رصد – أثير
لم يعد الإنترنت نافذة جانبية في حياة الطلبة، بل صار فضاءً يقضون فيه ساعات يومهم، ويتواصلون ويتعلمون ويشترون عبره، ويتعرضون فيه للمخاطر أيضا. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تُعِدّ المدرسة العُمانية طلبتها ليكونوا ”مواطنين رقميين“ يستخدمون التقنية بمسؤولية ووعي وأمان؟
دراسة حديثة ”رصدتها أثير“، نُشرت في مجلة الدراسات التربوية والنفسية الصادرة عن جامعة السلطان قابوس (المجلد 20، العدد 2، أبريل 2026)، حاولت الإجابة عن هذا السؤال. أعدّ الدراسة الباحثون سعاد بنت صالح الوهيبي وخلفان بن زهران الحجي وراجا مزنة راجا حسين، بعنوان ”المواطنة الرقمية لدى طلبة الحلقة الثانية من التعليم الأساسي بسلطنة عمان في ضوء بعض المتغيرات“. وخلصت إلى أن مستوى المواطنة الرقمية لدى طلبة الصف العاشر يقع في الدرجة المتوسطة، وأنه أدنى مما تتطلع إليه رؤية عمان 2040.
1022 طالبًا وطالبة من محافظات السلطنة كافة
شملت الدراسة 1022 طالبًا وطالبة من الصف العاشر خلال العام الدراسي 2022/2023، مناصفة بين الذكور والإناث، من أصل نحو 48 ألفاً و470 طالبًا في هذا الصف على مستوى السلطنة. ووُزّعت العينة وفق حجم كل محافظة، فجاءت محافظة مسقط في المقدمة بنسبة 20.1%، تلتها شمال الباطنة بنسبة 18.7%، ثم الداخلية بنسبة 15%. واختيرت مدرستان عشوائيًا من كل محافظة، ثم اختيرت الفصول عشوائيًا داخلهما. ويرى الباحثون أنها الدراسة الأولى من نوعها التي تقيس المواطنة الرقمية لدى الطلبة في محافظات السلطنة الإحدى عشرة جميعها.
اعتمدت الدراسة على استبانة من 54 فقرة بُنيت على نموذج ”الاحترام، التعليم، الحماية“ (REP) الذي وضعه الباحث الأمريكي مايك ريبل، صاحب مفهوم المواطنة الرقمية. ويضم النموذج تسعة عناصر موزعة على ثلاثة محاور:
- محور الاحترام: يشمل آداب التعامل الرقمي، والوصول الرقمي، والقانون الرقمي.
- محور التعليم: يشمل التواصل الرقمي، ومحو الأمية الرقمية، والتجارة الإلكترونية.
- محور الحماية: يشمل الحقوق والمسؤوليات الرقمية، والأمن الرقمي، والصحة والسلامة الرقمية.
وقد حكّم الاستبانةَ فريقٌ من الخبراء ضمّ ريبل نفسه، وبلغ معامل ثباتها (ألفا كرونباخ) 0.772، كما حصلت الدراسة على موافقة رسمية من وزارة التربية والتعليم.
مستوى متوسط في المحاور الثلاثة
بلغ المتوسط العام للمواطنة الرقمية لدى الطلبة 2.90 من 5، وهو ما يضعه ضمن الفئة المتوسطة (من 2.60 إلى 3.39). وجاءت المحاور الثلاثة كلها في المستوى ذاته:
• الاحترام: 2,99 وهو الأعلى.
• الحماية: 2,87
• التعليم: 2,83 وهو الأدنى.
ويعني ذلك أن الطلبة أكثر وعياً نسبياً بقواعد السلوك المحترم على الإنترنت، لكنهم أضعف في مهارات تقييم المعلومات، والتعامل مع التهديدات الرقمية، واستخدام الأدوات التقنية بكفاءة.
لا فرق بين الجنسين.. إلا في ”الاحترام“
لم تجد الدراسة فروقًا ذات دلالة إحصائية بين الطلاب والطالبات في المستوى العام للمواطنة الرقمية، إذ بلغ متوسط الذكور 2.88 ومتوسط الإناث 2.91. ويتفق ذلك مع دراسات سابقة في الأردن وتركيا والصين، ويعزوه الباحثون إلى أن الجنسين يتلقيان التعليم ذاته في جميع المراحل.
غير أن الطالبات تفوقن في محور الاحترام تحديداً بمتوسط 3.04 مقابل 2.95 للطلاب. وتستحضر الدراسة تفسيرًا قدمته دراسة أردنية سابقة لنتيجة مماثلة، مفاده أن الطالبات أكثر تحفظاً وأشد قلقاً على سلامتهن على الإنترنت.
كلما طال البقاء على الإنترنت تراجع الوعي
كشفت الدراسة أن 40.4% من الطلبة يقضون من ساعة إلى ثلاث ساعات يومياً على الإنترنت، و33.6% من أربع إلى سبع ساعات. وفي المقابل، يقضي 11.6% من ثماني إلى عشر ساعات، بينما يتجاوز 14.4% عشر ساعات يومياً، أي أن أكثر من ربع الطلبة يقضون ثماني ساعات فأكثر على الإنترنت كل يوم.
وظهرت فروق دالة إحصائيًا بحسب مدة الاستخدام في المحاور الثلاثة وفي الدرجة الكلية، وخلص الباحثون إلى أنه كلما زاد الوقت الذي يقضيه الطالب على الإنترنت، انخفض مستوى مواطنته الرقمية.
