أثير - مازن المقبالي
لم تكن الصحافة العمانية في سنوات النهضة الأولى تكتفي بنقل أخبار المشروعات الحكومية، بل امتدت صفحاتها إلى القرى والأودية، ورصدت احتياجات الأهالي من المدارس والطرق والخدمات الصحية، ووثقت في الوقت نفسه ملامح الحياة الاجتماعية والمعالم التاريخية في محافظة جنوب الباطنة.
وكشفت دراسة للدكتور عبدالعزيز بن هلال الخروصي، بعنوان “محافظة جنوب الباطنة في الصحافة العُمانية خلال الفترة من 1972–1985: صحيفة عُمان ومجلة العقيدة أنموذجًا” كيف عكست الصحافة ملامح التحول التنموي في ولايات المحافظة خلال تلك المرحلة، من خلال الأخبار والتحقيقات الميدانية والمقابلات والاستطلاعات التي تناولت واقع القرى وتطلعات سكانها.

تحقيق عن الرستاق يكشف نقص الخدمات
من أبرز الشواهد التي توقفت عندها الدراسة تحقيق صحفي نشرته صحيفة “عُمان” عن ولاية الرستاق في عام 1973م تناول نقص الخدمات العامة واحتياجات السكان، وجاء عنوانه: “الرستاق: أربعة آلاف نسمة بلا خدمات عامة”، مشيرًا إلى معاناة الأهالي في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.

الطرق تربط القرى بالمراكز الحضرية
رصدت صحيفة “عُمان” مشروعات شق الطرق وتمهيدها ورصفها، بوصفها جزءًا من جهود ربط الولايات والقرى بشبكة مواصلات تسهّل حركة السكان ووصول الخدمات.
ومن المشروعات التي أوردتها الدراسة طريق بركاء–وادي المعاول، بطول 45 كيلومترًا، والطريق الذي يربط المصنعة والملدة والحزم والحوقين والرستاق والعوابي، بمسافة إجمالية بلغت 145 كيلومترًا.
كما أشارت إلى افتتاح طريق بركاء–نخل–العوابي–الرستاق في ديسمبر 1981م، بطول 82 كيلومترًا وتكلفة قاربت 14 مليون ريال عُماني، وفق ما ورد في الدراسة.
وتناولت التغطيات كذلك شق طرق في المناطق الجبلية، من بينها الطريق الرابط بين قرية ستال والمحصنة في وادي بني خروص بولاية العوابي، إلى جانب خطط لمد طرق باتجاه وادي السحتن ووادي مستل.
المدارس والتدريب والاهتمام بالمرأة
في قطاع التعليم، تابعت الصحافة افتتاح المدارس وتوسّع المؤسسات التعليمية في ولايات المحافظة. وتذكر الدراسة افتتاح مدارس في وادي المعاول ونخل والعوابي مع بداية العام الدراسي 1973–1974، والاستعداد لافتتاح مدارس للإناث في المصنعة وبركاء.

وفي نوفمبر 1981م نشرت الصحيفة أخبار افتتاح ثماني مدارس جديدة في ولايات المصنعة والرستاق وبركاء، كما تناولت إنشاء مراكز للتدريب المهني في المصنعة والرستاق.
وامتد الاهتمام إلى الأنشطة التربوية والشبابية؛ إذ رصدت الصحيفة افتتاح مخيم كشفي دائم لمفوضية منطقة الرستاق التعليمية في نوفمبر 1981، إلى جانب تغطية المنتدى الثالث للفتيات الذي استضافته بركاء في أغسطس 1985، واستمر 13 يومًا، وتضمن بحوثًا ميدانية ودراسات اجتماعية وزراعية وصحية وزيارات للمشروعات التنموية.

كما وثّقت الدراسة جهود تنمية المجتمعات المحلية في الرستاق، ومنها تدريب النساء على المشاركة في العمل المجتمعي وتنمية مهاراتهن الحرفية. وتوقفت عند تخريج أولى الدفعات من مركز تدريب النسيج في قرية عين عمق، الذي استهدف إحياء النسيج اليدوي التقليدي في قرى وادي السحتن، وفتح فرص للتأهيل الحرفي والاقتصادي أمام النساء والفتيات.
مجلة العقيدة ترصد تفاصيل القرى وحياتها
في مقابل متابعة صحيفة “عُمان” للأخبار والمشروعات والخدمات، تميزت مجلة “العقيدة”، وفق الدراسة، بالاستطلاعات الميدانية التي تناولت القرى من جوانبها الجغرافية والتاريخية والاجتماعية.

