شهدته لندن: ما الأهمية التي يمثلها تاريخ 25 مايو 1978م لمسقط وبكين؟

دشّن بيان مشترك وُقّع في لندن عام 1978م مرحلة حديثة من العلاقات العُمانية الصينية، أعقبتها زيارة أول وفد عُماني إلى بكين وتعيين أول سفير للسلطنة لدى الصين.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

شهدته لندن: ما الأهمية التي يمثلها تاريخ 25 مايو 1978م لمسقط وبكين؟
شهدته لندن: ما الأهمية التي يمثلها تاريخ 25 مايو 1978م لمسقط وبكين؟
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الخامس والعشرين من مايو عام 1978م، دخلت العلاقات العُمانية الصينية مرحلة جديدة من تاريخها الممتد عبر القرون، عندما أعلنت سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى السفراء، لتبدأ بذلك صفحة حديثة من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدين، بعد قرون من التواصل التجاري والبحري والحضاري.
وجاء هذا الحدث في مرحلة مهمة من تاريخ سلطنة عُمان الحديث، شهدت فيها البلاد، بقيادة السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- توسعًا في علاقاتها الخارجية، وانفتاحًا على مختلف دول العالم، في إطار السياسة العُمانية الرامية إلى تعزيز حضور السلطنة الدولي، وإقامة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.
وتكشف مجموعة من الوثائق التاريخية، من بينها البيان المشترك لإقامة العلاقات الدبلوماسية، والصفحة الأولى من صحيفة ”عُمان“ الصادرة في 27 مايو 1978م، والصفحة الأولى من صحيفة ”عُمان“ الصادرة في 20 يونيو 1978م والمرسوم السلطاني رقم (78/58) الصادر في 29 نوفمبر من العام نفسه، إلى جانب ما نشرته الصحافة الصينية، عن تفاصيل هذه المرحلة، بدءًا من الإعلان الرسمي في لندن، مرورًا بأول زيارة لوفد عُماني إلى الصين، وصولًا إلى تعيين أول سفير عُماني لدى بكين.

25 مايو 1978م: البيان المشترك من لندن

شهدت العاصمة البريطانية لندن يوم الخميس 25 مايو 1978م توقيع البيان المشترك بشأن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين حكومة سلطنة عُمان وحكومة جمهورية الصين الشعبية، وهو.البيان الذي أصبح الوثيقة التأسيسية للعلاقات الرسمية الحديثة بين البلدين.
ووقّع البيان عن الجانب العُماني ناصر بن سيف البوعلي، سفير سلطنة عُمان لدى المملكة المتحدة آنذاك، فيما وقّعه عن الجانب الصيني تشو تشي يوان (Chu Qiyuan)، ممثل الحكومة الصينية.
ونص البيان على اتفاق الحكومتين على إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء اعتبارًا من 25 مايو 1978م، وتبادل السفراء بين البلدين. كما أكد جملة من المبادئ التي ستقوم عليها العلاقات الثنائية، أبرزها احترام السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي.
وتضمن البيان تأكيد الحكومة الصينية دعم سلطنة عُمان في المحافظة على استقلالها الوطني وتنمية اقتصادها، فيما أعلنت الحكومة العُمانية اعترافها بحكومة جمهورية الصين الشعبية بوصفها الحكومة الشرعية الوحيدة الممثلة للشعب الصيني بأسره.
ويعكس مضمون البيان طبيعة التفاهمات السياسية التي أرست أسس العلاقات بين البلدين، كما أن توقيعه في لندن يبرز الدور الذي اضطلعت به البعثات الدبلوماسية العُمانية في الخارج في توسيع شبكة علاقات سلطنة عمان الدولية خلال السنوات الأولى من النهضة الحديثة.

