ما الذي يمكن أن تبنيه سلطنة عُمان وزنجبار على إرثهما المشترك؟

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

  ما الذي يمكن أن تبنيه سلطنة عُمان وزنجبار على إرثهما المشترك؟
الملتقى الصحفي العُماني التنزاني
أثير- زنجبار
د. محمد بن حمد العريمي
استعرضت جلسة حوارية أُقيمت ضمن فعاليات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار عمق العلاقات التي تجمع سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة، من خلال أربعة محاور تناولت الصحافة العُمانية في شرق أفريقيا، وصون التراث المعماري في زنجبار، والعلاقات التاريخية والثقافية، والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بمشاركة باحثين ومتخصصين من الجانبين العُماني والتنزاني.
وجاءت الجلسة تحت عنوان “العلاقات العُمانية التنزانية من جسور التاريخ إلى آفاق المستقبل”، لتقدم قراءة متعددة الأبعاد للعلاقات بين الجانبين، انطلقت من إرث تاريخي وحضاري تشكل عبر قرون من التواصل البحري والتجاري والهجرة والاستقرار، وصولًا إلى بحث فرص التعاون المعاصر في الإعلام والتراث والاقتصاد والاستثمار والسياحة.
وعكست أوراق العمل والمداخلات أن العلاقات بين عُمان وتنزانيا لا تقتصر على استحضار تاريخ مشترك، وإنما تمتلك مقومات يمكن البناء عليها لتطوير شراكات جديدة، مستفيدة من الذاكرة الثقافية والاجتماعية المشتركة والموقع الجغرافي والإرث البحري والتجاري للبلدين.


المحور الأول: رسالة الكلمة من الوطن إلى المهجر

تناول المحور الأول “الصحافة العُمانية في شرق أفريقيا: رسالة الكلمة من الوطن إلى المهجر”، وقدمه الدكتور محسن بن حمود الكندي، الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الأدب العُماني الحديث وتاريخ الأدب والصحافة العُمانية.
وسلط الكندي الضوء على دور الصحافة العُمانية المهاجرة في شرق أفريقيا، بوصفها إحدى أبرز أدوات الحضور الثقافي والمعرفي العُماني، ووسيلة فاعلة لنقل الأفكار وتشكيل الوعي وربط المجتمع العُماني في المهجر بالوطن الأم والفضاء الثقافي العربي.
وتتبعت الورقة التجربة الصحفية العُمانية في زنجبار وشرق أفريقيا منذ مطلع القرن العشرين، حين شهدت المنطقة نشاطًا صحفيًا متناميًا تمثل في ظهور عدد من الصحف والمجلات ذات التوجهات الثقافية والأدبية والسياسية والتربوية.
وأوضح الكندي أن هذه الصحافة اضطلعت بأدوار متعددة، كان من أبرزها تعزيز الهوية العُمانية والعربية والمحافظة على اللغة العربية ونشر المعرفة والتعليم ودعم الحركة الإصلاحية والنهضوية، إلى جانب متابعة القضايا السياسية والاجتماعية في عُمان وشرق أفريقيا.
وأكدت الورقة أن الصحافة العُمانية المهاجرة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما شكلت مؤسسة ثقافية ومعرفية أسهمت في صناعة الوعي وحفظ الهوية وإنتاج الأدب وتعزيز التواصل الحضاري وترسيخ الحضور العُماني في شرق أفريقيا، لتصبح بذلك شاهدًا مهمًا على امتداد التأثير الثقافي العُماني خارج الوطن.
وفي السياق نفسه، تناول الدكتور صالح يوسف منيمو من الجانب الزنجباري موضوع “الصحافة العُمانية–الزنجبارية: الحفاظ على ذاكرة التاريخ وبناء جسور نحو المستقبل”، مستعرضًا أهمية الصحافة في توثيق العلاقات التاريخية وحفظ الذاكرة المشتركة، والدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الإعلامية في نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.
وطرحت المشاركة الزنجبارية بعدًا مستقبليًا لهذا الدور، من خلال تعزيز التعاون بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في عُمان وتنزانيا، وتبادل الخبرات والمحتوى، وإعادة تقديم القصص والشخصيات والأحداث التي تعكس قرونًا من التواصل بين الجانبين.

