بين سبتمبر 2008 و2026؛ هل ستتكرر الأزمة؟

تدفع أسعار النفط واضطرابات السندات وهشاشة أسهم الذكاء الاصطناعي إلى تصاعد القلق المالي، فيما تذكّر أزمة 2008 بأن الركود قد يطيح بالقواعد الاقتصادية التقليدية.

عن الكاتب

محمد  حسن
محمد حسن

كاتب وباحث سوري

بين سبتمبر 2008 و2026؛ هل ستتكرر الأزمة؟
الأزمة المالية العالمية
أثير - محمد حسن، كاتب وباحث سوري
هل صحيح أنّ الأحداث السيئة تأتي دائمًا في شهر سبتمبر؟ لسببٍ ما، حظي هذا الشهر بأهمية لا يُعرف مصدرها على وجه التحديد، ويُسمّى أيلول كما يُطلق عليه في بلاد الشام والرافدين، انطلاقاً من أصل الكلمة الأكادي/السرياني القديم، والتي تعني النُواح أو العويل حيث كانت تقام فيه المناحة على الإله تموز طلباً للمطر والخصب، أو كما يُطلق عليه في دول الخليج العربي ومعظم دول العالم أي سبتمبر، وهو الاسم الروماني اللاتيني الذي يعني رقم سبعة قبل أن يتراجع إلى الشهر التاسع بعد أن أضاف الملك الروماني بومبيليوس شهرين إلى السنة.
لماذا يبدو هذا الشهر الذي تنشط فيه الرياح وندخل معه إلى فصل الخريف حزيناً أو أصفراً بالرغم من الجمالية التي يعطيها مشهد الأوراق الصفراء التي تتطاير في الجو وبين الأشجار، والتي ألهمت الشعراء والمغنين فأجادوا أجمل الكتابات والألحان ومنها فيروز التي غنت لأيلول، “ورقو الأصفر شهر أيلول”، وهي من كلمات جوزيف حرب وألحان فيلمون وهبي، وهو أول ألبوم لفيروز بعد انفصالها عن الأخوين الرحباني، وربما لذلك أجادت فيه “بيصير يبكيني شتي أيلول ويفَيّقني عليك يا حبيبي، ليالي شتي أيلول بتشبه عينيك”.
لطالما شكّل سبتمبر شهر عبور نحو أفقٍ ما، فلم يكن النواح على تمّوز سوى مقدمة لعودته في الشتاء وعودة المطر والخصب، وفيه يبدأ الاستعداد لموسم الزراعة والتحضير لحراثة الأرض، وفيه يتهجى الفلاح الأرض ويقرأ حروفها على نتف الغيوم البيضاء، وفيه نتذكر ما نسينا من الشجر ونقف لحظات مع أنفسنا لنمسح الغبار عن أسئلة احرقتها سنوات العمر ومازال رمادها في أعيننا.
ارتبط شهر سبتمبر بآفات وأزمات مالية تفوق حصته المفترضة، ربما لأن المشاكل التي ظلت تغلي تحت السطح طوال الصيف تتضح معالمها وتطفو للعلن بمجرد انتهاء العطلات الصيفية، هذا إن أردنا الحديث فقط عن الأزمات المالية ولم نتوسع في الحديث عن الكوارث والحروب وحوادث الإرهاب المنظم، ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأيلول الأسود، وحادثة البيجر في لبنان وغيرها.
قبل 18 عاماً من هذا الأسبوع، أدى انهيار بنك “ليمان براذرز” إلى إقحام الاقتصاد العالمي في ركود عميق، وهي حادثة إفلاس وقعت في 15 سبتمبر 2008، لواحد من أكبر وأقدم بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة والعالم والذي تأسس عام 1850، أدت هذه الحادثة إلى الانهيار الذي فجّر الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وأغرق الاقتصاد العالمي في حالة ركود حاد.
بدأت قصة أزمة الرهن العقاري عندما شرعت البنوك الأمريكية بمنح قروض عقارية بمليارات الدولارات لأشخاص ليس لديهم دخل ثابت أو قدرة مالية حقيقية على السداد، ومن ثم قام بنك ليمان براذرز وبنوك أخرى بجمع هذه القروض الضعيفة وتغليفها في أدوات مالية معقدة (مثل مشتقات سندات الدفع)، ثم بيعها للمستثمرين حول العالم كاستثمارات آمنة وذات أرباح عالية، وعندما بدأت أسعار الفائدة بالارتفاع وعجز مئات الآلاف من المقترضين عن سداد أقساط منازلهم، انهارت أسعار العقارات ولم تُدفع قيمة الأوراق المالية، فتراكمت الأصول “السامة” وهي الأصول التي هبطت قيمتها بشكل حاد ومفاجئ، وأصبح من المستحيل بيعها أو التخلص منها لأنه لا يوجد أحد يرغب في شرائها.
