”نظرية الرجل المجنون“: من مكيافيلي إلى ترامب

عادت نظرية «الرجل المجنون» إلى الواجهة مع سياسات دونالد ترامب، وسط تحذير من مخاطرها على استقرار المنطقة، وتأكيد ثبات الدور العُماني في حماية الملاحة وصناعة السلام.

”نظرية الرجل المجنون“: من مكيافيلي إلى ترامب
”نظرية الرجل المجنون“: من مكيافيلي إلى ترامب
أثير - عبدالعزيز بن علي السعدون
إعلامي عُماني وباحث، حاصل على ماجستير في علوم الصحافة والإعلام من الجامعة اللبنانية ببيروت
قد يبدو العنوان ملفت قليلا لكنه يندرج ضمن مجموعة من المفاهيم والنظريات صاغها الفيلسوف الإيطالي نيكول مكيافيلي (1469-1527) كمفهوم استراتيجي في علم السياسة والعلاقات الدولية. وتقوم نظرية الرجل المجنون على توظيف السلوك اللاعقلاني لتعزيز النفوذ والهيمنة لإرباك الخصوم.
يقول مكيافيلي إنه من الحكمة أحيانا محاكات الجنون المصطنع كأداة سياسية، وهذا ما طبقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته.
طُبقت هذه النظرية في السياسات الامريكية وبالذات في الحرب الباردة ملوحة بالسلاح النووي، فيما عرف، بحافة الهاوية، بهدف إرهاب الخصوم ودفعهم لتقديم تنازلات. وكان إسهام المنظرين الامريكيين في تطوير مفهوم ما يسمى، (عقلانية اللاعقلانية) وانفلات السلوك العقلاني للقائد وعدم التنبؤ بآثار هذا السلوك، الأثر الكبير في دعم النظرية لتبدو جاذبة ومنسجمة مع أي فكر متطرف.
لقد امتد استخدام نظرية ”الرئيس المجنون“ أو ”الرجل المجنون“، إلى الكثير من القادة على مستوى العالم، مثل أدولف هتلر في المانيا، والأمريكي ريتشارد نيكسون، والروسي فلاديمير بوتن، والكوري الشمالي كيم جونغ اون، فلقد وظفوا النظرية في مفاوضات عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية، مع اختلاف النتائج وإدارة المخاطر الكارثية، كما هو الحال مع ترامب وإدارته غير المؤهلة التي تخلوا من النخب والكفاءات العسكرية.
في عالمنا العربي ظهر زعيم أممي اسمه معمر القذافي، أنتج فكرًا ونظريات مهمة هدفت إلى تعزيز الوعي العربي وإنارة الطريق للأجيال القادمة، وقد نجح الى حد كبير في جذب الشباب العربي الحالم بالحرية والانعتاق من بقايا الاستعمار البغيض، وقد يكون للفاتح من سبتمبر يوم استيلاء القذافي على السلطة عام 1969م الدور الكبير لجذب الجماهير العربية لتزامنه مع رحيل القائد التاريخي للأمة العربية الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م وما قام به من دور وطني لتوحيد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
لقد وجد القذافي نفسه بين ليلة وضحاها محاطاً بالجماهير من كل جانب، ما مهد له خلط الأوراق من خلال العصف الذهني لقضايا الأمة وتعقيداتها ليوجه نظرياته إلى الجماهير العربية والشعوب الأفريقية وشعوب أمريكا اللاتينية، والشعوب الآسيوية، كما فعل عبد الناصر بعد مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام1956م وولادة تكتل أممي يجمع نصف سكان العالم تحت مسمى (دول عدم الانحياز)، إلا أن القوى الاستعمارية وبعض الأنظمة العربية، اعتبرته غارقًا في النرجسية ولن تسمح بتكرار ظهور ”ناصر جديد“ على الساحة السياسية العربية بل لقبته بالرجل المجنون، لكنه دافع عن أهدافه وقناعاته من خلال منجزاته آلتي امتدت من ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 حتى يوم استشهاده غدرًا وغيلة، فيما عرف بالربيع العربي الاجرامي عام2011م.