صون التراث المعماري في زنجبار: من الترميم إلى الاستدامة

انتقل المحور الثاني إلى أحد أبرز الشواهد المادية على الحضور التاريخي العُماني في زنجبار، من خلال ورقة بعنوان “صون التراث المعماري في زنجبار: “من الترميم إلى الاستدامة – بيت العجائب نموذجًا”، قدمها المهندس أحمد بن خلفان بن سيف الشكيلي.
وأكدت الورقة أهمية صون التراث المعماري في زنجبار باعتباره جزءًا أصيلًا من التاريخ والذاكرة الثقافية المشتركة بين عُمان وشرق أفريقيا، مشيرة إلى أن المحافظة على المباني التاريخية لا ينبغي أن تتوقف عند أعمال الترميم، وإنما تمتد إلى ضمان استدامتها واستمرار حضورها ووظيفتها الثقافية والمعرفية.
واستعرض الشكيلي جهود سلطنة عُمان، ممثلة في وزارة التراث والسياحة وبالتعاون مع الجهات المختصة في زنجبار، في تنفيذ عدد من مشروعات صون وتأهيل المباني التاريخية، ومن أبرزها بيت العجائب، وبيت الساحل، وبيت السيد برغش، وبيت المتوني.
وتطرقت الورقة إلى أهمية الانتقال من مفهوم الترميم بوصفه تدخلًا فنيًا وهندسيًا إلى مفهوم أشمل يقوم على الاستدامة وإدارة المواقع التراثية والحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية والثقافية.
وخلصت إلى أن صون التراث مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل جهود الحكومات والجهات المختصة والخبراء والمجتمع المحلي والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وأن الاستثمار في التراث هو في الوقت نفسه استثمار في الهوية والذاكرة والمستقبل.

أكثر من ألف عام من العلاقات التاريخية والثقافية

جاء المحور الثالث بعنوان “العلاقات التاريخية والثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة”، وقدمه الدكتور سليمان بن عمير بن ناصر المحذوري، الباحث والمؤرخ المتخصص في التاريخ العُماني والعلاقات العُمانية بشرق أفريقيا والتاريخ البحري والتجاري.
وتناول المحذوري عمق العلاقات التاريخية والحضارية بين عُمان وشرق أفريقيا، ولا سيما تنزانيا، موضحًا أن جذورها تمتد إلى أكثر من ألف عام، وأن العلاقات التجارية والملاحية والهجرات العُمانية المتواصلة إلى سواحل شرق أفريقيا أدت دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا التواصل.
وأبرزت الورقة النشاط التجاري والملاحي العُماني بوصفه أحد أهم مرتكزات تلك العلاقات؛ إذ استفاد العُمانيون من موقع عُمان الجغرافي، وخبرتهم المتراكمة في صناعة السفن والملاحة، ومعرفتهم بالرياح الموسمية ومساراتها، مما مكّنهم من إقامة حركة تجارية منتظمة مع موانئ شرق أفريقيا وتبادل السلع والمنتجات.
وأكد المحذوري أن التفاعل العُماني التنزاني لم يكن اقتصاديًا أو سياسيًا فحسب، وإنما أفرز تبادلًا ثقافيًا واجتماعيًا وحضاريًا عميقًا بفعل الهجرة والتعايش والتزاوج، وما رافق ذلك من انتقال وتأثير متبادل في أنماط الحياة والثقافة.
وتظهر نتائج هذا التفاعل بصورة واضحة في اللغة السواحيلية والعمارة والأزياء والمأكولات والفنون والعادات الاجتماعية، وهي ملامح لا تزال حاضرة في عُمان وتنزانيا، وتشكل إرثًا تاريخيًا وثقافيًا مشتركًا يمكن البناء عليه لتعزيز العلاقات الثنائية واستشراف آفاق جديدة للتعاون.
ومن الجانب الزنجباري، شاركت شديدة عمر علي في موضوع العلاقات التاريخية والثقافية بين سلطنة عُمان وزنجبار، بما أضاف رؤية محلية إلى قراءة التاريخ المشترك، وأبرز أهمية الصلات الاجتماعية والثقافية التي نتجت عن قرون من التواصل بين المجتمعين.

