقة في حديث الغرب عن “النظام القائم على القواعد”. فالقواعد التي تُطبق على الخصوم وتُعلّق عند تعارضها مع مصالح واضعيها تفقد قدرتها على إنتاج الشرعية. وهذه نقطة مركزية، فاستعادة الردع الغربي لا تنفصل عن استعادة المصداقية، والمصداقية لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالاتساق بين الخطاب والممارسة.
التنافس الدولي يعيد تشكيل خريطة النفوذ
يرى إلوود أنّ كل من روسيا والصين وإيران ليست كتلة أيديولوجية طبيعية. فأنظمتها مختلفة، وتاريخ علاقاتها مليء بالشكوك والمنافسة والانقسامات. لكنها تتقارب لأنها تواجه نظاماً غربياً مشتركاً وتسعى إلى تقليص قدرته على فرض القواعد. في الوقت نفسه، تبدو الصين لدول كثيرة في الجنوب العالمي شريكاً أكثر استقراراً وقابلية للتوقع. فلا تكتفي بكين بالاعتراض على النظام القائم، بل تبني بنية موازية عبر الحزام والطريق، وبريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وهكذا يتحول التنافس من صراع داخل المؤسسات الدولية إلى منافسة بين مؤسسات وأنظمة مختلفة.
بينما “الترامبية” بوصفها تصوراً كاملاً للنظام الدولي، ليست مجرد نزعة انعزالية. وفق هذا التصور، أصبح النظام غير قابل للإصلاح وتحول العالم إلى “غابة” تتقاسمها القوى الكبرى من خلال الصفقات وموازين القوة، لا القواعد العامة. تصبح الأميركيتان مجالاً أميركياً، وأوكرانيا ضمن المجال الروسي، وآسيا ضمن المجال الصيني، فيما تبني تركيا والسعودية وغيرهما دوائر نفوذ إقليمية أصغر. هذه ليست، معلومات عن اتفاق سري لتقسيم العالم، بل قراءة تحليلية لمنطق القوة. وقد تنتج الغابة هدوءً مؤقتاً إذا احترمت القوى حدود بعضها، لكنها تزرع صراعات مزمنة على التخوم، حيث تتداخل المجالات ولا يعترف أحد بحدود الآخر.
السيناريوهات القادمة للنظام العالمي الجديد
الحرب المقبلة، لن تُحسم بعدد الطائرات والدبابات وحدها. قد تمتلك بريطانيا نحو 150 دبابة حديثة قادرة على النجاح في المعركة الأولى، لكنها لا تمتلك قاعدة صناعية تسمح بتعويض خسائر حرب طويلة. وهذا هو الفارق بين امتلاك منصات متقدمة وامتلاك قوة مستدامة. حيث تشمل القدرة الحقيقية مخزون الذخائر، وسرعة الإنتاج والصيانة، وحماية الكهرباء والمياه والطاقة والكابلات البحرية والأقمار الصناعية وسلاسل المعادن والإمداد. كما تشمل صمود الاقتصاد والمجتمع أمام التضليل والهجمات السيبرانية والانقطاع الطويل للخدمات. فالجيش قد يكسب الاشتباك الأول، لكن الدولة تخسر الحرب إذا عجز مصنعها عن التعويض، واقتصادها عن التمويل، ومجتمعها عن الاحتمال.
يضع إلوود العالم أمام ثلاث مسارات:
• الأول: إصلاح النظام عبر صيغة شبيهة بـ “بريتون وودز”، تمنح القوى الصاعدة دوراً حقيقياً في تصميم القواعد بدلاً من مطالبتها بالانضمام إلى نظام صنعه الآخرون.
• الثاني: قبول عالم مجالات النفوذ، مع صراعات مستمرة على أطرافها وقنوات خلفية تمنع الانفجار الشامل.
• الثالث: مواصلة الانحدار الحالي، مؤسسات مشلولة، وردع متراجع، وحروب إقليمية تتوسع حتى تتصل ببعضها وتنتج حرباً عالمية متعددة المجالات.
ليس أياً من هذه السيناريوهات يتم تقديمه بوصفه قدراً محتوم، لكن غياب الاختيار الواعي سيجعل السيناريو الأسوأ نتيجة تراكمية لقرارات صغيرة ومترددة.
فالمعركة ليست فقط لمنع الحرب المقبلة، بل لتحديد من سيكتب قواعد النظام الذي يلي تآكل نظام 1945. الخيار اليوم، ليس بين الحرب والسلام وحدهما، بل بين المشاركة في تشكيل العالم المقبل، أو الاستيقاظ داخله بعد أن يكون الآخرون قد صمموه وفرضوا شروطه.