القذافي الرجل المجنون: الرئيس الذي أرهب الغرب

قرأ كتاب الأمير لمكيافيلي ونظرياته وبالأخص الرجل المجنون، وقد أشار إلى الكثير من النظريات لقادة ومفكرين عرب وأجانب ، ونهل من المعين المتدفق لتاريخ أمتنا العريق، وقد تجلى ذلك في صفحات الكتاب الأخضر الذي ضم خلاصة فكره وما آمن به في مسيرته.
الكتاب الأخضر هو كتاب فلسفي وسياسي ألفه الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ونشر لأول مرة عام 1975م، طرح فيه رؤيته البديلة لأنظمة الحكم، والاقتصاد والمجتمع. وأطلق عليه (النظرية العالمية الثالثة)

من أشهر مقولات وقواعد الكتاب الأخضر

  • البيت لساكنه.
  • شركاء لا أجرا
  • الحزبية إجهاض للديمقراطية.
  • لا حرية لشعب يأكل من وراء حدوده
  • .الرياضة نشاط عام ينبغي أن يُمارس لا أن يتفرج عليه
الأرض ليست ملكاً لأحد وأنها ملكية عامة وليست سلعة تباع وتشترى.
في كل مناسبة وطيلة أربعة عقود دون كلل أو ملل، يزأر كالأسد، ويصرخ، ويحذر أمام الرؤساء العرب والأفارقة في كل القمم من المصير المظلم للأمة العربية، ويدعوهم إلى العمل الوطني الجماعي والوحدة، ويقرء لهم المستقبل وما سيحل بهم وبأوطانهم من خراب ودمار، إلا أنهم يتغامزون ويسخرون من طروحاته أمام الملأ، وعلى الهواء مباشرة. رحمك الله يا زعيم.