العلاقات الاقتصادية والاستثمارية: فرص تتجاوز التبادل التجاري

أما المحور الرابع فتناول “العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا المتحدة”، وقدمته أفراح بنت عبدالله المجيني، مدير مشروع التحسين المستمر بالهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في سلطنة عُمان.
وانطلقت الورقة من الروابط التاريخية الراسخة بين البلدين، وما دعمها من حركة تجارية متنامية، بوصف ذلك قاعدة يمكن من خلالها فتح آفاق أوسع للشراكة والاستثمار بين عُمان وتنزانيا.
واستعرضت المجيني واقع البيانات التجارية بين البلدين، مشيرة إلى تنامي الواردات العُمانية من تنزانيا والصادرات العُمانية إليها، وما يعكسه ذلك من تنوع في حركة التجارة، فضلًا عن وجود فرص لتوسيع التعاون في الأنشطة الصناعية والتجارية وسلاسل الإمداد.
كما أبرزت فرص تطوير التعاون في المجالات اللوجستية والبحرية وخدمات الموانئ، بما يمكن أن يسهم في توسيع حركة التجارة وتعزيز الاستثمار والاستفادة من الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية التي يتمتع بها البلدان.
وتناولت الورقة أهمية توسيع دور القطاع الخاص وتعزيز الاستثمارات والمشروعات المشتركة، والانتقال من التبادل التجاري إلى شراكات أكثر تكاملًا في التصنيع والخدمات اللوجستية وسلاسل القيمة والاقتصاد الأزرق، بما يدعم المصالح الاقتصادية المشتركة للبلدين.
وفي سياق استشراف الفرص الاقتصادية المستقبلية، تناولت خيرات حاج علي، مسؤولة الاتصال والبرامج في جمعية الإعلاميات التنزانيات – زنجبار، موضوع “مستقبل الاستثمار السياحي: الفرص والآفاق في سلطنة عُمان وزنجبار”.
وركزت المشاركة على ما يمتلكه الجانبان من مقومات سياحية وثقافية وطبيعية يمكن أن تدعم فرص التعاون والاستثمار، خاصة مع وجود تاريخ مشترك وموروث معماري وبحري واجتماعي يمكن توظيفه في تطوير منتجات ومسارات سياحية ذات طابع ثقافي وتاريخي.

التاريخ المشترك قاعدة لشراكة المستقبل

عكست المحاور الأربعة للجلسة صورة متكاملة لمسار العلاقات العُمانية التنزانية؛ إذ بدأت من الكلمة والصحافة بوصفهما وعاءً للذاكرة، وانتقلت إلى العمارة والتراث باعتبارهما شاهدين ماديين على التاريخ، ثم عادت إلى الجذور التاريخية والثقافية التي صنعت هذا التواصل، قبل أن تتجه نحو الاقتصاد والاستثمار والسياحة باعتبارها مجالات واعدة لبناء شراكات المستقبل.
وأظهرت المناقشات أن ما يجمع عُمان وتنزانيا يتجاوز صفحات التاريخ إلى إرث إنساني وثقافي حي، ما تزال شواهده حاضرة في زنجبار وشرق أفريقيا، في اللغة والعمارة والصحافة والعادات والموروث الاجتماعي، إلى جانب روابط التجارة والملاحة التي أسهمت في تشكيل جانب مهم من تاريخ المنطقة.
كما أكدت الجلسة أن المحافظة على هذه الذاكرة وتوثيقها وإتاحتها للأجيال الجديدة يمكن أن تسير بالتوازي مع تحويلها إلى قاعدة لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والتراث والسياحة والتجارة والاستثمار، وهو ما جسده عنوان الجلسة “العلاقات العُمانية التنزانية من جسور التاريخ إلى آفاق المستقبل” ضمن فعاليات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار.

شارك هذا الخبر