ففي ولاية بركاء، نشرت المجلة استطلاعات عن قرى الرميس وحي عاصم وقري وأبو النخيل والشخاخيط والسلاح والعبر والحفري وسلوى وحلة السور والبلة، تناولت طبيعتها الزراعية ومصادر المياه والتحصينات القديمة وأحوال السكان.
كما سلطت الضوء على الحرف التقليدية في بركاء، ومنها صناعة الأبواب والنوافذ الخشبية والمباخر والنسيج، وأشارت إلى صناعة العمائم السعيدية الحريرية، التي ذكر الاستطلاع أن سعر الواحدة منها بلغ 40 ريالًا، والإزار القطني الذي بلغ سعر المتر منه تسعة ريالات.
وفي المصنعة، تناولت استطلاعات المجلة ارتباط الولاية بالبحر وصناعة القوارب والمشغولات الذهبية، إلى جانب ما نشرته عن قرية الشعيبة ومبادرات الأهالي في بناء المدرسة والمساجد، واحتياجات القرية من الطرق والخدمات الصحية.

أما في نخل، فقد رصدت التغطيات طبيعة البلدة ومقوماتها السياحية، وتناولت القلعة والمياه المتدفقة من الجبال والواحات الزراعية، كما أشارت إلى سمات معمارية تقليدية، من بينها فنون الخط العربي ونقوش تزيين أسقف المنازل، التي وصفها الاستطلاع بأنها مهددة بالاندثار.
وفي وادي المعاول، وثقت المجلة قرى مثل الواسط واللاجال وحبرا، ووصفت تضاريسها وتوزع حاراتها ومصادر المياه فيها، إلى جانب ما ارتبط بها من حصون وأبراج وأنشطة زراعية وحرفية.


الرستاق ونخل والعوابي.. تاريخ وخدمات
تناولت صحيفة “عُمان” الرستاق بوصفها مدينة ارتبطت بتاريخ العلم والحكم والقلاع والحصون، ورصدت في الوقت نفسه مشروعات الطرق والأسواق والخدمات الصحية والتعليمية فيها.
كما تناولت مجلة “العقيدة” قلعة الحزم وقرية الحزم، وتطرقت إلى موقع القلعة وتفاصيلها المعمارية، وإلى الحياة التعليمية والصحية والزراعية في القرية. وامتدت التغطيات إلى وادي السحتن، حيث وصفت تكيف السكان مع طبيعة المنطقة الجبلية وبناء المنازل على مدرجات الجبال.

وتناولت الصحافة في العوابي مشروعات الإسكان الاجتماعي وتوسيع شبكات الكهرباء، إلى جانب حصن العوابي والأبراج التاريخية. ووثقت كذلك مظاهر الحياة في قرية ستال بوادي بني خروص، بما فيها طبيعتها الجبلية وفنون الرزحة الشعبية.

أما نخل، فقد ظهرت في المقالات والاستطلاعات بوصفها بلدة تجمع بين التاريخ والطبيعة، فيما تناولت التغطيات تحديات مثل صعوبة الطرق وقلة الخدمات العامة وهجرة السكان إلى العاصمة والباطنة، إلى جانب الحديث عن المشروعات الصحية والاجتماعية المخطط لها.

الأرشيف الصحفي مصدر للتاريخ
خلصت الدراسة إلى أن صحيفة “عُمان” ومجلة “العقيدة” تمثلان مصدرًا مهمًا لتوثيق التحولات الاجتماعية والتنموية في جنوب الباطنة خلال الفترة من 1972 إلى 1985، بما اشتملتا عليه من أخبار المشروعات، وتحقيقات عن أوجه القصور في الخدمات، واستطلاعات عن القرى والمعالم التاريخية.
وأظهرت المواد التي تناولتها الدراسة جوانب من تطور التعليم والطرق والخدمات الصحية والكهرباء والإسكان، إلى جانب المبادرات الأهلية في إنشاء المدارس والمرافق العامة، وجهود تأهيل المرأة الريفية وإحياء بعض الحرف التقليدية.
وأوصت الدراسة بتوسيع البحث في الأرشيف الصحفي العُماني ليشمل محافظات أخرى، والاستفادة من مواده في توثيق التاريخ الاجتماعي والمكاني لعُمان، وفهم التحولات التي رافقت مرحلة بناء الدولة الحديثة.