عندما أعلن البنك إفلاسه بديون تجاوزت 613 مليار دولار، رفضت الحكومة الأمريكية والبنك المركزي إنقاذه لعدم تعريض أموال دافعي الضرائب للمخاطرة، فعندما يقوم فرد أو مؤسسة بالانزلاق إلى مخاطرة عالية جداً، بسبب معرفتهم المسبقة بأنّ هناك طرفاً آخر (كالحكومة) سيتحمل العواقب أو الخسائر نيابة عنهم في حال فشلهم، فهذا سيشجع إدارة البنوك على الاستمرار في المضاربة، والاندفاع نحو أصول عالية المخاطر لجمع أرباح سريعة، معتمدين على قاعدة: “الأرباح لنا، والخسائر على الدولة”.
أدت الأزمة إلى فقدان البنوك العالمية للثقة ببعضها البعض وتوقفت عن الإقراض، خوفاً من أن تكون البنوك الأخرى محملة بنفس الديون المعدومة، كما شهدت الأسهم والسندات في جميع أنحاء العالم من نيويورك إلى لندن وطوكيو أسوأ انهيار لها منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929، وتوقفت الشركات عن الحصول على تمويل لعملياتها، مما أدى إلى تسريح ملايين العمال وارتفاع معدلات البطالة عالمياً.
في سبتمبر من هذا العام، تعود أسباب القلق إلينا من جديد: ارتفاع أسعار النفط الذي ينعكس بشكل مباشر على زيادة أسعار البنزين والديزل، متسبباً في ضغوط إضافية على تكاليف المعيشة، وحركة بيع واسعة لسندات الحكومة عبر العالم، وتحذيرات صريحة من رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي تؤكد أنه من الذكاء إبطاء وتيرة التطوير في صنعتهم، إضافة إلى عوامل مستمرة، منها جروحٌ لحروب لا تعرف أن تبرأ حتى تنزف من جديد، من أوكرانيا وروسيا إلى إيران وأمريكا وإسرائيل التي لا تتوقف آلتها الحربية عن التدمير، والعقوبات الاقتصادية والتعريفات الجمركية والممرات المائية والديون السيادية وصناديق الائتمان الخاص وحرب المعادن النادرة ووضع المؤسسات الدولية على الهامش والضرب بعرض الحائط كل ما يتعلق بالشرعية الدولية، كل هذه العوامل تجتمع معاً لتبني الوصفة المثالية لسبتمبر مضطرب.
بالطبع، قد تكون هذه المحاذير مجرد جرس إنذار يمكن أن يعقبه تراجع، فقد مر أكثر من ستة أشهر منذ أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران، وحتى الآن كان تأثير إغلاق مضيق هرمز أقل حدة بكثير مما كان متوقعاً في الربيع الماضي، ومن المحتمل أن يزول الخوف الذي يسيطر على أسواق السندات حالياً، خاصة إذا انتهت حربا أوكرانيا وإيران قريباً، والذي يبدو أنه لن يحدث.
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى حرمان المنطقة من تصدير نسبة كبيرة جداً من نفطها، وكذلك النقص في الطاقة التكريرية بسبب العقوبات الغربية على النفط الروسي والاستهداف الأوكراني لمصافي الطاقة الروسية وتهالك البنية التحتية للعديد من المصافي في العالم، والذي أدى إلى شح في العرض أعقبه ارتفاع أسعار الطاقة، وامتدت تأثيراته إلى قطاعات مختلفة قد يصعب الربط بينها، حيث تشكل أسواق الطاقة على سبيل المثال حلقة وصل بين التوترات الجيوسياسية وتكاليف الرهن العقاري، إذ تساهم الاضطرابات في إمدادات النفط العالمية إلى دفع أسعار الطاقة للارتفاع، مما يساهم في التضخم، ومن ثم يمكن أن يؤدي ارتفاع التضخم إلى زيادة عوائد سندات الخزانة، مما يدفع مقرضي الرهن العقاري إلى رفع أسعار الفائدة على الاقتراض.
