مسقط - أثير
متابعة: جميلة العبرية
حين تعود المرأة إلى عملها بعد برنامج تدريبي، يبدأ اختبار المعرفة التي اكتسبتها، كيف تحوّل البيانات إلى قرار، وتقود فريقًا لمعالجة تحدٍّ، وتترجم فكرتها إلى مشروع يرفع كفاءة المؤسسة؟ في هذه المسافة بين التعلّم والتطبيق تتضح قيمة التدريب، حين يمنحها أدوات التأثير، وتمنحها المؤسسة فرصة استخدامها.
ومع احتفال سلطنة عمان اليوم، السابع عشر من أكتوبر، بيوم المرأة العمانية، تبرز أهمية الاستثمار في تأهيلها عبر برامج تربط المعرفة بالمسؤولية، وتفتح أمامها مسارات للتقدم المهني والقيادة، فتأهيل امرأة لقيادة مشروع تطوير يعني أيضًا تمكين مؤسسة من الاستفادة من خبرتها، وقطاع اقتصادي من قدراتها.
برامج تفتح الطريق إلى القيادة
وتقدم الأكاديمية السلطانية للإدارة أمثلة لهذا التوجه، من بينها مبادرة “تسمو” لتطوير الكفاءات القيادية للمرأة العُمانية وتعزيز إسهامها في مختلف القطاعات، إلى جانب برنامج “اعتماد” الذي يستهدف تطوير القيادات العُمانية الوسطى في القطاع الخاص، وتنمية مهاراتها في القيادة والابتكار والتميز المؤسسي، بما يربط بناء القدرات باحتياجات المؤسسات وتطلعاتها.
ويتقاطع هذا المسار مع توجه شركة تنمية نفط عُمان نحو الاستثمار في الكفاءات الوطنية، ونقل المعرفة إلى تطبيقات عملية، ومن أمثلته تعاونها مع الأكاديمية في برنامج “قيادة التغيير”، الذي جمع 25 قائدًا من 24 جهة حكومية، وعمل المشاركون فيه على تحويل معارفهم إلى مبادرات في الحوكمة وجودة الخدمات والتحول الرقمي والكفاءة التشغيلية والتطوير المؤسسي.
كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى مبادرات؟
ومن داخل هذه التجربة، توضح رباب اللواتية، مدرب أول في التغيير والتحسين المستمر بشركة تنمية نفط عمان، أنها قادت برنامج “قيادة التغيير” بالتعاون مع الأكاديمية، وأن تصميمه جمع بين التعلم والتطبيق العملي وجلسات التوجيه، لتمكين القيادات من إدارة مبادرات تغيير حقيقية داخل مؤسساتهم.

وترى اللواتية أن البرنامج يمنح المرأة أدوات عملية لاتخاذ القرار وبناء الشراكات وتحويل الأفكار إلى مبادرات ذات أثر، بما يعزز حضورها قائدةً تسهم في تطوير مؤسستها ودعم مسيرة التنمية في عُمان، وهنا تصبح المرأة أيضًا ناقلةً للمعرفة ومشاركةً في إعداد قيادات أخرى.
ماذا تفعل قيادة التحسين داخل المصانع؟
وفي القطاع الصناعي، تظهر صورة أخرى لهذا الدور عبر برنامج “كفاءة” الوطني، الذي تشارك فيه عائشة الشكيلي بصفتها القائدة الفنية للبرنامج من شركة تنمية نفط عُمان، وتوضح أنه يُنفذ بالشراكة مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار والمؤسسة العامة للمناطق الصناعية “مدائن”، بهدف رفع كفاءة المصانع العُمانية وتعزيز تنافسيتها باستخدام منهجية «لين ستة سيجما» للتحسين المستمر.

وتقود عائشة الجانب الفني وبناء قدرات المشاركين، وتوجههم إلى استخدام الأدوات العلمية والإحصائية لمعالجة التحديات الصناعية وتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة، وهي تجربة أتاحت لها توظيف خبرتها ونقلها إلى القطاع الصناعي العُماني.
وبحسب الشكيلية، فإن تطوير التفكير التحليلي وحل المشكلات وقيادة مشاريع التحسين واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، يمنح المرأة قدرة أكبر على المنافسة وتولي الأدوار الفنية والقيادية، ويجعل أثرها مرتبطًا بالقيمة التي تضيفها إلى مؤسستها ومجتمعها ووطنها.
كيف تقاس المهارات بالنتائج؟
وعلى الطرف الآخر من رحلة نقل المعرفة، تتحدث فاطمة العجمية، من وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، عن تجربتها مشاركةً في “كفاءة”، موضحةً أن البرنامج أتاح لها اكتساب مهارات تحليل العمليات وتحديد فرص التحسين واستخدام البيانات، وقياس الأثر المالي والتشغيلي لمشاريع التطوير.

وتربط العجمية هذه المعارف بأهداف عملية تشمل رفع الإنتاجية وتقليل الهدر والتكاليف التشغيلية وتحسين جودة المنتجات، كما أسهم البرنامج في تعزيز خبرتها بإدارة المشاريع ومتابعة مؤشرات الأداء وربط المبادرات الصناعية بنتائج ملموسة، بما يدعم تنافسية المصانع والقيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
ماذا بعد انتهاء التدريب؟
وتضع العجمية شرطًا مهمًا لاكتمال التمكين، وهو تحويل التدريب إلى مسارات مهنية واضحة، عبر إتاحة تطبيق المعرفة، وإسناد المشاريع والمسؤوليات إلى المرأة، وإشراكها في صنع القرار، وتوفير بيئة داعمة للتطوير والابتكار، فالمهارات المكتسبة تحتاج إلى مساحة للعمل حتى يظهر أثرها.
وتلتقي التجارب الثلاث عند معنى عملي للاحتفاء بيوم المرأة العُمانية، يبدأ بتأهيلها، ويتواصل بالثقة بقدراتها ومنحها المسؤولية، ثم يُقاس بما تنجزه من تطوير، وبين امرأة تتعلم وأخرى تقود التدريب، تتسع دائرة المعرفة، وتصبح فرص التمكين استثمارًا في كفاءة المؤسسات واستدامة نمو الاقتصاد.





