رصد - أثير
متابعة: مـحـمـد الـعـريـمـي
”تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل، تربية الأبناء هي جزء من أصل المجتمع العُماني، عندما يتشرّب أبناؤنا عاداتنا وتقاليدنا، والتمسك بالأسرة والمجتمع هو سبيل نجاح المجتمع”.
في هذا النطق السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه-، تتجاوز الأسرة كونها إطارًا للعلاقات بين أفراد المجتمع، لتصبح مسؤولية تتصل بتنشئة الأجيال وتماسك المجتمع، وهو ما يضع حمايتها أمام تحدٍّ يتطلب أن تتكامل فيه القيم الاجتماعية مع التشريعات والمؤسسات المعنية.
لكن ماذا يحدث عندما لا تكون الأسرة قادرة على حماية أحد أفرادها من الإساءة؟ ومن يتدخل حين تتحول العلاقة التي يُفترض أن توفر الأمان إلى مصدر للخطر؟ هنا لا يعود الحديث عن تماسك الأسرة مسألة توعوية فحسب، بل يصبح مرتبطًا بوجود قواعد قانونية واضحة تحدد المسؤوليات، وتنظم التدخل، وتضمن الحماية للمتضررين.
من هذه الزاوية، يكتسب اجتماع الفريق المعني بإعداد مشروع قانون حماية الأسرة اليوم، برئاسة معالي الدكتورة ليلى بنت أحمد النجار، وزيرة التنمية الاجتماعية، أهميته.
فالاجتماع الأول للفريق لهذا العام لا يأتي في فراغ، بل يعيد إلى الواجهة ملفًا طُرحت جوانب منه قبل سنوات، وتحديدًا في ندوة المرأة العُمانية التي احتضنها المخيم السلطاني بسيح المكارم في ولاية صحار عام 2009م، وما انبثق عنها من توصيات تناولت تطوير التشريعات والسياسات المتصلة بالمرأة والأسرة.
من توصيات 2009 إلى مشروع قانون اليوم
قبل أكثر من 17 عامًا، لم تقتصر توصيات ندوة المرأة العُمانية على تعزيز مشاركة المرأة في التنمية والحياة العامة، بل امتدت إلى مراجعة السياسات والبرامج المتصلة بالمرأة والأسرة والمجتمع، وتطويرها بما يواكب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، كما تناولت جوانب قانونية أكثر تحديدًا، من بينها إصدار قانون لصندوق النفقة، وتخصيص دوائر قضائية لقضايا الأسرة، وإنشاء مراكز استشارية ومراكز للإرشاد الزواجي عند الحاجة.
لم تكن تلك التوصيات مجرد دعوة إلى توسيع الخدمات الاجتماعية؛ فقد حملت في جوهرها سؤالًا عن قدرة الأطر القائمة على الاستجابة لمشكلات الأسرة، وعن الحاجة إلى مراجعة التشريعات والإجراءات التي تحكم التعامل معها.
وفي هذا السياق، برزت الحماية من الإساءة باعتبارها أحد المجالات التي تتطلب عملًا مؤسسيًا متواصلًا؛ فالتعامل مع حالة أسرية قد يستدعي تدخلًا اجتماعيًا ونفسيًا، وقد يتطلب في الوقت نفسه حماية قانونية، وتنسيقًا مع جهات أمنية أو قضائية، ومتابعة تضمن عدم اقتصار التدخل على معالجة المشكلة الطارئة.
وهذه طبيعة الملف الذي يجعل الانتقال من التوصيات العامة إلى إعداد قانون مستقل مسألة تتجاوز صياغة نصوص جديدة؛ إذ يتعلق الأمر بكيفية تنظيم العلاقة بين الجهات المعنية، وتحديد أدوارها، وتوفير مسار واضح للتعامل مع حالات الإساءة.
من التنسيق المؤسسي إلى الحماية التشريعية
لم يبدأ الاهتمام الرسمي بالأسرة مع الفريق الحالي؛ ففي عام 2007، صدر المرسوم السلطاني رقم 12/2007 بإنشاء اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة، لتكون إطارًا مؤسسيًا يعنى بقضايا الأسرة، ويجمع الجهات ذات الصلة بالعمل الاجتماعي والتنموي.
