أثير - ناصر الحارثي
بات هاجس الشركات ومؤسسات قطاع الأعمال منذ ظهور الذكاء الاصطناعي هو كيفية إدماج تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في نماذج عملها التشغيلية والتجارية، إذ كانت تشير التقديرات الأولية إلى أنها ستغيّر جذريًا في ملامح سوق العمل، وسيتم استبدال الكثير من الموظفين بأدوات وتقنيات تنجز أعمالًا أكثر بكفاءة أكبر وجهد أقل، ولكن التقارير الحديثة للشركات أظهرت الوجه الآخر للتقنية من خلال ارتفاع التكاليف والجهد للشركات التي تبنت تقنيات الذكاء الاصطناعي مقابل محدودية العوائد، وسأحاول في هذا المقال سرد عدد من الأمثلة على التحديات التي تواجهها الشركات.
- ارتفاع الفواتير الهيكلية بسبب كثرة الاشتراكات وتنوع المنصات، حيث أشارت شركة أوبر إلى أنه جرى استهلاك مخصصات الاشتراك في برامج الذكاء الاصطناعي لعام 2026 في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، فيما أعلنت شركة مايكروسوفت عن خطتها لتقليل الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- ساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في توفير حجم هائل من المعلومات التي يصعب على موظفي الشركات مراجعتها، كما تم إشراك التطبيقات في اتخاذ قرارات كتحديد أسعار التذاكر، والتي قد تكون خاطئة، كما حصل مع شركة Air Canada، مما اضطرها إلى تعويض العملاء بمبالغ كبيرة، كما أن شركات المحاسبة والتدقيق قد تسلّم تقارير مستندة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحتوي في جزء منها على أخطاء، وهو تحدٍّ كبير لأصحاب الشركات التجارية في تدقيق المحتوى؛ لأنه يبدو ظاهريًا شديد الإحكام، ولكن قد يحمل في طياته جانبًا من الهلوسة أو الأخطاء، كما يواجه المبرمجون تحديات في مراجعة الأعمال التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي.
- عند ارتفاع تكلفة الاشتراك تضطر المؤسسة إلى الاستمرار في الاشتراك؛ لأن نموذج عملها التشغيلي أصبح يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ونجد الآن أن معظم الشركات الكبرى تحولت من أسعار ثابتة إلى تسعير قائم على الاستخدام، مثل Anthropic وOpenAI وGitHub Copilot، مما جعل التكاليف غير متوقعة، والتخلي عن النماذج غير ممكن، وهو ما يسمى بقفل البائع.
- نموذج عمل الذكاء الاصطناعي يختلف عن نموذج عمل شركات البرمجيات التقليدية، بحيث إن كل مستهلك جديد في النموذج الجديد يضيف تكلفة إضافية على الشركة فيما يسمى «حوسبة رقمية»، لذلك يُعدّ الوصول إلى نقطة التعادل تحديًا لشركات الذكاء الاصطناعي، أما في البرمجيات التقليدية فالتكلفة الإضافية محدودة، مما يعني أن كل مستهلك جديد هو ربح جديد.
- الحجم الهائل للبيانات وصعوبة التمييز والتدقيق بسبب أتمتة معظم مراحل تنفيذ العمل، حيث إن الذكاء الاصطناعي يميل إلى التوسع في إجراءات العمل والتوسع في إظهار أخطاء غير حقيقية، مما يضطر المؤسسة إلى مراجعة المحتوى وتدقيقه، وهو ما قد يأخذ جهدًا أطول مما لو نُفّذ العمل بشكل مباشر.
- تبنّي وظيفة مهندس الأوامر (Prompt Engineer)، وهو الشخص المتخصص في تصميم الأوامر النصية الموجهة لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وصياغتها، ومع مرور الأيام أصبحت النماذج تفهم السياق البشري، ولا حاجة لهذه الوظيفة، وتحولت من أكثر الوظائف رواجًا في عام 2023 إلى وظيفة شبه منقرضة هذه الأيام.
في تاريخ الاقتصاد هناك الكثير من القصص المشابهة لنمو القطاع دون وجود جدوى مالية مباشرة، ويعتبر بعض الرأسماليين أن هذا النموذج أشبه بفرامة المال، وهذا ما حدث سابقًا في قطاعات مثل شركات التقنية الحيوية التي شهدت فقاعة في التسعينيات، والسيارات الكهربائية، والكمبيوتر في أزمة «دوت كوم»، وكذلك قطاع الطيران، حيث يقول وارن بافيت، في عبارته الشهيرة، إن شركات الطيران كانت آلة لحرق رأس المال.
في الاقتصاد هناك رغبات لا محدودة وموارد محدودة، لذلك فإن هذا النمو التصاعدي في الإنفاق له حدود، وسيدق ناقوس الخطر في أي وقت، ونجد فجأة أن شهية السوق تجاه الذكاء الاصطناعي قد انخفضت، وأن حمى الإنفاق على هذه التقنيات تراجعت تدريجيًا أو بشكل حاد، وذلك لأسباب متنوعة، منها انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، أو الصراع الصيني الأمريكي الذي يؤدي إلى انخفاض تكلفة الاشتراك في النماذج، أو عزوف الشركات عن الاشتراك المتعدد في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو أن أثر التطبيقات لا يوازي حجم التطلعات والآمال المعقودة عليها.
إن الذكاء الاصطناعي ليس قطارًا بمسار واحد، إذا فاتك الركوب فاتك حظ عظيم، بل هو قطار يمضي في مسارات متعددة، لذلك على المؤسسات الاستثمارية المحلية اختيار المسار الأنسب لها مع توقع درجة مخاطرة مرتفعة في رأس المال، أما الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة فإن ترشيد الإنفاق في استخدام برامج الذكاء الاصطناعي وتبنّي التقنيات الأنسب للموظفين هو مربط الفرس، مع عدم إهمال تأهيل رأس المال البشري لرفع قدرته على الإنتاج، حيث إن وجود آلة بدون معرفة بشرية توظفها لا قيمة له، ولا أثر تراكميًا يُبنى عليه.