وفيما يتعلق بالتعرض للمخاطر، أفاد 29% من الطلبة بأنهم واجهوا تهديدات إلكترونية، ونفى ذلك 32%، في حين فضّل 39% عدم الإجابة. وهذه النسبة الأخيرة لافتة بحد ذاتها. وسجّل الطلبة الذين واجهوا تهديدات مستوى أدنى من المواطنة الرقمية (2.86) مقارنة بمن لم يواجهوها (2.92). ويرى الباحثون أن ذلك يعني أن الطلبة الأضعف في المواطنة الرقمية هم الأكثر عرضة لمخاطر الفضاء الإلكتروني.
إجابات ”صادمة“ تكشف عمق الفجوة
وراء المتوسطات العامة، رصدت الدراسة إجابات تفصيلية وصفها الباحثون بـ”الصادمة”، ورأوا أنها تدق ناقوس الخطر:
- لم يوافق أغلب الطلبة على أن تصرفاتهم على الإنترنت قد تؤثر في حياتهم ومستقبلهم.
- لم يمانع جزء كبير منهم استخدام برامج التجسس لجمع معلومات عن الآخرين، ولا تنزيل المواد المحمية بحقوق الملكية دون مقابل.
- وافق عدد كبير على إرسال صور ومقاطع ومعلومات إلى أشخاص لا يعرفونهم.
- أقرّ كثيرون بأنهم لا يعرفون كيف يعدّلون إعدادات الخصوصية في حساباتهم أو يحلّون المشكلات التقنية التي تواجههم.
- لا يميز أغلب الطلبة بين المعلومات الخاصة والمعلومات الشخصية.
- وافق نصف الطلبة على الشراء من مواقع تبيع منتجات رخيصة دون التحقق من أمانها.
- لا يتحقق جزء كبير منهم من أن المواقع التجارية تعتمد بروتوكول الاتصال الآمن (HTTPS)، ولا يوقفون خاصية الإكمال التلقائي.
- لم يوافق ما يقارب من نصف العينة على أنهم يمارسون حقوقهم الرقمية، كحرية التعبير والخصوصية.
وفي المقابل، أظهر الطلبة وعياً جيداً ببعض جوانب الحماية، مثل استخدام برامج مكافحة الفيروسات، وضبط إضاءة الشاشات، وأخذ فترات راحة عند الاستخدام الطويل، إلى جانب إدراكهم المخاطر الصحية للإفراط في استخدام الأجهزة.
هل المدرسة خارج المعادلة؟
أبرز ما تكشفه الدراسة أن أغلب الطلبة لم يوافقوا على أنهم يتعلمون في المدرسة كيف يواجهون التهديدات الإلكترونية، وهو ما يعدّه الباحثون مؤشراً على قصور التدريب الذي يتلقونه في هذا المجال.
كما وافقت الأغلبية الساحقة على توفر الإنترنت في المنزل، بينما كان توفره في المدرسة موضع خلاف واضح. ويفسر الباحثون ذلك بمنع اصطحاب الهواتف إلى المدارس الحكومية، واقتصار استخدام الإنترنت على مختبرات الحاسوب في حصص تقنية المعلومات، والنتيجة أن الطالب يقضي ساعاته الرقمية الطويلة في البيت، بعيداً عن أي توجيه تربوي منظم.
وتأتي هذه النتائج منسجمة مع ما رصدته دراسات عربية ودولية سابقة، تراوح فيها مستوى المواطنة الرقمية لدى الطلبة بين المنخفض والمتوسط. ومن ذلك دراسة سعودية حديثة في الرياض سجّلت مستوى وعي متوسطاً بلغ 3.49، ودراسة أردنية كشفت غياب مصطلح ”المواطنة الرقمية“ عن كتب اللغة العربية للصفوف من الثامن إلى العاشر.
ما هي خارطة الطريق للمعالجة ؟
يرى الباحثون أن هذا المستوى المتوسط لا ينسجم مع رؤية عُمان 2040، التي تجعل بناء القدرات التقنية الوطنية وتمكين المواطنين من مواكبة التحولات العالمية إحدى ركائزها الأساسية. ويؤكدون أن تدريب الطلبة في هذا المجال ”ليس ترفاً بل ضرورة ملحّة“، لا سيما مع غياب منهج مخصص للمواطنة الرقمية في المدارس العُمانية.
وتقترح الدراسة على وزارة التربية والتعليم أربع خطوات عملية:
- إدراج المواطنة الرقمية ضمن المناهج الدراسية، وتعليمها بجدية منذ سن مبكرة في جميع المراحل، وفق موضوعات تناسب السياق العُماني.
- تأهيل المعلمين مهنياً بأدوات واستراتيجيات فعّالة لتدريس المواطنة الرقمية.
- إشراك أولياء الأمور عبر ورش وجلسات توعوية تعرّفهم بما يواجهه أبناؤهم على الإنترنت وكيف يساعدونهم.
- تقييم كفاءات الطلبة في المواطنة الرقمية بصورة دورية عبر استبانات واختبارات، لتحديد مواطن الضعف ومعالجتها.
ويقرّ الباحثون بحدود دراستهم، فهي تعتمد على التقرير الذاتي للطلبة، وتقتصر على المنهج الكمي، وتستخدم استبانة طويلة، ولذلك يدعون إلى دراسات لاحقة تشمل صفوفاً ومراحل أخرى، وتعتمد مناهج بحثية متنوعة.
في المحصلة
تقدّم الدراسة صورة واضحة عن موقع الطالب العُماني في العالم الرقمي: جيل متصل بالإنترنت لساعات طويلة، يملك وعياً مقبولاً بقواعد السلوك، لكنه يفتقر إلى مهارات الحماية والتمييز والتعامل الآمن. وتضع هذه الصورة المنظومة التعليمية أمام مسؤولية سد الفجوة بين ما يعيشه الطلبة فعلاً على الشاشات، وما تطمح إليه الرؤية الوطنية من مواطن رقمي واعٍ ومسؤول.