ثم جاءت اللائحة التنفيذية للجنة بقرار وزاري في عام 2012، في خطوة هدفت إلى تنظيم عملها وآليات تنفيذ اختصاصاتها، بما في ذلك الجوانب المرتبطة بالاتفاقيات المعنية بالمرأة والطفل.
ومع تطور هذا المسار، برزت دائرة الحماية الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية بوصفها إحدى الجهات المعنية بالتعامل مع حالات الإساءة. وتشمل اختصاصاتها تلقي البلاغات ودراستها، والتحقق من الحالات، ووضع الخطط العلاجية، وتوفير الخدمات للمعرضين للإساءة والعنف، إلى جانب تأهيل المختصين اجتماعيًا ونفسيًا وطبيًا وقانونيًا، واقتراح اللوائح والضوابط اللازمة لحماية أفراد الأسرة.
وتكشف هذه الاختصاصات أن الحماية الأسرية ليست مهمة جهة واحدة؛ فالتعامل مع الحالة قد يبدأ ببلاغ، لكنه لا ينتهي عند تسجيله، بل يتطلب تقييمًا وتدخلًا مناسبًا ومتابعة، وقد يستلزم تنسيقًا بين أكثر من مؤسسة.
ومع ذلك، فإن وجود جهة مختصة وآليات للتعامل مع الحالات لا يعني بالضرورة أن جميع جوانب الحماية قد انتظمت في إطار تشريعي مستقل. فهنا تحديدًا تبرز أهمية مشروع القانون: هل يمكن أن يجمع القواعد والإجراءات المتصلة بحماية الأسرة ضمن منظومة أكثر وضوحًا وتكاملًا؟
ماذا يضيف مشروع القانون؟
تكتسب الخطوة الحالية أهميتها أيضًا من الإطار الدستوري الذي تستند إليه؛ فالنظام الأساسي للدولة، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2021، ينص في المادة 15 على أن الأسرة أساس المجتمع، وأن الدولة تعمل على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها، كما تكفل تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وتلتزم برعاية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والشباب والنشء، وفقًا لما يبينه القانون.
ويضع هذا النص حماية الأسرة ضمن مسؤوليات الدولة، لكنه يفتح في الوقت نفسه مساحة للتشريعات التي توضح كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى إجراءات عملية.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى المهام المعلنة للفريق المعني بإعداد المشروع، والتي تشمل مباشرة إعداد القانون، واستعراض التشريعات الوطنية ذات الصلة، ودراسة الاتفاقيات الدولية والالتزامات المعنية بالأسرة.
وتشير هذه المهام إلى أن العمل لا يقتصر على إعداد نص جديد بمعزل عن القائم، بل يبدأ بمراجعة ما هو موجود، وتحديد مواضع التكامل أو الحاجة إلى التطوير، والنظر في الالتزامات التي ينبغي مراعاتها عند صياغة الأحكام.
لكن القيمة العملية للقانون لن تتحدد بمجرد صدوره، بل بما سيقرره من ضمانات وإجراءات، فوضوح تعريف حالات الإساءة، وآليات الإبلاغ والتدخل، ومسؤوليات الجهات المختصة، وسبل حماية المتضررين، كلها مسائل ستؤثر في قدرة المنظومة على الاستجابة للحالات بصورة متسقة.
كما أن فاعلية الحماية تتطلب مراعاة خصوصية الحالات الأسرية، وتوفير الكفاءات المؤهلة للتعامل معها، وتحديد مسارات الإحالة بين الجهات الاجتماعية والقانونية والصحية والأمنية، بحسب طبيعة كل حالة. فالتشريع الذي لا تسنده آليات تنفيذ واضحة قد يظل محدود الأثر، حتى لو حدد أهدافًا مهمة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعداد النص
بين ندوة صحار عام 2009 واجتماع الفريق الحالي، تتضح ملامح مسار انتقل من طرح توصيات تتعلق بتطوير سياسات المرأة والأسرة إلى بناء أطر مؤسسية للحماية، ثم إلى خطوة إعداد مشروع قانون مخصص لهذا الملف.
غير أن هذه المحطات لا تعني أن مشروع القانون قد أُنجز، أو أن تفاصيل أحكامه باتت معلومة؛ فالاجتماع الحالي يمثل خطوة في مرحلة الإعداد، تسبق استكمال الإجراءات التشريعية اللازمة لصدوره.






