من “النجاح” إلى “الشروق”: صحفٌ كانت تتزيّن بأخبار عُمان في شرق إفريقيا

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

من “النجاح” إلى “الشروق”: صحفٌ كانت تتزيّن بأخبار عُمان في شرق إفريقيا
صحفٌ كانت تتزيّن بأخبار عُمان في شرق إفريقيا
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
لم تكن الصحافة العُمانية التي نشأت في شرق إفريقيا خلال النصف الأول من القرن العشرين مجرد صحف تنقل الأخبار وتتابع الأحداث، بل مثّلت مساحة واسعة للحضور الثقافي والفكري العُماني، وحملت معها اللغة والأدب والفكر وقضايا الوطن، وأسهمت في تشكيل الوعي لدى المجتمع العُماني في المهجر، وفي مد جسور التواصل بين عُمان وشرق إفريقيا من جهة، وبينهما وبين الفضاء الثقافي العربي من جهة أخرى.
هذه التجربة كانت محور ورقة العمل التي قدمها الدكتور محسن بن حمود الكندي، الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الأدب العُماني الحديث وتاريخ الأدب والصحافة العُمانية، ضمن الجلسة الحوارية المصاحبة للملتقى الصحفي العُماني التنزاني، الذي نظمته جمعية الصحفيين العُمانية، وجاءت تحت عنوان “التأثير العُماني في الشرق الإفريقي: قراءة ثقافية في ثيمات الرحيل المعرفي – الصحافة العُمانية المهاجرة أنموذجًا”.
وجاءت مشاركة الدكتور الكندي ضمن المحور الثاني من الجلسة الحوارية، الذي خُصص لـ“الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا.. رحلة الكلمة من الوطن إلى المهجر“، وكان الملتقى قد انطلق في دار السلام بمشاركة صحفيين وإعلاميين وباحثين ومسؤولين من سلطنة عُمان وتنزانيا، متضمنًا جلسات حوارية ولقاءات مهنية وزيارات للمؤسسات الإعلامية والمواقع التاريخية والحضارية.
“الرحيل المعرفي”.. من عُمان إلى المهجر
انطلق الدكتور محسن الكندي في ورقته من مفهوم سماه “الرحيل المعرفي”، رابطًا إياه بظاهرة التأثير الحضاري وبحركة الإنسان وانتقال الأفكار والمعارف بين البيئات المختلفة، ويرى أن الحضور العُماني خارج الوطن لم يقتصر على شرق إفريقيا وحدها، وإنما امتد إلى مناطق أخرى، إلا أن الساحل الإفريقي الشرقي مثّل فضاءً بارزًا تشكلت فيه أنماط من الأدب والثقافة يمكن النظر إليها بوصفها “أدبيات المهجر العُماني” الموازية لأدبيات الوطن.
وبحسب الورقة، فإن انتقال العُمانيين من الوطن إلى المهجر لم يكن انتقالًا بشريًا أو تجاريًا فحسب؛ فقد رافقه انتقال للمعرفة والأفكار والخطابات الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وأنتج بيئة ثقافية ذات سمات خاصة على الساحل الإفريقي الشرقي.
وفي هذا السياق، يضع الكندي الصحافة في صميم هذا “الرحيل المعرفي”، باعتبارها من أبرز الأدوات التي نقلت الأفكار وفتحت المجال أمام التفاعل مع الآخر، وشكّلت حاضنة لمواهب عُمانية في الشعر والقصة والمقالة وغيرها من الأجناس الأدبية.
المطبعة السلطانية تمهد لمرحلة جديدة
تعود الورقة إلى إحدى المحطات المبكرة التي مهدت لازدهار النشاط الثقافي والصحفي في زنجبار، وهي إنشاء السلطان برغش بن سعيد المطبعة السلطانية في زنجبار عام 1879م، بهدف طباعة الكتب الدينية والتاريخية والأدبية، وترى الورقة أن وجود المطبعة أوجد بيئة ساعدت لاحقًا على ظهور الصحافة والأجناس الأدبية المختلفة.
ولم يقتصر أثر الصحافة، وفق الكندي، على نشر المقالات والأخبار، وإنما ارتبط أيضًا بالبدايات المبكرة لبعض الأجناس الأدبية العُمانية الحديثة؛ إذ يشير إلى أن صحيفة “الفلق” نشرت في عام 1939م رواية “الأحلام” التي يعدّها أول رواية عُمانية، إلى جانب ما نشرته الصحف من قصص ومقالات ومسرحيات وأشكال أدبية أخرى.
خارطة الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا
قدمت الورقة رصدًا لعدد من الصحف والمجلات العُمانية المهاجرة التي ظهرت في شرق إفريقيا خلال القرن العشرين، كاشفة عن تنوعها بين الصحافة الثقافية والأدبية والسياسية والتربوية والعامة.
وتبدأ القائمة التي أوردها الدكتور الكندي بصحيفتي “النجاح” و“النادي” في عام 1911م؛ فكانت “النجاح” ذات طابع ثقافي وأدبي وارتبطت بأبي مسلم البهلاني، فيما ارتبطت “النادي” بحارث بن سليمان اللمكي، ثم ظهرت صحيفة “زنجبار” في عام 1912م، وتلتها “الكفاح” في عام 1928م برئاسة ناصر بن سليمان اللمكي.
أحد أعداد جريدة النجاح
أحد أعداد جريدة النجاح
صورة أرشيفية للشيخ أبي مسلم البهلاني
صورة أرشيفية للشيخ أبي مسلم البهلاني
