حكاية نصف قرن بين “إصلاح صمام” و “زراعة قلب”

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

حكاية نصف قرن بين “إصلاح صمام” و “زراعة قلب”
حكاية نصف قرن بين “إصلاح صمام” و “زراعة قلب”
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
بين عمليةٍ جراحية استغرقت نحو ساعة في مستشفى خولة في عام 1976م، وعملية زراعة قلب استغرقت خمس ساعات في المركز الوطني لطب وجراحة القلب في عام 2025م، تمتد قرابة نصف قرن من التحولات التي شهدتها الخدمات الصحية التخصصية بسلطنة عُمان.
وتكشف قصاصات صحفية نشرتها جريدة “عمان” تعود إلى 12 أكتوبر 1976م عن محطة مبكرة لافتة في تاريخ جراحة القلب؛ إذ أعلنت الصحافة آنذاك نجاح ما وصفته بأنه “أول عملية جراحية للقلب تُجرى بنجاح في السلطنة”، وبعد نحو 49 عامًا، وتحديدًا في 30 أبريل 2025م، أعلنت وزارة الصحة نجاح أول عملية زراعة قلب في تاريخ سلطنة عُمان، لتربط المحطتان بين بدايات متواضعة لجراحة القلب وبين الوصول إلى أحد أكثر التدخلات الطبية تعقيدًا.

البداية من مستشفى خولة

بحسب الخبر المنشور في جريدة “عمان” بتاريخ 12 أكتوبر 1976م، أُجريت العملية الأولى في مستشفى خولة، وتولى إجراءها الجرّاح الزميل في كلية الجراحين الملكية في بريطانيا الدكتور شفيق عايدين، وشاركه في العملية الجرّاح العُماني الدكتور وحيد الخروصي، خريج كلية الطب بجامعة القاهرة. أما طبيعة العملية فتمثلت في إصلاح أحد صمامات القلب الرئيسية، واستغرقت نحو ساعة.
وتشير القصاصة إلى أن المريضة كانت السيدة فضيلة السلام (قد تكون السلامي)، وكان عمرها 18 عامًا، وقد عانت لعدة سنوات حمى روماتيزمية حادة في القلب، بدأت معها المشكلة منذ أن كان عمرها نحو 15 عامًا، وكانت تنتابها نوبات من ضيق التنفس والإعياء الشديد بصورة مستمرة.
وبعد إجراء العملية، ذكرت الصحيفة أن المريضة كانت تتماثل للشفاء، فيما تولى الدكتور العُماني عبدالله الريامي وفريق من الأطباء رعايتها ومتابعتها الطبية.

“علامة مضيئة في مسيرتنا الحضارية”

لم تتعامل الصحافة العُمانية يومها مع العملية باعتبارها خبرًا طبيًا عابرًا، بل منحتها دلالة أوسع ترتبط بمسيرة بناء القطاع الصحي في السنوات الأولى للنهضة الحديثة، ففي كلمة لجريدة عمان جاءت تحت عنوان “كلمة بالمناسبة.. علامة مضيئة في مسيرتنا الحضارية”، ونشرتها في الصفحة ذاتها التي حوت الخبر، عُدّ نجاح العملية شاهدًا على نمو الخدمات الطبية، وعلى بداية بروز الكفاءات الطبية العُمانية في تخصصات دقيقة.
وكان لافتًا أن الكلمة ركزت على مشاركة الطبيب العُماني وحيد الخروصي في العملية، وعلى تولي الدكتور عبدالله الريامي رعاية المريضة، ورأت في ذلك مؤشرًا على قدرة الطبيب العُماني على الدخول تدريجيًا إلى مجالات طبية كانت شديدة التخصص في ذلك الوقت.
الدكتور وحيد الخروصي. صورة أرشيفية
الدكتور وحيد الخروصي. صورة أرشيفية

ماذا كانت تعني جراحة القلب عام 1976؟

تكمن أهمية هذه العملية في النظر إليها ضمن ظروف المرحلة التي أجريت فيها، ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي كانت المنظومة الصحية الحديثة في سلطنة عُمان ما تزال في طور التوسع وبناء المؤسسات والكوادر، ولذلك حمل إجراء عملية متخصصة لإصلاح أحد صمامات القلب داخل السلطنة دلالة مهمة في تاريخ تطور الخدمات العلاجية.
ومن المهم هنا التمييز بين هذه العملية وبين ما يُعرف لاحقًا بعمليات القلب المفتوح، فالموقع الرسمي للمستشفى السلطاني يسجل في عام 1990م بوصفه العام الذي شهد أولى عمليات القلب المفتوح في المستشفى السلطاني، بينما يسجل عام 1988م إجراء أول قسطرة قلب في المستشفى.

