أثير - محمد الدغيشي
بدأت محافظة الظاهرة رهانًا طموحًا على إحياء تراثها العمراني؛ فمشروع ترميم حارة الرمل الأثرية في عبري، الذي انطلق أواخر الصيف الماضي، لا يقتصر على أعمال البناء والترميم، بل يمثل اختبارًا لنموذج اقتصادي قد يعيد صياغة العلاقة بين الحفاظ على التراث والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان.
والسؤال الأهم: هل ستصبح الحارة، بعد عامين من العمل المكثف، وجهة حية تنبض بالحركة الاقتصادية والثقافية وتجذب السياح، أم ستتحول إلى مجرد موقع محفوظ يفتقر إلى مقومات الحياة والاستدامة؟
تطوير الحارة بين ”الحفاظ“ و ”العصرنة“
يمتد مشروع تطوير حارة الرمل على مرحلتين، تستهدف المرحلة الأولى ترميم وتطوير نحو 30% من إجمالي مساحة الموقع التاريخي.
وتشمل الأعمال، كما أوضح عبدالعزيز بن محمد البلوشي، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة الظاهرة الدولية للتنمية والاستثمار، ترميم المتحف والممرات الداخلية، وإعادة تأهيل نحو 30 محلًا تجاريًا.
كما يتضمن المشروع إنشاء مقهى ومطعم بطابع تقليدي، ونُزلين سياحيين، إلى جانب ترميم مسجد القعقاع الواقع داخل الموقع، وإضافة مصلى مخصص للنساء. وتشكل هذه المكونات، نظريًا، بيئة متكاملة لاستقطاب الزوار والمستثمرين.
ويهدف المشروع إلى إعادة توظيف الحارة التاريخية دون المساس بأصالتها أو طابعها المعماري، بما يفتح الباب أمام استخدامها بصورة تجمع بين الحفاظ على قيمتها التراثية والاستفادة من إمكاناتها السياحية والاقتصادية.
هل تتحول الحارة إلى محرك اقتصادي حقيقي؟
هنا يبرز التحدي الفعلي؛ فالبناء والترميم هما الخطوة الأولى، أما النجاح الحقيقي فيعتمد على نموذج التشغيل والإدارة بعد افتتاح الموقع.
ويستهدف المشروع كذلك توفير فرص تجارية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال وأفراد المجتمع المحلي. وهو توجه طموح، لكنه يطرح في المقابل أسئلة تتعلق بآليات التنفيذ: كيف سيتم اختيار المستثمرين؟ وما نسبة الإيجارات؟ ومن سيشرف على الصيانة المستمرة؟
محافظة الداخلية؛ نموذج يمكن الاستفادة منه
تقدم مشروعات تطوير وتأهيل المواقع الأثرية في محافظة الداخلية تجربة يمكن الاستفادة منها في هذا السياق؛ إذ أدت إلى زيادة ملحوظة في أعداد الزوار، حيث ارتفع عدد زوار القلاع والحصون من 312.2 ألف زائر في عام 2023 إلى أكثر من 415 ألف زائر في عام 2024، بزيادة بلغت 33%.
وتشير هذه الزيادة إلى أن الاستثمار في ترميم المواقع الأثرية يمكن أن ينعكس على حركة الزوار، إذا اقترن بحسن التشغيل والاستفادة من المقومات السياحية للمكان.
دور المجتمع المحلي؛ الفرصة والمسؤولية
تسعى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في المواقع الأثرية إلى تنويع الخدمات المقدمة للزوار، وهو ما يجعل نجاح حارة الرمل مرتبطًا، إلى جانب المستثمرين، بانخراط رجال الأعمال المحليين والحرفيين وأفراد المجتمع.
غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تحتاج إلى دعم حكومي واضح؛ إذ تسعى الوزارة إلى الحفاظ على المواقع التاريخية من الاندثار أو تغييرها إلى أنماط غير تراثية، من خلال مبادرات تدعم المواطنين على ترميم ممتلكاتهم التراثية.
ومن هنا، فإن إشراك المجتمع المحلي في النشاط الاقتصادي للحارة يمكن أن يشكل جزءًا أساسيًا من استدامة المشروع، وليس مجرد عنصر إضافي فيه.
عبري ضمن رؤية أوسع للتنمية التراثية
لا يقف مشروع حارة الرمل بمعزل عن مشروعات أخرى لإحياء المواقع التراثية؛ فقد أطلقت محافظة الداخلية مشروعات لترميم وتطوير المواقع الأثرية بتكلفة تتجاوز 3.78 مليون ريال عُماني.
وبالمثل، تجري مشروعات لتطوير حارة الحمراء القديمة وحارة مسفاة العبريين والعقر في ولايات الداخلية والظاهرة.
ويعكس ذلك توجهًا نحو إعادة توظيف الحارات والمواقع التاريخية، بحيث لا تقتصر قيمتها على كونها أصولًا تراثية، وإنما تمتد إلى إمكانية أن تكون جزءًا من النشاط السياحي والاقتصادي.
تجارب في إحياء الحارات التراثية
تقدم حارات عُمانية أخرى نماذج مختلفة لمحاولات إعادة الحياة إلى المواقع التراثية، مع اختلاف طبيعة كل تجربة وأهدافها:
حارة الشرفاء في البريمي
تعد حارة الشرفاء من الحارات العريقة في محافظة البريمي، حيث تحتفظ بطابعها التراثي المميز. وجاءت فكرة إعادة إحيائها كمتابعة طبيعية لمشروع إعادة إحياء فلج الصعراني، الذي أحدث نقلة كبيرة في المكان، وعادت المزارع إلى ما كانت عليه سابقًا.