الرئيس ترامب على خطى نيكسون

نظرية الرجل المجنون تعود إلى الواجهة بوصفها خيارًا استراتيجياً للرئيس ترامب، واختبارًا لفهم سلوكياته في إدارة ملفات كثيرة ومعقدة صنعها بنفسه، ليوسع بذلك دائرة الجنون، لتشمل كندا التي هدد بضمها، وجزيرة جرينلاند التابعة للدانمارك التي ادعى أنها مهمة للأمن القومي لأمريكا، مما أغضب حلفائه في الناتو على اعتبار أن جرينلاند تتبع المملكة العضو في حلف الناتو، وهدد بالانسحاب من الناتو نفسه، ثم اتخذ قرارًا جنونيًا بخطف رئيس فنزويلا من فراشه واقتياده في مشهد مخز من دولة تدعي حماية العدل والديمقراطية و القانون. ليتجه إلى فلسطين المحتلة ويهدد باحتلال غزة وتحويلها إلى ”ريفيرا ترامب“، ليوسع دائرة الجنون بشن حرب مدمرة على إيران بمشاركة عراب الحروب نتنياهو الذي سوّى غزة بالأرض.
لقد وصل وضع المنطقة الى حافة الهاوية، والرجل المجنون يُعلن أن مضيق هرمز أرضًا أمريكية، ولم يكتفي بل أتخذ خطوة استباقية إجرامية بالتهديد بنسف بلدي الغالية عُمان، في حال تعاونها مع إيران شريكتها في السيادة على مضيق هرمز، لتسهيل الملاحة وعبور السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة. وللمرة الثانية يتوعد عُمان بالنسف والتدمير ان لم تمتثل لسياسته.
سلطنة عمان موقفها ثابت وصلب ينبع من إيمانها الراسخ بأن حرية الملاحة البحرية وأمنها عبر مضيق هرمز تقع ضمن المسؤولية السيادية لكل من عُمان وإيران. وهذا ماتقوم به سلطنة عمان منذ عام 1968م بعد اعتماد الاتفاقيات الدولية القانونية حول المضائق والمياه الاقليمية للدول. والعتب على الأشقاء وموقفهم الخافت الصامت من تهديدات ترامب لعُمان، ثم تهميش الإعلام الخليجي مع غياب الإعلام العماني لدور عُمان في استقرار المنطقة وجهودها لحماية مسارات الملاحة والابحار الآمن لنفوط كل دول الخليج بما فيها نفط إيران، فالممر الوحيد الآمن والصالح لعبور السفن العملاقة التي يصل غاطسها الى 16مترا يقع في المياه الإقليمية العمانية وتقوم الجهات المعنية وعلى رأسها البحرية السلطانية العمانية بهذه المهام الجسيمة منذ عام 1968م ثم تطورت آلية الملاحة في1970م حتى الآن لتأمين مرور السفن وإرشادها في الدخول والخروج.
وهي عملية معقدة تتطلب الكثير والكثير من القدرات الاحترافية والمهارات، في ممر عمقه ستون مترًا وعرضه ثلاثة كيلومترات من البر العُماني، وهو الممر الوحيد الآمن لعبور ناقلات النفط العملاقة دون مقابل، مع ما تتحمله عُمان من موارد مالية ودعم لوجستي، يهون كله لعيون الأشقاء في دول الخليج، رغم الآثار البيئية للمخلفات النفطية وتأثيراتها الخطيرة، على النظام الأيكولوجي للخليج العربي وبحر عمان والبيئة المحيطة. ولا منّة في ذلك، رغم أن عُمان موانئها تقع على بحر عُمان وبحر العرب، إلا أنه يقع ضمن سيادتنا وخدمة لأشقائنا والمرور الآمن إلى العالم. هذه هي عمان وهذه هي الثوابت التي تحرص على ترسيخها كسنن حميدة درجت عليها في تاريخها المجيد.
ويا لغرابة المفكرين والكتاب والمحللين السياسيين، المقيمين في استديوهات بعض القنوات الفضائية التي تفتقر الى المهنية المتوازنة، والذين يتحاشون التطرق إلى الدور العُماني الايجابي على الساحة الخليجية والعربية والدولية في كل أزمة تستجد. ومن هذه الأدوار المتميزة اتفاقية 5+1 بين إيران والدول الخمس الكبرى عام 2015م ودور المغفور له السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه و الزيارة التي قام بها لإيران اقنع خلالها القيادة الإيرانية بالامتثال للقانون الدولي ووكالة الطاقة الذرية، وتوقيع الاتفاقية ونَزَعَ فتيل البارود الذي كان قاب قوسين أو أدنى للاشتعال، ثم الوساطات والجولات المكوكية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه لكل دول الخليج، وإيران، وباريس ولندن وموسكو وألمانيا و وغيرها من الدول الأوروبية والأسيوية، كل هذه الزيارات تمت في فترات متقاربة جداً خلال عامين وكانت أهدافها ومقاصدها نبيلة وإنسانية لإبعاد شبح الحروب وإحلال السلام في المنطقة. كذلك ما قام به معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، ومساعيه الخيرة والوساطات العمانية المتلاحقة والمستمرة التي لم تتوقف لإبعاد المنطقة عن مخاطر الحروب وكان آخرها الطعنة الغادرة من الرجل المجنون للوساطة العمانية بعد نجاحها.
كل هذه الجهود والمساعي العمانية هدفها الاستقرار والهدوء لمنطقة الخليج، حتى أتى ”الرجل المجنون“ ترامب في رئاسته الاولى، وألغى الاتفاقية عام 2018م ودخلت المنطقة في تجاذبات وحالة من الشك والريبة، ليعود ترامب في رئاسته الثانية ويشعل المنطقة في حرب مدمرة دفعنا أثمانها جميعا. كل هذه الكوارث يهدد بها ترامب من أجل فرض شروطه وكسب المفاوضات وتخويف إيران.
ريتشارد نيكسون أعتمد هذا الأسلوب مع المفاوضين الفيتناميين حيث اعترف هنري كيسنجر أن الرئيس نيكسون طلب منه إرهاب وتخويف الفيتناميين في مفاوضات ياريس. وقال لهم هذا الرئيس وصل إلى حالة من الجنون وقد وقع على توجيه ضربة عسكرية مدمرة لكم، وقد نفقد السيطرة على إيقافه. إلا أن الفيتناميين واصلوا حرب التحرير واحتلوا سايغون معقل القوات الأمريكية والحكومة الموالية لهم، وانتصر الجنرال فون غوين جياب وهربت القوات الأمريكية عام 1975م.
وانتجت هوليوود فيلمًا سينمائيًا سمته ”الرحلة الأخير“ تحكي قصة هروب القوات الأمريكية وعملائهم من الفيتناميين الذين تخلت عنهم في ساحة المطار وهم يمسكون بعجلات الطائرات والسلالم. وسبحان الله ذلك المشهد تكرر في مطار كابول عام 2021م أثناء هروب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بعد عشرين عاما، لتسيطر طالبان على كل أفغانستان.
نظرية ”الرجل المجنون“ لمكيافلي تكشف عن خلل بنيوي يلغي قواعد الحروب الأخلاقية، وقصور قيمي ممنهج، إلا انها جاذبة للحمقى وأن مكيافيلي أضاف هذه النظرية لمقولته الشهيرة: الغاية تبرر الوسيلة

شارك هذا الخبر