صحيفة ”عُمان“ تعلن الخبر في صفحتها الأولى

لم يتأخر وصول خبر إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين إلى الصحافة العُمانية؛ إذ نشرت صحيفة ”عُمان“ في عددها الصادر يوم السبت 27 مايو 1978م، بعد يومين فقط من توقيع البيان المشترك، خبرًا بارزًا في صفحتها الأولى حمل عنوان: ”علاقات دبلوماسية بين السلطنة والصين الشعبية على مستوى السفراء“.
وتكشف صورة الصفحة الأولى من الصحيفة، المرفقة ضمن الوثائق التاريخية لهذا التقرير، عن الأهمية التي أُعطيت للحدث، إذ احتل العنوان مساحة رئيسية أعلى الصفحة، في وقت كانت فيه. الصحافة العُمانية تواكب التحولات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها السلطنة.
وتناولت التغطية الإعلان عن إقامة العلاقات بين البلدين، وما يتصل به من تبادل التمثيل الدبلوماسي، في خطوة عكست اتساع دائرة العلاقات الخارجية لسلطنة عُمان.
وفي التاريخ نفسه، 27 مايو 1978م، كانت صحيفة ”الشعب اليومية“ الصينية تنشر في صفحتها الأولى، بالعدد رقم 10941، نص البيان المشترك بشأن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وسلطنة عُمان.
وأرفقت الصحيفة البيان بمقال افتتاحي احتفى بإقامة العلاقات، وتناول ما يمكن أن تفتحه هذه الخطوة من مجالات للتعاون بين البلدين، فضلًا عن إسهامها في تعزيز علاقات الصين بالدول العربية.
كما نشرت الصحيفة مادة تعريفية بسلطنة عُمان، استعرضت فيها الجهود التي كان يبذلها السلطان قابوس بن سعيد لتحديث البلاد وتطوير مؤسساتها، وأشارت إلى الجذور التاريخية القديمة للعلاقات العُمانية الصينية.

يونيو 1978م: أول وفد عُماني رسمي يصل إلى الصين

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية حتى شهدت العاصمة الصينية بكين وصول أول وفد عُماني رسمي، برئاسة معالي قيس بن عبد المنعم الزواوي، وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك، في 20 يونيو 1978م.
وشكلت هذه الزيارة أولى الخطوات العملية لترجمة البيان المشترك إلى تعاون مباشر بين حكومتي البلدين، حيث أجرى الوفد العُماني لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين الصينيين، من بينهم وزير الخارجية هوانغ هوا.
وشملت الزيارة مباحثات تناولت العلاقات الثنائية وآفاق التعاون، إلى جانب الاطلاع على عدد من المنشآت الصناعية والتجارب التنموية الصينية. كما زار الوفد عددًا من المدن والمناطق الصينية، في إطار التعرف على إمكانات البلاد الاقتصادية والصناعية، وبحث فرص تطوير العلاقات بين البلدين.
جريدة عمان. عدد 20 يونيو 1978
جريدة عمان. عدد 20 يونيو 1978
وفي شهادة تاريخية أدلى بها الدكتور إبراهيم بن حمود الصبحي لوكالة الأنباء العُمانية عام 2018م، أوضح أنه كان ضمن أعضاء الوفد بصفته نائب رئيس المراسم بوزارة الخارجية، وأن الزيارة استمرت نحو عشرة أيام، وشملت عددًا من المدن والموانئ الصينية.
ووصف الصبحي إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين بأنها تطور تاريخي في مسيرة العلاقات الخارجية للسلطنة، مؤكدًا أن الخطوة أسست لمرحلة جديدة من التبادل الدبلوماسي والتعاون بين البلدين.

سيف عُماني هدية من السلطان قابوس إلى القيادة الصينية

شهدت الزيارة الرسمية الأولى للوفد العُماني إلى بكين محطة رمزية مهمة، تمثلت في تقديم سيف عُماني هدية من السلطان قابوس بن سعيد إلى القيادة الصينية.
وقد نقل معالي قيس بن عبد المنعم الزواوي خلال لقاءاته تحيات السلطان قابوس وتطلعاته إلى تطوير العلاقات بين البلدين، في حين عكست الهدية جانبًا من التقاليد الدبلوماسية العُمانية التي توظف الرموز الوطنية والتراثية في التعبير عن الصداقة والتقدير.
وتحمل هذه الهدية دلالة ثقافية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها السيف في التراث العُماني، بوصفه رمزًا تاريخيًا يرتبط بالهوية الوطنية والموروث الاجتماعي. كما أتاحت الزيارة للوفد العُماني التعرف عن قرب على التجربة الصينية، وفتحت المجال أمام استمرار التواصل السياسي والدبلوماسي بين البلدين خلال الأشهر التالية.