بعد نحو نصف قرن.. أول زراعة قلب

بعد قرابة نصف قرن من العملية التي شهدها مستشفى خولة في عام 1976م سجل القطاع الصحي العُماني في أبريل 2025م محطة جديدة في تاريخ جراحة القلب، تمثلت في نجاح أول عملية زراعة قلب من شخص متوفى دماغيًا لمريض عُماني كان يعاني قصورًا وفشلًا في عضلة القلب.
وأُجريت العملية، التي استغرقت نحو خمس ساعات، في المركز الوطني لطب وجراحة القلب بالمستشفى السلطاني، على يد فريق طبي عُماني متكامل ومتعدد التخصصات، وبمشاركة وإشراف معالي الدكتور هلال بن علي السبتي، وزير الصحة، ضمن الفريق الجراحي، مستفيدًا من خبرته في مجال جراحة القلب، إلى جانب وجود فريق دولي مراقب.
ومثّلت العملية خطوة متقدمة في مسيرة الخدمات الصحية التخصصية في سلطنة عُمان؛ إذ لم تعد جراحة القلب مقتصرة على علاج أمراض القلب وإصلاح الصمامات وإجراء عمليات القلب المفتوح والقسطرة والتدخلات الدقيقة، وإنما انتقلت إلى مرحلة زراعة القلب، بما تتطلبه من إمكانات طبية وجراحية وفنية وتنظيمية متكاملة.
وأكد وزير الصحة في اللقاء الإعلامي الذي أعقب العملية أن هذا الإنجاز يمثل مرحلة فارقة في مسيرة القطاع الصحي في سلطنة عُمان، موضحًا أن القلب المزروع أُخذ من متبرع متوفى دماغيًا، وأن عملية التبرع والزراعة تمت وفق المعايير الطبية والأخلاقية، وبما يتوافق مع القوانين الوطنية والتوصيات الدولية المعتمدة في مجال التبرع بالأعضاء.

من إصلاح صمام إلى زراعة قلب

تكتسب المقارنة بين العمليتين دلالة تاريخية خاصة؛ ففي أكتوبر 1976م كانت الصحافة العُمانية تحتفي بنجاح أول عملية جراحية للقلب في مستشفيات السلطنة، وهي عملية لإصلاح أحد صمامات القلب لمريضة في الثامنة عشرة من عمرها، أجراها في مستشفى خولة الجرّاح الدكتور شفيق عايدين بمشاركة الدكتور وحيد الخروصي، فيما تولى الدكتور عبدالله الريامي وفريقه العناية بالمريضة بعد العملية.
وبعد نحو 49 عامًا، أصبح فريق طبي عُماني متكامل قادرًا على إجراء عملية زراعة قلب داخل السلطنة. وهكذا ترسم العمليتان خطًا زمنيًا لافتًا لتطور طب وجراحة القلب في عُمان: من إصلاح صمام القلب عام 1976م، إلى زراعة قلب كامل عام 2025م.
وإذا كانت الصحافة قد وصفت إنجاز 1976م يومها بأنه “علامة مضيئة في مسيرتنا الحضارية”، فإن استعادة تلك العبارة بعد قرابة نصف قرن تمنحها دلالة إضافية؛ فالمحطة التي عُدّت في بدايات النهضة إنجازًا طبيًا استثنائيًا، أصبحت بداية لمسيرة طويلة من بناء المؤسسات وتأهيل الكوادر وتوطين التخصصات الطبية الدقيقة، وصولًا إلى إجراء زراعة القلب بأيدٍ عُمانية في عام 2025م.

المراجع

  • جريدة عمان. عدد 12 أكتوبر 1976
  • تقرير بعنوان “سابقةٌ تاريخية تُسجَّل باسم سلطنة عُمان: أول عملية زراعة قلب تُجرى بأيدٍ عُمانية”، موقع وزارة الصحة العمانية، 30 أبريل 2025، https://www.moh.gov.om/ar/
  • موقع المستشفى السلطاني. https://royalhospital.med.om/

شارك هذا الخبر