أثير- أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
أنا أصلي وأقرأ القرآن ليش ما زلت مكتئبًا؟ سؤال قد يقوله إنسان أنهكه الألم ويبحث عن تفسير لما يمر به. وقد يسمع بدلًا من المساندة ”لو إيمانك قوي ما كنت بتحس بكل هذا“ عندها يحمل عبئَين: معاناة المرض والشعور بأنه مقصّر في علاقته بالله.
نعم المؤمن قد يمرض نفسيًا وقد يصاب بالاكتئاب، أو اضطرابات القلق، أو الوسواس القهري، أو الاضطراب ثنائي القطب، أو اضطراب ما بعد الصدمة. والإصابة باضطراب نفسي لا تكفي للحكم على إيمان الإنسان كما أن المحافظة على العبادة لا تعني أن الإنسان محصّن من كل مرض.
المرض أوسع من تفسير واحد
للاضطرابات النفسية عوامل متداخلة بيولوجية ونفسية واجتماعية، قد تشمل الاستعداد الوراثي، والضغوط، والصدمات، والظروف الأسرية والاجتماعية. وتختلف مساهمة هذه العوامل من شخص إلى آخر ومن اضطراب إلى آخر. لذلك، فإن اختزال المعاناة في ضعف الإيمان أو في تفسير مبسّط عن ”كيمياء المخ“ لا يعكس تعقيدها. نحن لا نستغرب أن يُصاب إنسان صالح بمرض جسدي، ونشجّعه على مراجعة الطبيب. فلماذا نستغرب مرضه النفسي، أو نطالبه بإثبات صلاحه قبل أن نصدّق ألمه؟ المعاناة النفسية تستحق أن تؤخذ بجدية، حتى عندما لا نراها في أشعة أو ضماد.
حين يصبح المرض بابًا للوم النفس
قد يشعر المصاب بالاكتئاب بذنب مفرط أو بانخفاض قيمته، وقد تراود المصاب بالوسواس القهري أفكار متكررة غير مرغوبة، تتعلق أحيانًا بالدين أو بما يخشى فعله. وجود هذه الأعراض يحتاج إلى فهم وتقييم، ولا يصح التعامل معه بوصفه اعترافًا برغبات الشخص أو حكمًا على أخلاقه.
لنتخيّل شخصًا تأتيه أفكار مزعجة أثناء الصلاة، فيخاف منها ويحاول طردها، ثم يقول ”كيف أفكّر بهذا وأنا مؤمن؟“ إذا سمع اتهامًا بضعف الإيمان، فقد يزداد خوفه ولومه لنفسه. والأقرب للمساندة أن نقول ”واضح إن هذه الأفكار تتعبك، خلّنا نفهم اللي تمر فيه مع مختص وهناك من يقول: «أدعو الله لكن الضيق ما راح“. استمرار الألم لا يبرّر الحكم بأن دعاءه بلا قيمة، أو أن الله تركه. ومن الرحمة أن نساعده على طلب الرعاية، بدل أن نجعله يخجل من الإفصاح عن معاناته.
الحزن شعور… والاضطراب يحتاج تقييمًا
المؤمن قد يحزن على فقد، ويقلق على أبنائه، ويخاف من المستقبل. هذه المشاعر، بمفردها، ليست دليلًا على ضعف الإيمان، ولا تعني بالضرورة وجود مرض نفسي. لكن حين يستمر الضيق، أو تشتد الأعراض وتؤثر في النوم والعمل والعلاقات والحياة اليومية، فمن المناسب طلب تقييم متخصص. فالاكتئاب يختلف عن الحزن العابر، والتشخيص يحتاج إلى النظر في الأعراض ومدتها وتأثيرها، لا إلى وصف سريع من المحيطين.
الدعاء والعلاج يجتمعان
يمكن للإنسان أن يستمد من الصلاة والذكر والدعاء معنى وسندًا، وأن يراجع المختص في الوقت نفسه. الأخذ بالأسباب جزء من رعاية النفس، وطلب العلاج لا يستدعي الشعور بالخجل. وتختلف الخطة العلاجية بحسب الاضطراب واحتياجات الشخص فقد تشمل العلاج النفسي، أو الأدوية، أو الجمع بينهما، إلى جانب الدعم الأسري والاجتماعي. ويحدد المختص الخيارات المناسبة بالتعاون مع المريض.
من المهم أن يجد المريض رعاية تحترم معتقداته، وتتيح له الحديث عن مخاوفه الدينية دون سخرية أو اتهام. كما يحتاج إلى من يسانده في متابعة العلاج، دون مطالبته بأن يتحسّن فورًا أو مقارنة معاناته بمعاناة الآخرين.
ماذا نقول لمن يتألم؟
بدلًا من ”أنت بعيد عن ربك“ يمكن أن نقول ”أنا معك، وخبرني كيف أقدر أساعدك“. وبدلًا من ”شدّ حيلك وانسَ الموضوع“ نقول: ”أشوف إنك تتعب، وما لازم تواجه هذا وحدك“. ويمكن أن نساعده في حجز موعد، أو نرافقه إذا رغب، أو نتولى عنه بعض المسؤوليات حين تثقل عليه.
نعم، المؤمن يمرض نفسيًا، وقد يدعو ويتعالج ويصبر ويأخذ بالأسباب. ومن واجبنا أن نفتح له باب المساندة، وأن نحفظ كرامته، وألّا نجعل مرضه امتحانًا يطالب فيه بإثبات إيمانه. يكفيه ما يحمله من ألم؛ فلنكن عونًا له على التعافي.






