بين الاحتواء والمساحة… ماذا نحتاج في العلاقة الزوجية؟

تبدأ العلاقة الزوجية الأكثر طمأنينة بالإنصات والتعبير الواضح عن الاحتياجات، مع مساحة متفق عليها تحترم الحدود وتعيد الحوار دون إهمال أو عقاب.

عن الكاتب

أحمد الشبيبي
أحمد الشبيبي

استشاري علاقات أسرية

بين الاحتواء والمساحة… ماذا نحتاج في العلاقة الزوجية؟
الأسرة
أثير- أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
قد يجلس الزوجان تحت سقف واحد ويتبادلان أحاديث الحياة اليومية ومع ذلك يشعر أحدهما بأنه وحيد ويشعر الآخر بأنه محاصر. هي تقول: ”لم تعد تهتم بي“ وهو يقول: ”لم تعد تمنحني فرصة لأهدأ“. وبين العبارتين تتسع المسافة رغم أن كليهما قد يرغب في القرب لكنه لا يعرف كيف يطلبه، أو كيف يفهم حاجة شريكه إليه.
تتداول أحاديث الناس عبارات من قبيل: المرأة تحتاج إلى الاحتواء والرجل يحتاج إلى مساحة المرأة يؤلمها الإهمال والرجل ينفر من السيطرة. وقد تصف هذه العبارات بعض التجارب لكنها لا تصلح قاعدة لكل زواج. فالمرأة تحتاج أيضًا إلى الثقة والمساحة والرجل يحتاج أيضًا إلى الاهتمام والاحتواء. والأجدى أن نسأل: ماذا يحتاج شريكي تحديدًا؟ وكيف يعبّر عن حاجته؟

الاحتواء يبدأ بالإنصات

حين تتحدث الزوجة عن موقف أزعجها قد يبادر الزوج إلى تقديم الحلول بينما تنتظر منه أن يسمعها ويقدّر شعورها أولًا. وقد يعود الزوج مثقلًا بضغوط يومه فيحتاج إلى من يستمع إليه دون أن يحوّل حديثه إلى محاكمة أو قائمة جديدة من المطالب. الاحتواء أن يشعر الإنسان بأن مشاعره مسموعة حتى عندما يختلف شريكه مع تفسيره للموقف وعبارة مثل: ”أفهم أن ما حدث أزعجك أخبرني أكثر“ تفتح بابًا للحوار بينما عبارة: ”أنت تكبّر الموضوع“ قد تغلقه. ويمكن اختصار كثير من سوء الفهم بسؤال بسيط: ”هل تريدني أن أسمعك أم نفكر معًا في حل؟“

مساحة تهدّئ… وقرب يطمئن

يحتاج بعض الناس إلى الحديث عند الانزعاج، ويحتاج آخرون إلى وقت قصير لترتيب أفكارهم. المشكلة تبدأ حين يفسّر أحد الطرفين الصمت على أنه إهمال، أو يفسّر الآخر طلب الحديث على أنه تحكّم.
لنتخيّل زوجًا يعود متعبًا، فتطلب زوجته مناقشة أمر مهم، فيجيب بحدة أو ينسحب بلا تفسير. هنا يتضاعف قلقها، ويزداد إلحاحها، فيشعر بمزيد من الضغط. أما لو قال: ”أحتاج نصف ساعة لأهدأ، وبعدها نجلس ونتحدث“، ثم التزم بموعده، فإنه يمنح نفسه مساحة ويمنحها طمأنينة.
المساحة المتفق عليها تساعد على تهدئة الحوار، لكن الصمت الطويل أو الانسحاب بقصد العقاب يترك الطرف الآخر في حيرة وألم. والقرب بدوره يحتاج إلى احترام وقت الشريك وحدوده.

التقدير يحفظ كرامة العلاقة

المقارنة تجرح حين يسمع الإنسان: ”انظر إلى زوج فلانة“ أو ”لماذا لا تكونين مثل أختك؟“. فهي تنقل الحديث من احتياج يمكن مناقشته إلى تقييم يشعر معه الطرف الآخر بأنه أقل قيمة. وكذلك الإهانة والسخرية والتقليل من الجهد فهي تؤذي الزوج والزوجة، وتضعف شعورهما بالأمان.
يمكن التعبير عن الطلب بوضوح واحترام: ”أحتاج إلى وقت أكثر معك“ أو ”أتمنى أن نتفق قبل اتخاذ هذا القرار“. أما ”أنت لا تفهم أبدًا“ و”لا فائدة منك“ فتدفعان الحوار نحو الدفاع والهجوم، وتُبعدانه عن المشكلة الأصلية.

الاهتمام يُرى في التفاصيل

قد تكون عبارة ”أريد أن أكون أولوية“ طلبًا بسيطًا لوقت محفوظ، أو سؤال صادق، أو مشاركة في قرار. وقد تكون الرغبة في الراحة والهدوء حاجة إلى نقاش يحفظ الكرامة ويسمح بالتعبير دون خوف.
ليس المطلوب أن يحتل الشريك كل وقتنا، بل أن يجد لنفسه مكانًا واضحًا فيه. عشر دقائق من الإصغاء دون هاتف، وشكر على جهد يومي، ومبادرة بالسؤال، قد تجعل الاهتمام ملموسًا. والثقة تقوى حين تتوافق الأقوال مع الأفعال، وتُحترم الوعود والخصوصية والحدود المتفق عليها.

من التخمين إلى السؤال

يمكن للزوجين أن يخصّصا وقتًا أسبوعيًا لثلاثة أسئلة: ما الذي أشعرك بالقرب مني هذا الأسبوع؟ ما الذي أزعجك وتحتاج أن أفهمه؟ وما الخطوة الصغيرة التي نتفق عليها للأسبوع المقبل؟
تساعد هذه الأسئلة على تحويل الشكوى إلى احتياج واضح، والاحتياج إلى فعل قابل للتنفيذ. وإذا تكررت الإساءة أو تعثّر الحوار، فإن الاستعانة بمختص قد تساعد على فهم النمط ومعالجته؛ فالاحتواء لا يعني قبول الإهانة أو العنف.
تبدأ العلاقة الأكثر طمأنينة حين نتوقف عن افتراض أننا نعرف ما يحتاجه الطرف الآخر، ونمنحه فرصة ليخبرنا. فالسؤال الصادق: ”كيف أستطيع أن أكون أقرب إليك؟“ قد يفتح حديثًا تأخر طويلًا.

شارك هذا الخبر