وفي عام 1929م ظهرت “الفلق” برئاسة هاشل بن راشد المسكري، كما ظهرت “الصحيفة” المرتبطة بالأمين بن علي المزروعي، ثم جاءت “المعرفة” في عام 1936م و“مجلة المعلمين” في عام 1939م في المجال التربوي، وظهرت “الإصلاح” في عام 1945م، ثم “النهضة” في عام 1949م برئاسة سيف بن حمود البوسعيدي.
صورة أرشيفية للشيخ هاشل بن راشد المسكري
صورة أرشيفية للشيخ هاشل بن راشد المسكري
وتواصلت التجربة مع “المرشد” في عام 1950م برئاسة أحمد بن سيف الخروصي، و“الأمة” في عام 1958م، ثم “الشروق” في عام 1961م، بما يعكس امتداد النشاط الصحفي لعقود وتنوع اهتماماته واتجاهاته.
صحافة تحمل عُمان معها
من أبرز ما تكشفه الورقة أن عُمان ظلت حاضرة بقوة في صفحات هذه الصحف رغم صدورها بعيدًا عن الوطن؛ إذ خصصت مساحة لمتابعة أوضاع عُمان والتفاعل مع أحداثها السياسية، إلى جانب تناول الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية في البيئات التي صدرت فيها.
كما عملت هذه الصحافة على تعزيز التوجهات النهضوية، ونشر المعرفة والتعليم، وإبراز الثقافة العُمانية، والمحافظة على حضور اللغة العربية، فضلًا عن التواصل مع الحركة الفكرية العربية في البلدان التي سبقت في تجربتها الصحفية والثقافية.
وهنا تتجاوز الصحافة، في قراءة الكندي، وظيفتها الخبرية لتصبح مؤسسة ثقافية ومعرفية؛ فالصحيفة كانت مكانًا لاجتماع السياسة بالأدب والتعليم والفكر، ووسيلة لصناعة الوعي والمحافظة على الروابط بالوطن الأم.
حاضنة للشعراء والأدباء والمواهب
أولت الصحافة العُمانية المهاجرة اهتمامًا واضحًا بالأدب؛ ففتحت صفحاتها أمام المواهب الشعرية والقصصية، وأسهمت في التعريف بها وتنميتها، إلى جانب بث الوعي بين القراء.
وتشير الورقة إلى عناية صحافة المهجر بالأجناس الأدبية الجديدة، ولا سيما الرواية والقصة القصيرة، فضلًا عن المقالة الأدبية والنصوص المسرحية والمقامات، وترى أن بدايات عدد من هذه الأجناس ارتبطت بصحافة المهجر الإفريقي، وفي مقدمتها نشر “الفلق” رواية “الأحلام” في عام 1939م.
ولم تكن المرأة غائبة عن صفحات تلك الصحف؛ إذ تشير الورقة إلى منحها مساحة لمناقشة قضاياها والكشف عن مواهبها ومسارات حياتها، في مؤشر على اتساع القضايا الاجتماعية والثقافية التي تناولتها الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا.
تواصل مع الصحافة العربية
لعل إحدى السمات المهمة التي توقفت عندها الورقة تتمثل في أن الصحافة العُمانية المهاجرة لم تعمل في عزلة عن محيطها العربي، بل كانت على اتصال بالحركة الفكرية والصحفية العربية، واستفادت مما كانت تطرحه الصحف والمجلات في عدد من البلدان.
ويذكر الدكتور الكندي نماذج من الصحف والمجلات التي مثّلت مصادر للتفاعل والتأثر، ومنها “الرسالة” و“المنار” المصريتان، و“اللطائف” و“الكفاح” السوريتان، و“ميزاب” و“الشروق” الجزائريتان.
ويكشف ذلك عن شبكة ثقافية تجاوزت الحدود الجغرافية؛ فالصحافة الصادرة في شرق إفريقيا كانت تستقبل الأفكار المتداولة في المراكز الثقافية العربية، وتعيد طرحها ومناقشتها في بيئتها المحلية، وفي الوقت نفسه تحمل صوت المجتمع العُماني في المهجر وقضاياه إلى فضاء أوسع.
ذاكرة مطبوعة للعلاقات العُمانية التنزانية
يمنح انعقاد هذه الجلسة في تنزانيا موضوع الورقة دلالة إضافية؛ فالصحف التي تناولها الدكتور الكندي تشكل اليوم جزءًا من الذاكرة الثقافية لتاريخ الحضور العُماني في شرق إفريقيا، وقد أكد الملتقى نفسه أهمية هذا الجانب؛ إذ أشار رئيس جمعية الصحفيين العُمانية الدكتور محمد بن مبارك العريمي إلى الحضور المبكر للصحافة العُمانية في زنجبار وشرق إفريقيا، وذكر من بين صحفها “النجاح” و“الفلق” و“النهضة” و“المرشد” ودورها في الحراك الثقافي والفكري.
ومن هنا تبرز تجربة الصحافة العُمانية في شرق إفريقيا باعتبارها أكثر من فصل في تاريخ الإعلام العُماني؛ فهي سجل لمرحلة من انتقال المعرفة عبر المحيط الهندي، وذاكرة للحضور العُماني في المهجر، ومنبر حمل قضايا المجتمع والوطن، واحتضن الأدب والمواهب، وربط شرق إفريقيا بالحركة الفكرية العربية.
وبذلك تكشف ورقة الدكتور محسن بن حمود الكندي عن رحلة طويلة للكلمة العُمانية؛ رحلة بدأت من الوطن، وعبرت البحر إلى المهجر، ثم تحولت في زنجبار وشرق إفريقيا إلى صحافة صنعت مساحة للتواصل الثقافي والمعرفي، وأسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة المشتركة التي تستعيدها اليوم اللقاءات الصحفية العُمانية التنزانية، ولكن بأدوات إعلامية جديدة وآفاق أوسع للتواصل والتعاون.

شارك هذا الخبر