هناك دلائل تشير إلى أن الحرب في إيران بدأت تؤتي أُكلها التدميري على الاقتصاد العالمي، وإن كان بفارق زمني أطول مما كان متوقعاً في البداية، فلم تعد الأسواق تصدق ترامب حين يعلن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران في محاولته لتهدئة الأسواق، ونتيجة لذلك، أدى ارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل في الأسابيع الأخيرة إلى تغذية المخاوف من تضخم مستدام وقيام البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة، ورغم عدم تصاعد أسعار الخام إلى مستويات جنونية، إلا أن تكلفة البنزين والديزل لا تزال مرتفعة، بسبب النقص في الطاقة التكريرية.
ولعدة أشهر، كانت أسعار الأسهم مدعومة بالاعتقاد بأنه لا يوجد حدود لنمو أسهم التكنولوجيا، لا سيما تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. إلاّ أن هذه النظرية تخضع الآن للاختبار، ويعكس رفض ترامب للحاجة إلى تنظيم أكثر صرامة لقطاع الذكاء الاصطناعي أبعاداً عميقة، فالأمر لا يتعلق فقط بالصراع الأمريكي-الصيني لكسب حرب التكنولوجيا، بل إن الأسواق المالية تبدو الآن هشّة كما لم تكن عليه في أي وقت منذ سبتمبر 2008، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، يحتاج ترامب إلى منع فقاعة أسهم الذكاء الاصطناعي من الانفجار.
إن التاريخ قد لا يكرر نفسه بالحرف أي بالتفاصيل نفسها لكن السيناريوهات تتشابه، فهناك نقاط تشابه بين سبتمبر 2026 وسبتمبر 2008، ولكن هناك اختلافات أيضاً. كان انهيار عام 2008 نتيجة لتجاوز البنوك إمكانياتها لتمويل العقارات الأمريكية، أمّا هذه المرة فتبدو البنوك أقلّ عرضة للمخاطر، ورغم أن بعض الاستثمارات في أسهم التكنولوجيا ربما بُنيت على افتراضات غير واقعية بشأن الأرباح المستقبلية، إلا أنّه من الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي سيكون له أثر اقتصادي طويل الأجل، وهو ما لم يقدمه الاستثمار في العقارات قبل عام 2008، لذا من الخطأ الاعتقاد بأن كل الفقاعات متشابهة.
ومع ذلك، ثمة دروس يجب الاستفادة منها من أحداث سبتمبر 2008، أحدها هو أنه إذا تحولت الأزمة المالية إلى ركود اقتصادي، كما حدث قبل 18 عاماً، فإنّ القواعد التقليدية تُلقى جانباً، ولن يعود يجدي الحديث نفعاً عن رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية أو حاجة وزارات المالية إلى خفض العجز في الميزانية.
بدت أزمة ٢٠٠٨ مركزة أكثر ويمكن أن نعزوها إلى عوامل مترابطة أشعلت الحريق في المركز بينما تبدو أحداث اليوم أكثر تباعداً ونتائجها متفرقة لكنها تشكل مخاطر مرتفعة تهدد الاستقرار المالي، ويتم اليوم مواجهتها كُلٌّ على حِدا حتى يتم تسكين الوضع وتبريده ومنع النار من الخروج عن السيطرة، لكن يمكن أن ينفجر في أي لحظة، عامل من بين عوامل الضغط الملتهبة، يربط بين فتيل كل تلك الأزمات مجتمعة.
إن لم تقع الأزمة المالية اليوم، فهي ستقع عاجلاً أم أجلاً. ينسى الناس ولا يعتبرون من دروس الماضي، ويصيبهم التراخي والكسل، وبينما قد تتلاشى الأحداث الأخيرة وتمر بسلام، سيكون من الحكمة والاستقامة التخطيط لاحتمال انهيار آخر في سبتمبر...تحسبّاً لأي طارئ.

شارك هذا الخبر