29 نوفمبر 1978م: مرسوم سلطاني بتعيين أول سفير عُماني لدى الصين

من بين أبرز الوثائق التاريخية المرتبطة ببدايات العلاقات العُمانية الصينية، المرسوم السلطاني رقم (58/78)، الذي أصدره السلطان قابوس بن سعيد في 29 نوفمبر 1978م، الموافق 28 ذي الحجة 1398هـ، والذي قضى بتعيين إبراهيم بن حمود الصبحي سفيرًا فوق العادة مفوضًا للسلطنة لدى جمهورية الصين الشعبية.
وتبرز أهمية هذه الوثيقة في أنها تكشف عن سرعة الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة تأسيس التمثيل الدبلوماسي الدائم، كما توثق أحد التعيينات المبكرة في تاريخ السلك الدبلوماسي العُماني الحديث.
وقد ارتبط اسم الدكتور إبراهيم بن حمود الصبحي بالمراحل الأولى للعلاقات الدبلوماسية بين عُمان والصين، فقد شارك في الزيارة الرسمية الأولى إلى بكين في يونيو 1978م، قبل أن يُعين لاحقًا أول سفير عُماني لدى جمهورية الصين الشعبية.
وتكشف شهادته التي أدلى بها عام 2018م عن جانب من الظروف التي رافقت تأسيس البعثة الدبلوماسية العُمانية في بكين، حيث واجهت السفارة في بداياتها تحديات تتعلق بتوفير مقر مناسب ومستلزمات العمل الدبلوماسي. وأوضح الصبحي أنه أقام في فندق ببكين، برفقة دبلوماسيين اثنين، وخصصت بعض الغرف لممارسة الأعمال الدبلوماسية، قبل الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقرارًا لعمل السفارة.
صورة أرشيفية لأول سفير عماني لدى الصين الدكتور إبراهيم بن حمود الصبحي
صورة أرشيفية لأول سفير عماني لدى الصين الدكتور إبراهيم بن حمود الصبحي
وقد مثّل تأسيس السفارة العُمانية في بكين خطوة أساسية في تعزيز التواصل الرسمي بين البلدين، ومتابعة تنفيذ التفاهمات التي انطلقت مع توقيع البيان المشترك في مايو 1978م.

علاقات أقدم من الدبلوماسية الحديثة

على الرغم من أن 25 مايو 1978م يمثل البداية الرسمية للعلاقات الدبلوماسية الحديثة، فإن التواصل بين عُمان والصين يعود إلى قرون بعيدة، عندما أسهم البحارة والتجار العُمانيون في تنشيط حركة الملاحة والتجارة بين موانئ المحيط الهندي وبحر الصين.
وتشير دراسة الدكتور حبيب بن مرهون الهادي، المعنونة ”العلاقات التاريخية العُمانية الص ينية:دراسة تحليلية في نصوص الحوليات الصينية“، إلى أن المصادر التاريخية الصينية تحتفظ بإشارات متعددة إلى العلاقات التجارية والحضارية بين عُمان والصين، وأن بعض هذه الصلات يعود إلى ما قبل الميلاد.
وتتناول الدراسة دور الموانئ العُمانية في حركة التبادل التجاري، وما ارتبط بها من نقل السلع والمعارف والتأثيرات الثقافية، إلى جانب العلاقات التي تطورت خلال العصور الإسلامية، حين ازدهرت حركة التجارة البحرية بين المنطقة العربية والصين.
كما تستعرض الدراسة رحلات البحار الصيني المسلم تشنغ خه خلال الفترة من 1405 إلى 1433م، وتشير إلى ما ورد في المصادر الصينية بشأن وصول أساطيله إلى عدد من المواقع على السواحل العُمانية.
وتؤكد هذه الشواهد أن العلاقات الدبلوماسية التي تأسست عام 1978م لم تنشأ بمعزل عن التاريخ، وإنما جاءت امتدادًا لتواصل حضاري وتجاري عريق بين البلدين. حبيب الهادي دراسة في التراث الصيني.
وهكذا، فإن الخامس والعشرين من مايو 1978م لم يكن بداية معرفة عُمان بالصين، وإنما كان بداية مرحلة جديدة في علاقة تاريخية امتدت عبر البحار والموانئ وطرق التجارة، قبل أن تنتقل إلى السفارات والاتفاقيات والشراكات الاستراتيجية.
إنها قصة علاقات بدأت قبل قرون بأشرعة السفن العُمانية، وتجددت في العصر الحديث بتوقيع وثيقة دبلوماسية في لندن، لتفتح فصلًا جديدًا من التواصل بين حضارتين عريقتين.
المصادر والمراجع
1. البيان المشترك بشأن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين عُمان والصين، 25 مايو 1978م،
وزارة الخارجية الصينية.
2. صحيفة ”عُمان“، العدد الصادر يوم 27 مايو 1978م، الصفحة الأولى.
3. جريدة عمان. عدد 20 يونيو 1978، الصفحة الأولى.
4. موقع قانون. المرسوم السلطاني رقم (58/78) الصادر في 29 نوفمبر 1978م، المنشور
في الجريدة الرسمية رقم (160).
5. العلاقات العُمانية الصينية الدبلوماسية من ذاكرة صحيفة الشعب اليومية، موقع أثير، 14
يناير 2022م.
6. شهادة الدكتور إبراهيم بن حمود الصبحي عن بدايات العلاقات العُمانية الصينية، وكالة
الأنباء العُمانية، 2018م.
7. الدكتور حبيب بن مرهون الهادي، "العلاقات التاريخية العُمانية الصينية: دراسة تحليلية في
نصوص الحوليات الصينية"، ورقة علمية مقدمة عام 2022م،

شارك هذا الخبر