ويتركز الاهتمام حاليًا على ترميم مسجد الحارة، إذ يُعتقد أن وجود مسجد مهيأ للصلاة من شأنه إعادة الحركة تدريجيًا إلى الحارة، سواء من أبناء الحارة أو من أبناء الولاية والزوار، لا سيما أن موقعها المركزي في الولاية يسهل الوصول إليها.
حارة اليمن الأثرية في إزكي
تعود أهمية حارة اليمن في إزكي إلى أنها تُعد أقدم مستوطنة في سلطنة عُمان، حيث يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.

وأُعدت لها دراسة بحثية شاملة تحت مسمى “حارة اليمن الأثرية - حكاية الزمان وعبقرية الإنسان والمكان”، تتضمن حصرًا شاملًا للعلماء والفقهاء والأدباء الذين أنجبتهم الحارة، وكشوفًا تفصيلية لتوظيفها سياحيًا واقتصاديًا، إلى جانب تقديرات مالية لترميم المرافق العامة والبيوت التراثية.
كما تضمنت الدراسة خطة لتأسيس شركة أهلية للمشروع، تُشرك أهالي الحارة مباشرة في مسيرة التطوير.
حارة الغافات في بهلاء
ترأس والي بهلاء الشيخ سعيد بن علي الصلف النعيمي اجتماعًا لمناقشة مشروع ترميم الحارة القديمة “حارة الغافات”، بحضور عضو مجلس الشورى ومديرة إدارة التراث والسياحة بمحافظة الداخلية ومدير دائرة الإسكان والتخطيط العمراني.

وجرى خلال الاجتماع استعراض مكونات الحارة التي تضم منازل ومحلات تجارية ومساجد. وتشمل مستهدفات المشروع أعمال الترميم والتبليط، وتهيئة الممرات والإطلالات والمواقف والإنارة والمداخل، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في المنطقة والولاية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الترميم
خلال العامين المقبلين، ستكون نسب الإنجاز وجودة الترميم والمحافظة على الطابع المعماري مؤشرات مهمة، لكن الاختبار الأهم سيبدأ مع تشغيل الحارة واستقبال الزوار.
فهل ستوجد خطة واضحة للصيانة والإدارة؟ وكيف ستُدار المحال والمرافق؟ وما المساحة التي سيحصل عليها المستثمرون وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟ وكيف سيشارك المجتمع المحلي في النشاط الاقتصادي؟ وهل ستتحول الحارة إلى وجهة تستقطب الزائر أكثر من مرة، أم تظل زيارتها مرتبطة بمشاهدة المباني فقط؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مدى نجاح تجربة حارة الرمل في الجمع بين التراث والتنمية. فالمشروع لا يستهدف إعادة بناء الماضي فحسب، وإنما اختبار قدرة المكان التاريخي على استعادة دوره في الحاضر، اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا.





